العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

تأزيم الواقع؛ تحويلات المعنى

 


 

 

د.إسماعيل نوري الربيعي

 

الممارسة المباشرة

بين الحديث والتقليدي يتمركز عصب الشد والجذب، الى الحد الذي تكون فيه التطلعات وقد تداخلت ،مابين ارتباط مباشر في المصالح والغايات والأهداف، التي تفرضها طبيعة العلاقة مع التفصيلات المنشدة الى النموذج الجديد.والحاجات الأساسية التي تكون متعلقات الارتباط فيها مستندة الى المكونات الداخلية، والمتمثلة بالقوى والفكر التقليدي الذي يقوم بإنتاجه الواقع.وفي ظل الاصطراع الناشب الذي تترسمه معالم الزخم والقوة والحضور الطاغي على حساب الأطراف المتقابلة،يكون التأزم وقد تبدى على مجمل العلاقات، لا سيما في المتعلقات التي يكون معادل الارتباط فيها قائما على الغايات المتعلقة بالسلطة، وطريقة تفاعلها مع النموذج الذي تم تبنيه على صعيد الممارسة المباشرة حول توزيعات النفوذ والقوة، هذا إذا ما أخذ بالاعتبار مستوى التبعية وطبيعة الارتباط مع المرجعيات المباشرة التي تم استقاء تفصيلات النموذج منها.

الازدواجية التي تجد السلطة الجديدة نفسها فيها، تكون بمثابة الحافز الأهم نحو ترسيخ مضمون الانقسام داخل بنية الوعي الفكري للسلطة السياسية التي قيض لها فرض حضورها على مجمل التفاصيل المتعلقة بالواقع.فعلى سبيل المثال وجدت الدولة العربية الحديثة نفسها في لجة من الانقسام في الأهداف والطموحات المتداخلة، مابين ترسيمة قوامها النهل المباشر من النموذج الغربي الذي ساهم وبمباشرة ملفتة في إنضاج وبناء تجربة الدولة القطرية، وطبيعة الحاجات التي تعيها تلك السلطة حول أهمية التفاعل داخل الوسط الاجتماعي والبيئة الفكرية والعقلية الخاصة. ومن هذا الواقع الموغل بالتشظي تعرض العقل العربي الى تلقي مقولات وطروحات النموذج المرتهن الى التمزقات والتوترات، التي تفرضها مسوغات الارتباط بالرهانات والتحديات المستحدثة، في ظل الغياب الملفت للأسس والمبادئ الفكرية التي يمكن الاستناد إليها. وعليه بات العقل السياسي العربي مندرجا في لعبة الثنائيات والمزدوجات التي هيمنت على مجمل التفاصيل العربية.حتى صارت العمليات الاجتماعية العربية برمتها خاضعة لإشكالية(( السر و العلن))التي باتت تحفر في عمق الذات العربي، خصوصا وأن التأثر بالمثل الأعلى الذي يتم إنتاجه على الصعيد الرسمي يكون له الحضور الأوسع والاشمل على صعيد التطبيقات المختلفة والتي تشمل المزيد من القطاعات والحقول.

المظهر والجوهر

الاندراج الرسمي للسلطة التي تمكنت من ضبط الآليات والاتجاهات والمعاني والرؤى والتصورات، باتت تعمل وبكل ما أوتيت من قوة نحو الارتكان الى الطابع الشعاراتي الذي يستمد حضوره ويكرس منطلقاته استنادا الى العناية بثقافة الواجهة ومحاولة العناية بالمظهر على حساب الجوهر، ومن هذا الانشغال المريع بالسطحي والمختزل تم الإطاحة بالمكونات الأصيلة والفاعلة، والتي يمكن من خلالها بلورة اتجاهات واقعية للنظر في التفصيلات التي يفرضها الواقع.والواقع أن الانشغال بالسطحي على حساب العميق، جعل من السلطة العربية واقعة في فورة من الأباطيل والمبالغات التي لاتعرف الانقطاع ، حتى صارت جزءا صميما من مكونات حضورها الرئيس.فهي المتطلعة وبكل ما أوتيت من قوة نحو التحديث والتقدم، لكنها في الواقع منخورة من الداخل حيث التقوقع والاستلاب والرجعية، التي تهيمن على عقول وتفاعلات رجالاتها المبرزين.دعوات تترى حول الحرية والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق المكتسبة، لكن الواقع يشير الى تفصيلات ومواقعات تتقاطع وبشكل ملفت مع هذه المقولات التي لا تصلح سوى للاستهلاك المحدود.فالتمزقات والانقطاعات باتت تفرض بحضورها الشديد على مجمل التوجهات ، حتى كان الذهول والإحباط الذي تفشى وترسخ ليصبح مكونا رئيسا وفاعلا في صلب العمليات العربية برمتها.

تقطيع المعنى

لم يتوقف الأمر على الخذلان والفقد الذي رافق المجمل من التفاعلات ، بل أن السطوة والقوة والمبادرة التي تحصلت عليه السلطة الرسمية ، جعل منها متطلعة نحو الإمساك بالشروط والمبادرات المتعلقة بالمعنى الاجتماعي، من خلال التطلع الحثيث نحو تركيز مجال التقاطع بين النموذج العقلي الذي يدعي الانفتاح والتنور والتفاعل الحر، والآخر الذميم المليء بالتناقضات والسوء والضعف والهزال. ومن هذا المعنى تم توجيه الماكنة الرسمية نحو توجيه مجمل جهودها للتمسك بالمقلات المربكة التي تحتاج الى المزيد من الجهد في سبيل الوعي بها والوقوف على المعاني المضمرة والكامنة فيها. بل أن ادعاء الحداثة صار بمثابة الأداة والوسيلة التي يتم من خلالها ابتزاز العديد من القوى الاجتماعية ، تحت دعوى التخلف والانقطاع عن التفاعل الصميم مع التحولات التي يشهدها العالم. ومن هذا التقطيع المتعمد لأوصال المعاني ،تكون الغايات التي تعن على السلطة التابعة، وقد تركزت في محاولة التفرد بالحصول على الاكتمال والحصانة ضد التخلف والقدرة العالية على مواجهة التحديات والظروف الطارئة، فيما تكون القوى الأخرى تعاني من الضعة والجهل والخوار ، وعلى هذا فإنها بحاجة دائمة الى هذا الأخ الأكبر الذي لا يقوم بحماية مصالح الجماهير فقط، بل الضامن الوحيد لاستمرار المجتمع وبقائه.

فاصل الإدراك الذي تم التلاعب به في مجمل التفاصيل العربية ، جعل من سؤال النهضة واليقظة والثورة الذي جاء لاحقا، يتعالق في التغييب المقصود والمعد سلفا نحو خدمة الأغراض والأهداف الخاصة لطبقة دون غيرها فيما تمت الإطاحة بالمرامي والمقاصد التي أشبعت تلويثا على يد النخب الثقافية والاقتصادية، والسياسية على رأسها.ومن هذا الاستمكان الموغل في الذاتية، تم تحويل التطلعات العقلية التي تم التهليل لها في البيئة العربية، الى مجرد ممارسة أيديولوجية قوامها الإخضاع لمصالح فئوية وطبقية. وعبر هذا التداعي الذي تواصل من دون قطيعة وبتوريث مثير وملفت على مختلف المراحل والحقب التي توالت على الواقع العربي، يكون الوقوف على هذا العجز الذي يغلف الواقع ، على الرغم من حث الجهود نحو تقديم العقل والدعوة الضاجة التي ما عرفت الانقطاع حول أهمية العلم واعتباره مرتكزا أصيلا للنهوض والتقدم والتطور.

imseer@hotmail.com

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )