العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 Gunnar Eklof  الشاعر السويدي

 

ترجمة وتقديم : د . سعيد الجعفر

 

 

غنّار أيكلوف  وبحسب الكثير من كبار النقاد السويديين أكبر شعراء السويد في القرن العشرين. فقد كتب الناقد أ.ي.ليندر في كنابه الشهير" خمسة عقود من القرن العشرين" أنه"كلما غير إيكلوف مسار شعره تغير مسار الشعر السويدي" . وقد قمت بترجمة الفصل الذي يخص أيلوف في ذلك الكتاب وهو مؤلف من 35 صفحة ونشرته عام 1990 في عدد سبتمبر من مجلة كتابات معاصرة البيروتية.

والذي يثير الدهشة لدينا هو التأثر العميق لإيكلوف، الآتي من الشمال القصي،  بالشرق وخصوصاً الصوفية الإسلامية وبالذات إبن العربي. ولا أريد أن أكتم سراً إذا قلت أن إيكلوف هو الذي دفعني لقراءة إبن العربي  وبالذات ديوان ترجمان الأشواق.

ولقد تجلى عشق إيكلوف للشرق وللصوفية في الكثير من قصائده. فهناك الكثير من القصائد التي أستطيع أن أسميها الملحمية تتكلم عن ثيمات إسلامية أو شرقية كالقصيدة الملحمية" حكاية فطومة" أو" ديوان". ويورد أحياتاً ترجمات لمقاطع من شعر إبن العربي كنوع من التضمين. ويذكر مرات عديدة شخصيات إسلامية كالنبي محمد وفريد الدين العطار. كما أنه في معرض حديثه عن أدب العالم القديم يتحدث أيضاً عن ملحمة جلجامش.   

وإيكلوف الذي كان يتقن الكثير من اللغات من بينها لغات ميتة كاليونانية القديمة واللاتينية كتب الكثير عن إيطاليا واليونان وأعطى للبعض من مجموعاته الشعرية عناوين باللاتينية. ولقد كانت زياراته المتكررة لجنوب أوربا والشرق الإسلامي ثيمات للكثير من قصائده يتشابك فيها الانطباع المعاصر مع الإيحاءات الآتية من العوالم المتصرمة فيبدو إيكلوف في ذلك النوع من القصائد مشابها بشكل ما لكافافي.

ويبدو أن الشعور العميق بالإغتراب كان الباعث لكل تلك الظواهر التي طبعت شعر إيكلوف. وليس غريباً أن يقترن إسم إيكلوف  باسم الشاعرة أديث سودرغران. وهو بأعتقادي السبب نفسه الذي دفع الكثير الى ترجمة هذين الشاعرين بالذات إلى العربية.

يقول إيكلوف" سودرغران وأنا متشابهان، متوازيان، تجلى لنا بعض من الشيء ذاته".

ولقد أوصى إيكلوف أن يحرق جثمانه بعد موته وينثر على البحر المتوسط . وقد نفذت زوجته الوصية بعد موته.

لقد إخترت هذه القصيدة لأنها تعبر عن الإغتراب العميق الذي يواجهه هذا الأعمى الذي هو ليس سوى إيكلوف نفسه.و يشبه الأعمى هنا بطل رواية المسخ او السياب في غريب على الخليج. بيد أن الغربة هنا لا مهرب منها لأنها آتية من الداخل، من قدر هذا الإنسان الذي صيرته المخترعات الحديثة أعمى. فالمقطع الأول يوحي بأنه أصبح أعمى بسبب تفجير الصخور بالديناميت. وتزداد غربة هذا الأعمى حين يرى الناس يمارسون أفراحهم بينما يقف هو مسربلاً في غربته يلعن المدنية حين يصف أصوات القطارات بالأغاني الرمادية. وهو هنا تارة يصبح كالمعري يرى ما لا يراه الناس وتارة يصبح كبطل رواية الجحيم لبارابوس يصبح راصداً للآخرين الذين لا يرونه سوى أعمى ولكنهم أنفسهم عمي ولكن لا يعلمون.

 

 

 

 

                   إبتع أغنية الأعمى

 

 

 

ها قد وقفت طوال النهار

بنظاراتي الزرق

اللافتة على الرقبة معلقة

عن الصخر المتشظي ويقع البارود

والعصا البيضاء في اليد

ولفافة لشاش على الذراع

هذا المشهد هذا الدوار

إذ يدوخ ويخدع  ثم يزرع الثقة

كم أتمنى أن يزين هذا الدراع

بلفافات بيض وزرق وبتية

إبتع أغنية الأعمى

والشارع يصخب

قطار يعبر

يسحل خلفه أغنيته الرمادية

وسيارات تدور وتصر

تعبر وتعبر وتعبر

تحمل بشراً فرحين

والريح تتنفس ورقاً يابساً ونفايات

            *  *  *

 

 

متمايل أماماً وخلفاً

كحطام مركب عند الساحل

يذروه الموج والتيار

يقف ذلك الأعمى

وأفكاره تطوف

يصغي الى الخطوات على الرمل

يسمع الكلم يتقاطع

والأصوات تختلط

مثلما في المنام

إبتع أغنية الأعمى

وحمائم الشارع تلتقط وتغري وتلج

بحدة تنحني وتركع

تعتلى وتعتلي

فالصيف قريب

والزهر يغمر الأشياء كلها

والصيف يتلون

وضوع العطور يختلط

بالأسفلت والقطران

بعطر زيزفون الشوارع

والرصيف يغدو موحشاً

والرعد يصرخ

والنواقيس تقرع

والأيام تتصرم

حتى تعوي من جديد رياح الخريف

والأوراق الصفراء تعود نفايات

والمدينة تعود الى صخبها

والقطار يسحل أغنيته ذاتها

والسيارات ذاتها تطوف

بالبشر أنقسهم

تعبر ونعبر وتعبر

لكن جميع من يظنون أنهم يبصرون

هم عمي ولكن لايعلمون

والذين يتظاهرون وحسب أكثر عمى

أما الأعمى الأكبر فهو أنا

إذ بألكاد أتحسس الزمن

لكن: ألا تعني الحياة

أن تتحسس

 في ضوء خافت مبهم

أن تجس حذراً

النهار في الشرق

أن تحل طلاسم تلك الأصوات

      أن تكشف مكنوناتها

وأن يعود الأنسان مثلما كان

اما غير ذلك

فهو تشوة ليس إلا

والذين يعمون سيعمَون

والخونة سيخانون

والذين يتتبعوم دورة النهار المأتلقة

سيجدون أن الليل طويل

في بلاد كان ياماكان

إبتع أغنية العميان

  

   

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )