|
عـبدالباقي
فـــــــرج *
منذ
الوهلة الأولى بان لي ما فعله القتلة
بهذي البلاد أمـّـا العـباد فلم يعد من
الســـــــــــــــــهل قراءة ملامحهم
بعــــــــد 35 عاماً من القتل والذل
والجهل والحـرب والجوع فلماذا البصــرة
بـعـد 23 عاماً من غـيـاب كان لابد منه
لننأى برؤوســــــنا بـعـيـداً عـن
حــراب القـتـلة .
البصــرة
لا تبدو ســوى معســـــــكر خرب مهجور
عـســــكر فيه الطغاة[ فعســـكروا] كلَّ
شــــــــئ ،
الأرض
والنخل والماء والإنســـــــــــان وــ
عاثوا ــ كم يبدو هذا الفعـل بريئاً أمام
ما فـعــلوا ،لا فعـل
يدلُّ
عليهم ســـوى هذه المدينة ـــ
ليســـــــت مدن العـراق الأخرى بأحســن
حال ــ التي رغم حرارة
طقســـها
و ــ مجـّـة ــ مائها
إلا أنَّ ســـــواد نخلها ــ كان
يقارب قبل مجيء الطغاة 20 مليون نخلة ــ وطيبة
أهلها ووفرة مائها حتى أن تفرعات
أنهارهــــا تكاد تشــــمل كلَّ أحيائها
فغدا من الممكن جداً
أن
تتمتع هذه المدينة بنقل نهري
يســـــــــير أقامته ولكن من أين
للبعثيين الطغاة أن يلتمســــــــــوا
الماء والدم هـو
مشــــــــــــــــــربهم ومبغاهم ؟
،لقد وجد القتلة بهذه المدينة هدفاً لهم بحكم
موقعها وتاريخها ورصيدها الثقافي
المعافى بالتأسـيس والاكتشـــــــــاف
والتمرد وكونها نافذة العراق ماءا وعينه
شــــعـراً وغرابة وفرادة الوافد و
................................................. !.
ليس
ســـوى الســـيـاب ظهره لشــط العـرب
مطمئناً رغم ما فعلت حروب الطغاة
المســــــــــــــتمرة
فشــــعبنا
يلعن الجغرافيا وما تحمله اليوم من ظلام
وموت وحقد ومخدرات وكلّ ما يتفتق عنه
خيال
المجرمين
المريض ! .
أيـّـة
لـعـنـة حـلـّت علينا
؟
يقول
الطغاة إنها لعنة تحـّلُّ بمن لا
يطيعـون أولي الأمر منهم ، ويكرر
الظلاميون ما يـــردده مثالهم
في الحكم ولكن بما يأمر به هم وليس
الله فكيف لله جلّ وعلى على ضغائنهم
ومـفـاســــدهم أن يأمر
بما
يقترفون ؟ .
وتقول
العرب العاربة والمســـتعربة بقومييها و
ظلامييها ويمينييها ويســارييها
وشـــيوعييها إنها اللعنة التي تحلُّ بمن لا
يقفون في جبهة النضال الجهادي الأولى
بقيادة أبطال المجاعـــــــــات
والمقابــــــر والســجون الجماعية
والعائلية ـــ من أجل أجنحة خاصة ــ يرجى
مراجعة الفروع التي تبدأ بالرقم1 ولا تنتهي
... ومن أجل راحتك أخي المواطن فتحنا في كل
مكان ــ صحرا إن كان أو بســـــــــــتان
ـــ زنازين فـردية ـــ للذين يهوون
العزلة وأخرى بأحجام وتصاميم مبتكرة
لذوي الحاجات الخاصة .
فيـــا
لله ويــا لنا ويــا لما آلت إليه أحـوال الدنيا والآخرة ! .
منــذ
اللحظة الأولى ..... منـذ وقوفي أمام بوابة
تشـــــير إلى
الحدود العــراقية شـــــــعـرت
برهبة وغرابة وفرادة الموقف فها أنا من
بعـد 23 عاماً أقف وللمرّة الأولى عند
حدود بلادي الرســـــمية فمن أين لي ذلك وأنا لم أنل
جواز
عـراقي
رســـــــــــــــمي ! ، إنها المرّة الأولى التي أقف بها
عند حدود بلادي التي شـــــردتني مراراً
وهي المرّة الأولى أيضاً التي لم أر أو
أســـــــمع من العراقيين
خوفاً
أو تبرماً بل إن أشـــد ما أضحكني وآلمني
شـــــتيمة انطلقت من فم رجل ،باتجاه رجل
حدود عراقي لا لشيء ســـــوى قوله إن تلك
الغرفة مخصصة لختم الدخول بينما كان عليه
أن يشــــــــــير لأخرى ولك أن تتصور رد فعل رجل الحدود إزاء
هكذا فعل أشـــك تماماً بصدوره قبل
شــهــور فقط!،لم يفعل رجل الحدود هذا
سوى أنه
قال له احترم شـــــيبك يــا رجل !.
بــعـــد
طريق قـاحل تابعت عيناي فيه كلّ إنجازات آباء
و أمهات المعارك والهزائم
والحواســــــــم
وحتى
أفقت على بغداد وهي تتلفع بخراب وبؤس هما
ما خلفهما لها نظام المقابر والهزائم
الجماعية بتخلفه وهمجيته وحروبه وما
ترتب عليها من عواقب دفع ثمنها شــــعبنا
الذي بدا رغم
تنفســه
هواء نقياً غادره منذ عقود ورغم كلّ هذه
الحريــة التي يســـــتفيد منها أيضاً
أعداؤه بكل
ألوانهم
ومن يعتقدون أن القوة هي الطريق الوحيد
لفرض ما يريدون وغيرهم ممن يتصيدون في
ماء عكر جداً،أقول رغم كل ذلك إلا أن
العراقي بدا متعباً حتى أنك لا تســتطيع أن
تتبين ملامحه ! .
ومن
بغداد إلى حيث
القـبـــــــــــــــــــور في النجف
التي لولا بهــــاء
ضريح علي بن ابي طـــالب
لبانت وكأنها أكبر قبر في
العالم ثمَّ إلى
البصرة مروراً بمدن لا تتميز عن
ســـــــواها إلا كونها أكثر بؤسـاً
فماذا كان يفعل ــ قادة ــ بلد يُعد من
أغنى بلدان العالم سـوى نهبه وتدميره
لتحقيق ما جبلوا عليه من همجيـــة
ووحشـــــيـة قلَّ نظـيــــرهـا
.
كنا
دائماً نتلمس شــــعرنا الذي ســـيلتف
عند مدخل البصـــرة بسبب هذا الهواء
الشـــــــــــــرقي
ولكننا
هذه المرّة أخذنــا بهذا الخراب الذي طال
كلَّ شـــيء
في البصـــرة ... كلَّ
شـــــــــــــــــــــيء ،
فلا
شـــيء
يدلُّ
على أن هذه البقعة من الأرض هي البصــرة
ســــوى ذاكرة تمتد إلى ما قبل غزو
البعثيين عراقنا ومنه مدينتنا هذه
وتحويلها إلى معســـكر
بكلِّ ما تعني الكلمة !!! .
فالمناطق
الغـنية لم تتعرض لأي إصلاح أو إدامة بل
تعرضت لما تتعرض له الأماكن التي تعسـكر
فيها
الجيوش المهزومة ! ، أما المناطق الفقيرة
فقد تحولت إلى
مســتنقعات مأهولة بالســـــكان .
في
اليوم الأول لم أغادر محلتي التي ولدت
فيها والتي تحولت فعلاً إلى
مســتنقع يشــير بوضوح
لإنجازات
البعثيين خلال حكمهم العراق 35 عاماً !!! .
في
اليوم الثاني لم أســـتطع مقاومة
الشــــوق إلى قلب
المدينة فتوقفت الســــــــــيـارة عند
القلب الذي لم أتعرّف عليه حقاً أنها أمّ
البروم التي تحولت بالفعل إلى مســـــــتنقع يواجهها ذلك
الركام الذي كان فيما مضى دار ســــينما
ــ الكرنك ــ ولا أدري ماذا ســــيحلُّ
محلـّـه ؟ ، ثم مكتبة المربد
لنتجه
بعد ذلك في أزقة البجاري إلى دار قديمة أصبحت مقراً لتجمع
الديمقراطيين الأحرار الذيـن يستضيفون
اتحاد الكتاب في البصــرة وهنا
جلســـــــنا طويلاً حيث أحبة فارقناهم
وأحبة لم نرهم من قبل هم ما تبقى من نخيل
البصـــرة ولم يخل المكان من
أشــــــــــياء أخرى ، في هذا المكان
تستطيع أن تستشرف
المســـتقبل في كتابات وحماس مبدعين لم
يســــــــتطع الاحتلال البعثي أن يحول
بينهم وبين المتابعة والإبداع وفي هذا
المكان تســــــــــتطيع أيضاً أن ترى
بوضوح ما فعل الاحتلال البعثي البغيض
بالمثقف والثقافة العراقية ! .
هنا
ألتقينا بـالقاص محمود عبد الوهاب
والناقد جميل الشــــــــبيبي والقاص
قصي الخفاجي والكاتب
كريم زامل والشــاعر كاظم الحجاج
والشــــــــــــــاعر قاسم محمد علي
ولم نلتق
للأســف[ بالقاص الكبير محمد خضير] ،
والتقينا بالمثقف الجميل جاســم العايف
والمحامي الديمقراطي ســــــــــكرتير
جمعية
الصداقة العراقية ــ الدنماركية
الأســـتاذ طارق البريســــــيم وجمع
كبير من مبدعي و مثقفي البصـــــــرة
الرائعين فهان علينا مـــا طال الأرض و
الإنســـــــان من خراب ! .
حيـــن
حاذينا نادي الفنانين ســـابقاً ــ
عذراً فأنني ســـأكثر من اســــــــتخدام
هذه المفردة الماضوية
أو
نســـــــــيانها لحضورها الدائم وعند الضرورات ـــ
يطيح حظ ـــ القيــــــــادات الضرورات
ــ اللهم اجمعهم ـــ بتاء طويلة ــ ثم
ســـــــــــــلط عليهم هذا العزرائيل
الأمريكي بجاه كلّ ثكالى الأمة
العربية المجيــــدة ، أصبحنا بمواجهة
صاحب التمثال الوحيــد الذي تمسـك به
كورنيش شــــــــط العرب ولا أقـصـــد
طبعاً المجرم عدنان خيرالله الذي لم
يقتلعه أحد وهذا
أثر آخر من آثار التخريب
الشـــــــامل للإنســـان العراقي إلى
أن
اقتلعته الشــــرطة العراقية وهوـــ حتى منتصف كانون
الثاني ـــ ممدداً
بمحاذاة مركز شـــــرطة
الســـــــــــــــــــعودية في
البصـــرة ، وإنما
قصدت تمثال الشــــــاعــر بـدر شـــاكر
الســــــــــــــيـاب الذي لا يريد أن
يصدق إطلاقاً ما حلً ببصرته وعراقه وعلى
يد مَـنْ ؟ ، على يد من قال لهم مرحى ! في
زمن إنكســــــــــــار عاشـــه بدر
الطيب ، بدر الذي ســـــــــــــــرعان
ما أكتشف بحكم كونه مبدعاً أن هؤلاء لا يريدون للعراق سـوى
الدمار وليس ســـوى الدمار ! .
على
جانب الكورنيش حذاء شـــط العــرب لم تعد
هناك كازينوهات انما انتشــــــــرت
بســطات لبيع موانع الثرثرة من فســــتق
وحب ولم أشهد في بســــــطاتهم ـــ
باسورك أو جقجق ــ وعلى الجانب الآخر لم
تعد موجودة تلك البارات التي شـــربت من
عمرنا وكرعنا فيها
ســـــــــــــــــاعات ليل كان
الشـــعر والغناء ســــــــيدها فقد
حلّت محلّها مقرات تحمل أســـماء
مشــــتقة أو متفرعة أميبياً من حركتين
أو ثلاث !، كذلك لم تعد حديقة الأمة سوى
خربة ســبق أن عسكروها
هي ايضاً ! .
لكن
الناس هنا يأملون أن تباشر قريباً إحدى
الشــــــــــــــــــــركات عملها
لإعادة أعمار الكورنيش بجانبيه ،
فيستعيد حيويته التي غادرها منذ حرب
الدكتاتور الأولى ضد ايران عام 1980 .
شــارع الوطـن
لم يـعــــدْ
ذاك الوسيم الذي
يغري المارّة بالبهجة
الفتيات بـفـتـنـتـهـن
والفتيان فـتــوتــهم
أما المبدعــون
فيســـرق ألســنتهم
لتنســـلّ أرواحهم
الشـفـيـفـة
تمارس الكتابة دون رقــيــــب !.
بل
بدا هـرمـاً يرتدي حـلّـتـه ـــ الرماد
كالعراق الخارج تــوّاً من حروب شـــنها
الفاشــــــــــســـــــــت دفعة
واحدة على مدى 40 عاماً ! .
شـــارع
الــوطن يعكس
حال البلاد فمكتبة فـــرجو حلّ محلها محل
لبيع الثياب ! و تحولت ملاهـــيـه
الى
مطاعم ولم يعد ذلك الشــــارع الجميل
الذي كان يقصده البصريــــــــــون
جميـعــاً .
الى
بريهه اتجهت وبالتحديد الى بيت آوانا في
ايام 1979 [ حين ابتدأ الفاشســـــت ـــ
كالعادة ـــ
باليسـار لينقضوا فيما بعـد على
الجميع يميناً ... وســطاً وفي العراق
انقضوا على شـعـب بأكمله ! ].
انه
بيت أم نجم الذي احتضنني ثانية ... أم نجم التي أشـــارت
إلى كتب ابنها البكر نجم الذي
ســـــلبته منها حروب الطغاة ! ، أما نضال
زوجة ابنها عبد الأميــر فقد حدثتني عن
بيت أبيها
ــ ذلك
البـيـــــت الذي آوانا أيضاً في تلك
الأيام ــ الذي أعلنه الفاشست للنهب بعد أن
قبضوا على أبيها عامل الميــناء المناضل
عبد الباري وولده شــاكر وزوج ابنته وليد
حنون ليستشــهدوا عام 1983 بكتاب
رســــــمي
من
المجرم صدام حســين !، ماذا لو عرجنا على
كل البيوت التي نعرف ونحب فكم شــــهيد
ســـنذكر [ في شهادتي عن الوطن والمنفى
التي قرأتها في الأمسية الشــعرية التي
أقامها لي اتحاد الكتاب في البصرة في 02 ــ
01 ــ 2004 ] أحصيت 23 صديقاً لي من المحلة
التي ولدت فيها فقط ، 23 صديقاً
استشـــهدوا لأنهم يحملون آراء مغايرة
لما يريده الدكتاتور ، ما تبقى لي من
الأصدقاء في محلتي 3 فقط هم القاص قصي الخفاجي
والناقد كريم عباس والرسام كاظم عران ! 3
فقط يا عربان وتصلّون
صلاة
الغائب على المجرمين عدي وقصي وتدعون
إلهكم [ فــربكم غير ربنا ] أن ينصــر
الإرهــــاب
وأهله
بل ترسـلون عتاة المجرمين عبر بوابة
عروبتكم الصامدة بوجه
الحريــّــــــــــة ، القابعة على ســـــــجونها ، عروبتكم التي ألقت
في قيعان البحر عظام ضحايا مقابرها
الجماعية خشــــــــية أن يكتشف أمرها ...
ترســـــــــــلون هؤلاء المجرمين
ليقتلوا العراقيين ـــ أنكم حقاًً اتعس
أمة ..... .
البصرة
جنّة البســتان
كأن
الشاعر مهدي محمد علي ــ مؤلف هذا الكتاب
ـــ يتابــــع وعيوني هذه االبصـــرة ــ
الفاجعة ــ ، وكأني بــ عبدالكريم كاصد
يقـلـّب ــــ كتاب البصرة ــــ عم تبحث
يـا كريم ؟
حين
لمستُ
سماءك ــ ماءك
هذي
الســــــباخ
وهذا
الهواء
الذي
ما ان تنســــــمته
أيقنت
ها
اننا الآن
بين
الوجوه التي احتشـدت
ـــ
وجهاً لوجه ـــ
فأينك
يــــــــــا بصــــــــــــــرُ ؟.
ماذا
سـيبقى إذاً لو لم تتدخل الأمبريالية
الأمريكية ! ؟
ربما
لنقل الرحالة لأحفادنا صورا عن مـوطـن أجدادهم وهو
يرتدي كفناً جماعـيــاً احتفاءً بمقدم
القائد
صدام
ابن مصطفى ابن قصي ابن صدام حســـــين !! .
*
كتب
الشـــاعـر عبد الباقي فـــرج طوال الـ 23
عاماً الماضيــة باســـــــــــــــم
[ مظفـر حســـين ] ، وله تحت هذا الأســـم
ديوانان ــ الإزار ... دمشــق 1993 و شــــرفـات لا
تطلّ على القلب ... دمشق
1995
|