|
د. عدنان
الظاهر(ميونيخ - ألمانيا)
((ليس سوى ريح))
(ديوان شعر
للشاعر عبد الهادي سعدون . دار ألواح .مدريد.
الطبعة الأولى 2000)
1- مقدمة :
يفتتح الشاعر (عبد الهادي سعدون) كتاب
منتخباته (ليس سوى ريح) باللوح الثالث
للنص البابلي القديم من ( ملحمة جلجامش)
حيث يقول في سطري اللوح الأخيرين :
الإنسان يستطيع أن يحصي أيامه
وكل ما ينجزه ليس سوى ريح .
من ألواح (جلجامش)
اذن استعار الشاعر اسم ديوانه المنتخب من
(كتيبات شعرية لم يصدر أغلبها بطبعة
مستقلة) كما قال (عبد الهادي) في (اشاراته)
التوضيحية في آخر الكتاب.
الكتاب من
القياس الصغير( 9.5 سم ْفي 14,5 سم ) وباللون
الأصفر ويقع في حوالي مائة صفحة. وكما بدأ
الشاعر ب (جلجامش) أنهى كتابه بنص اللوح
العاشر من ملحمة هذا البطل السومري
الأسطوري اذ يقول اللوح :
اذن هل سأتمكن من النوم في سائر
السنين ؟
فعلى الأصح دع عيني تريان الشمس
ودعني
آخد كفافي من النور !
فالظلام فارغ, وكم
من النور نجد في المقابل ؟
وهل سيرى الميت أشعة الشمس أبدا من
جديد ؟
لا عجب ان رجع
الشاعر الى (جلجامش) فلقد ولد وترعرع في
مواطن (جلجامش)
السومرية
جنوبي العراق حيث ( أور ولكش والوركاء و ...
) فهو يشعر بقوة الانتماء الى تراث هذا
البطل الملحمي الذي جاب البراري والبحار
سعيا للعثور على عشبة الخلود والحياة
الأبدية . لقد هاله أن يرى صديقه ( أنكيدو )
ميتا وقد فارق الحياة . لم يصدق ذلك
فتساءل ( وهل سيرى الميت أشعة الشمس أبدا
من جديد ؟ ) .
لقد استهل
الشاعر ديوانه بالأحساس العميق بالأحباط
القريب جدا من اليأس فأسماه ( ليس سوى ريح ) . لا ينجز الإنسان في
رحلة عمره الا الريح فلماذا الحياة اذن
ولماذا نحياها ؟
غير أن ريح
شاعرنا تختلف عن رياح ( أبي الطيب المتنبي
) يوم قال
على قلق كأن الريح تحتي
أوجهها جنويا أو شمالا
فلقد وظف (المتنبي)
الريح كي تخدمه مطية لأسفاره وهي كثر ,
وأراد بها التعبير عن قلقه وعدم ثباته في
المكان . ثم ان القلق وعدم الاستقرار
مفروضان عليه كالقدر الأعمى حيث لا يملك
السيطرة على نفسه وظروفه وان كابر كعادته
فأدعى أنه هو الذي يحرك الريح أنى ومتى
شاْء
ما أوجه
الشبه بين ظروف (عبد الهادي) وظروف جد
شعراء العربية جميعا (أبي الطيب المتنبي)
؟ كلاهما عراقي الأصل . ذاك من محافظة (ذي
قار) جنوب العراق وهذا من ( الكوفة) في وسط
العراق تقريبا . كلاهما قد ترك العراق
وكلاهما يحملان قضية وهما وآمالا. كلاهما
تغرب تحت ضغط الحاجة لأقصى درجات الحرية :
حرية الرأي وحرية قول الشعر الذي يريد أن
يقول لا الذي يراد منه أن يقول . ولا
انفصام بين حرية الرأي لدى الشاعر وحرية
ابداعه الشعري حيث لا ابداع ولا خلق دون
الحرية .
اذا كانت
مسألة ( قبض الريح ) تشكل مدخل مجموعة
الشاعر حيث الفراغ والخواء في بلدان
النفي القسري الغريبة فان مسك الختام
يمثل هاجس الخلود وحب الحياة ( هل سيرى
الميت أشعة الشمس أبدا من جديد ؟ ) . ان
الشاعر يحلم هنا بالعودة الى عراق
ديموقراطي حر أشار اليه مجازا برؤية
الشمس بعد موت المنافي وجفافها . فالعراق
الوطن هو الشمس ونحن دون الشمس موتى . فهل
سيبعث الموتى أحياء وهل من قيامة من ظلام
القبور ؟؟؟
يجعلنا
الشاعر بمنتهى الرقة واللطف نتأرجح ما
بين قطبين حادين : الشعور بلا جدوى حياة
المرء بعيدا عن مسقط رأسه ومضارب أهله ,
ثم الحسرة على فقد الحياة واليأس من حياة
ثانية وان جاءت الحسرة على شكل تساؤل
مخدر باليأس
( هل سيرى
الميت أشعة الشمس أبدا من جديد ؟ ) . نعم
سنراها يا (( سعدون)).
ليس صعبا على
القاريء أن يدرك عمق التناقض بين هذين
القطبين . فمن جهة يقرر الشاعر أن ما
الحياة الا ريحا ( قد يكون مصدرها أحشاء
الأنسان... ) فهي تافهة لا تستحق أن نحياها
. ومن الجهة الأخرى يتعلق الشاعر بهذه
الحياة ويبحث مثل ( جلجامش ) عن اكسير
الخلود الأبدي ويتمنى بصيغة السؤال أن
يظل يرى الشمس الى الأبد , أي أن يحيا
خالدا أبد الآبدين وأن يبقى ما بقيت
الشمس في الوجود : يأتي معها النهار وان
غابت يأتي بغيابها الليل .
2- بعض
خصوصيات الشاعر في شعره -
أولا : يستوقف
قاريء ديوان ( ليس سوى ريح ) أمر طريف
حاولت سدى أن أجد له تفسيرا . وأعترف أن
هذه المحاولات قد باءت بالفشل . في الأقل
لأنني لم أقرأ ديوان الشاعر الأول ( تأطير
الضحك ) ولا ما نشر من قصائد هنا وهناك .
بلى , قد عرفته
قاصا ممتازا حسب .
فلو أمعنا
النظر في قصائد الديوان وأستعنا بالحساب
البسيط لوجدنا أن الشاعر ميال الى
استخدام الأرقام الزوجية ولا سيما
الرقمين 6 و 8 . ففي قصيدة ( نهزها فتذبل,
الصفحة 38 ) كرر عبد الهادي الشاعر كلمة (
المحطات ) ست مرات . وفي قصيدة ( أنحني
فتحاصرني الحفر , الصفحة 43 ) كرر كلمة (
الحفر ) ست مرات . وفي قصيدة ( أراهنها ,
الصفحة 46 ) كرر ( أراهنها أو أراهن ) كذلك
ست مرات . وكرر في قصيدة ( بدايات تبتديء ,
الصفحة 64 ) كلمة ( ثمت , وأحسب أن الصحيح هو
ثمة ... ) ست مرات . لكنه زاد قليلا فجعل
الرقم 8 بدل 6 في قصيدة ( موتي على أحبابكم ,
الصفحة 54 , وهي من أروع وأعمق قصائد
الديوان كما سنرى لاحقا ) اذ قد كرر كلمة (
كي ) ثماني مرات ... والثمانية رقم زوجي أيضا.
لقد شذ
الشاعر عن قاعدة الأرقام الزوجية حين كرر
فعل الأمر ( أبكه ) احدى عشرة مرة في أول
قصائد الديوان المسماة ( أبكه جيدا ,
الصفحة 8 ) . لقد وقع تكرار فعل الأمر هذا
هنا موقعا رائعا حقا وأدى المطلوب منه
أفضل أداء : الألحاح في طلب البكاء ( وقد
استعصى على الشاعر على ما يبدو ) وأن يكون
بكاء متصلا لا هوادة فيه وعلى مر ثواني
الزمن . لقد وقعت تحت تأثير سحر هذا الفعل
الآمر حتى خيل لي ذات مرة أني على وشك
البكاء . وليس بالطبع كل الناس على شاكلة (
أبي فراس الحمداني ) اذ خاطب الحمامة فقال
:
لقد كنت
أولى منك بالدمعة مقلة
ولكن دمعي في الحوادث غالي .
والتكرار في
الكلام ودلالاته معروفة جيدا بدءا
بالقرآن الكريم ( الذي أعتبره بحق أول
ديوان وأعظم في شعر قصيدة النثر على
الأطلاق ) . فقد ورد في سورة (النبأ ) :
كلا سيعلمون . ثم كلا سيعلمون .
وفي سورة (
الكافرون ) :
قل يا أيها
الكافرون . لا أعبد ما تعبدون . ولا أنتم
عابدون ما أعبد . ولا أنا عابد ما عبدتم .
ولا أنتم عابدون ما أعبد . لكم دينكم ولي
دين .
وفي سورة (
المدثر ) :
انه فكر وقدر . فقتل كيف قدر . ثم قتل
كيف قدر .
على أن أعظم
تكرار غير مسبوق ورد في سورة ( الزجر ) حيث
تكررت جملة
( فبأي آلاء
ربكما تكذبان ) احدى وثلاثين مرة . أجل ,
احدى وثلاثين مرة .
ثانيا : وظف
الشاعر كلمات عراقية عامية لا يعرف
معانيها الا العراقيون . كما استعمل
أسماء أعلام وأمكنة غير عربية ( أجنبية )
لا يفقه أمرها الا القليل وبعض
من ( الراسخين
في العلم ...). وما كان على الشاعر من بأس
فيما لو وضع لها بعض الشروح المبسطة في
حواشي الكتاب . قد يقال أن قصائد النثر لا
تحتمل الشروح أو لا تحتاجها أصلا أو أنها
بذلك قد تفقد مزاياها أو بعضا من روعتها
وشيئا من سحرها الكامن في غموضها ... وذلكم
رأي أحترمه ولا أتحفظ عليه .
سأسجل أغلب
الأمثلة مع بعض الشروح مستفيدا من قولة
الشاعر ( الفرزدق ) لأحد النقاد أو علماء
اللغة وقد سأله عن كلمة أو جملة استعصى
عليه فهمها :
(( نحن نقول وعليكم أن تفسروا ))
( الفعل تلصف,
الصفحة 11 . تلصف يعني تلمع أو تعكس أشعة
الشمس )
( سبولفيدا ,
الصفحة 12 . ومن هو سبولفيدا ؟ )
(طول قماش ,
الصفحة 17 . أحسب أن كلمة طول انجليزية في
الأصل
Tall لكن
لا يعرف استخدامها هذا الا العراقيون )
( كواغد ,
الصفحة 24 . نحن في العراق نسمي الورق كاغد
والكلمة صينية وقد لا يفهمها غير
العراقيين . فهل كتب الشاعر ديوانه
للعراقيين فقط ؟ )
( تمثال
ريكاردو رييس , الصفحة 27 )
( ماريا
كوداما , الصفحة 31 )
( غران بيا ,
الصفحة 40 )
( المورسكيين
, الصفحة 41 . هم المسلمون الموريتانيون أو
المغاربة أو بربر
شمال أفريقيا أو العرب عامة الذين كانوا ثم
أجبروا على مغادرة بلاد الأندلس بعد سقوط
غرناطة . يقابلها في الأنجليزية كلمة Moor )
( بسكوت ألوجن
بسكوت , الصفحة 55 . مقطع من احدى أغاني
مطرب الريف العراقي داخل حسن . بسكوت تعني
بهمس أو بمنتهى الحذر وألوجن مشتقة من
الفعل لاج يلوج )
( يزي عاد ,
الصفحة 57 . تعني كفى أو كف يا هذا أو هذا
منتهى طاقتي واحتمالي
وهي عراقية صميمة )
( الأشبنتو ,
الصفحة 59 . الأسمنت وهي الأخرى انجليزية
الأصل Cement
والأشبنتو
باللغة التركية )
( نطش , الصفحة
66 . أي نبعثر أو نرمي )
( المري ,
الصفحة 67 . معناها المرايا )
( بوز , الصفحة
68 . أنجليزية الأصل pause وتعني الوقوف أمام الكاميرا لأخذ الصور ,
لكننا في العراق نستعملها للسخرية من
الشخص الذي يحب الظهور أو الخيلاء أو
تصنع مما ليس فيه فنقول فلان بوزجي ... )
( زيوس ,
الصفحة 69 وهو
اله في الميثولوجيا القديمة )
( الناصية ,
الصفحة 70 . تعني الواطئة )
( ميغيل
ارناندث , الصفحة 71 . كم شخصا يعرف أن هذا
الرجل شاعر اسباني؟)
( بسيته ,
الصفحة 72 . وحدة العملة الأسبانية )
( الدرابزين ,
الصفحة 74 . كلمة فارسية قد تعني الطريق
الضيق داخل البيوت . وربما لها علاقة
بكلمة الدرب . وظفها الشاعر في غير هذا
المعنى , وقد أكون مخطئا ! )
( سدارة , الصفحة 79 .
لا يعرف السدارة الا العراقيون وهي غطاء
للرأس وكانت تسمى الفيصلية لأن الملك
فيصل الأول وضعها على رأسه ومن ثم دخلت
الجيش العراقي . والسديرة مصغر السدارة
والسدرة . والسديرة هي مسقط رأس صديق
الشاعر ورفيق عمره الروائي الفذ محسن
مطلك الرملي وتقع شمال العراق على نهر
دجلة وقد خلدها الرملي في قصصه وفي
روايته الأخيرة " الفتيت
المبعثر" )
( ماوت ,
الصفحات 78 , 87 , 92 . ومن هو هذا الماوت ؟ )
3- قصائد الديوان
ها
المرايا )
( بوز , الصفحة
68 . أنجليزية الأصل pause وتعني الوقوف أمام الكاميرا لأخذ الصور ,
لكننا في العراق نستعملها للسخرية من
الشخص الذي يحب الظهور أو الخيلاء أو
تصنع مما ليس فيه فنقول فلان بوزجي ... )
( زيوس ,
الصفحة 69 وهو
اله في الميثولوجيا القديمة )
( الناصية ,
الصفحة 70 . تعني الواطئة )
( ميغيل
ارناندث , الصفحة 71 . كم شخصا يعرف أن هذا
الرجل شاعر اسباني؟)
( بسيته ,
الصفحة 72 . وحدة العملة الأسبانية )
( الدرابزين ,
الصفحة 74 . كلمة فارسية قد تعني الطريق
الضيق داخل البيوت . وربما لها علاقة
بكلمة الدرب . وظفها الشاعر في غير هذا
المعنى , وقد أكون مخطئا ! )
( سدارة , الصفحة 79 .
لا يعرف السدارة الا العراقيون وهي غطاء
للرأس وكانت تسمى الفيصلية لأن الملك
فيصل الأول وضعها على رأسه ومن ثم دخلت
الجيش العراقي . والسديرة مصغر السدارة
والسدرة . والسديرة هي مسقط رأس صديق
الشاعر ورفيق عمره الروائي الفذ محسن
مطلك الرملي وتقع شمال العراق على نهر
دجلة وقد خلدها الرملي في قصصه وفي
روايته الأخيرة " الفتيت
المبعثر" )
( ماوت ,
الصفحات 78 , 87 , 92 . ومن هو هذا الماوت ؟ )
3- قصائد الديوان
أولا : موتي
على أحبابكم
لقد سحرتني هذه
القصيدة لا لأنها مهداة الى المطرب
العراقي الرائع " داخل حسن " ولا
لأنها تضمنت مقاطع قصيرة من بعض أغانيه
الشجية التي أحب , ولا لأن المرحومة
والدتي كانت تحب البكاء على بعض أطوار
داخل حسن وحسب , بل ولأن في القصيدة هذه
نوحا خفيا ونداء غامضا شبيها بتعاويذ
سحرة وكهان معابد سومر وأكد وتراتيل
الكنائس ولطميات تعازي ( الحسين بن علي ) .
وفيها شجن ولوعة ( جلجامش ) ونواحه على موت
صديقه ( أنكيدو ) . في القصيدة أمر غريب
يحرك دواخل الأنسان العميقة والمفعمة
بالغموض المخدر ببعض الرهبة . انها أولا
وآخرا هو : الشاعر الذي فقد الأهل والوطن
وتراب وركاء سومر وتقاليد
( اينانا ) و (
انليل ) وأطفال ( الفرات ) ورفاق الجامعة
شركاء صراعه مع ( ثور العراق السماوي
الدموي ) .
لنسمع صوت
عبد الهادي المفعم بروح أطوار مقامات (
داخل حسن ) السابحة في ماء أهوار جنوب
العراق بين هسهسات القصب والبردي وضربات
مجاديف مشاحيف الهور ورفيف أجنحة بطه
وطيره من حذاف وخضيري ودراج :
أموت عليهم
أحبابي
اقضم الورق الساقط لأجلهم
يتلقفونني من طرف مندرتهم المزركشة
فأقع على ركبتي كجمل الواسطي
......
أحبابي الذين يجرفون أطرافي حتى
الفردوس
استرق غبطتهم بالأعضاء الأخرى
منتصبة
أراميهم بالحدقات التي تصل أو لا ,
يفرشون آجري عند الشوارع المصفوفة
بالآجر .
بسكوت ألوجن بسكوت
فألوج
بالسكوت .
( أموت عليهم ,
أحبابي ) ... هكذا يستهل عبد الهادي قصيدته
بالتعبير العراقي الأصيل حيث أنه يفدي
روحه لمن يحب حد الأستعداد للموت في سبيل
هذا الحب .
( أموت عليهم )
وأضحي بحياتي من أجل أن يبقوا أحياء . (
أموت عليهم وأقضم الورق الساقط لأجلهم )
وأتحمل العذاب والجوع حد الأكتفاء
بتناول أوراق الأشجار المتساقطة على
الأرض طعاما . أحبابي( يتلقفونني من طرف
مندرتهم المزركشة)
والمندرة أو
المندر هو الفراش بلغة جنوب العراق ( فأقع على ركبتي
كجمل الواسطي ) . ما أجمل هذه الصورة اذ
يهوي بقامته كي يقبل رؤوس ووجوه ذويه
وأحبابه بعد غياب ( وأغلب الظن هم أفراد
عائلته : أبويه واخوته وأخواته بالدرجة
الأولى ) مشيرا
الى مقامات ( الحريري ) ورسومات ( الواسطي )
لها . تذكرني هذه الصورة بلوحة ( عودة
الأبن الضال ) للرسام الهولندي ( رمبرانت )
.
يتابع الشاعر
خواطره مع والديه وباقي أفراد أسرته
بالذكريات التي تفرض عليه الأنجذاب
اليهم حيث لا فكاك من هذه الذكريات أبدا .
انها تجرجر أطرافه من منفاه في ( مدريد )
الى وطنه العراق ( الفردوس المفقود !!! ) .
ذكرياتنا مع الأهل والوطن نطير معها
بأجنحة الخيال لا أكثر. لكن الشاعر أمضى
عزيمة منا جميعا وخياله أكثر خصوبة حتى
أنه ليخيل اليه أن في مقدوره زيارة
والديه بالسفر والحركة الأنتقالية
الفعلية وأن يجرؤ على نقل أطرافه الى
هناك وليكن ما يكن .
الشعراء
كالأنبياء لا يعرفون المستحيل وللجميع
معجزاتهم . أفلم يمش ( المسيح ) على سطح
الماء ؟ افلم يسر ( محمد ) من المسجد
الحرام في الحجاز الى المسجد الأقصى في
قدس فلسطين ؟ أفلم يقل أحد الشعراء يوما :
سعيا على الرأس لا مشيا على القدم ؟ .
يضطر الشاعر
بعد زوال رفيف أجنحة ( جبريل ) للأوبة الى
طبعه البشري المحكوم بالحواس الخمس
فيستسلم لسماع أصواتهم بالأذن المرفوعة
تأهبا لألتقاط نأمة أو نداء خفي أو حلم أو
رؤيا ( الأعضاء الأخرى منتصبة ) أو حتى صوت
شيء قد يأتي من الأهل . ويلتجيء من ثم الى
لعبة العيون ( أراميهم بالحدقات ) التي قد تعني هنا
أحد أمرين :
- اختلاس
النظر الى صور الأهل التي نحمل معنا دوما
كأعز ما يملكه مشرد منفي مغترب .
- أو بارسالنا
الرسائل ( وهي نادرة عادة ) بالبريد أو مع
بعض الأصدقاء والرسل , وقد تصل أو لا تصل.
والأهل بدورهم يفعلون ذلك . يبادلوننا
الرسائل النادرة
والشحيحة
يطلبون فيها المساعدة .
( بسكوت ألوجن
بسكوت ) : وهذا مقطع يغنيه المطرب المبدع (
داخل حسن ) .
و ( بسكوت )
تعني همسا أو سرا . أي أن المغني يعاني
ويلوب ويلوج مع نفسه سرا دون أن يفصح عن
معاناته لأحد . لا يجرؤ أو لا يريد أن
يكشفها للأخرين خوفا من شماتة الشامتين
أو انفة وترفعا ( عصي الدمع شيمتك الصبر ).
كبرياء رجولته لا تسمح بذلك . يقول ( داخل
حسن ) في بعض أغانيه :
ما تنسمع رحاي بس أيدي أدير
أطحن بقايا الروح موش أطحن شعير
ثم قد غنى :
لكعد توالي الليل أنطر وليفي
وبحجة الحلمان أبكي علكيفي
هكذا وبمنتهى
الحذر يداري رجل جنوب العراق نقاط ضعفه
فاذا ما بكى بكى ليلا تحت جنح الظلام .
واذا ما لامه لائم قال انما بكيت في عالم
الأحلام فلا لوم !!
عبد الهادي
يعرف أن كل واحد منا وفينا , نحن
العراقيين في بلدان الشتات ,
( يلوج بسكوت )
في هذه المنافي الممتدة ما بين أستراليا
شرقا وكندا غربا . وكلنا كما قال ( أبو
الطيب المتنبيء ) :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ...
أحلام الشاعر
:
لهم
لأحبابي
أترك الفردوس مجدوعا ...
حيث يدفعونني كعربة حمل
وأقضم الشجر , بلحائه الشهي
أدفعهم فينبتون عند ركبتي المطويتين
.
ألوج من أجلهم فتلجني أمراض اليعاسيب
....
يا لليعاسيب
أسترحمها العطف
والنهاية الموقعة - (( يزي عاد ))
كما لو كانت عدساتي شبكة جامعة ؛
ظلالها التي تلوج .
في هذا
المقطع الغارق في رؤى الأحلام يختلط
ويتجمع الكثير من الأمور معا في بؤرة
عدسة ( مرآة ) الشاعر الخفية . ولا أحد يدري
أين مستقر هذه العدسة - المرآة . هل هي روح
الشاعر ؟ روح أبويه ؟ أهله وعشيرته ؟ قلب
الشاعر أو رأسه ؟ ؟؟؟ والا فمن أين تأتي
الشاعر هذه الأخيلة المترجمة على الورق
بلغة الحلم ومنطقه الذي لا منطق مألوفا
له . من يستطيع السيطرة على محتوى ولغة
أحلامه ؟ من يستطيع أن يدفعها في هذا
الأتجاه أو ذاك ؟ الأحلام مملكة غامضة
لها دستورها وقوانينها الخاصة ولها
سلطانها الطاغي . ومهمة الأنسان - الشاعر
تذكر أحلام
ليله نهارا والمحافظة على لغتها ومنطقها
دون تدخل أو اقحام واعنات.
أي أن على
الشاعر أن يستسلم في كامل وعيه لعالم
مشوش له عقله الخاص وله قوانينه الخاصة
التي لا تمت بصلة الا لعالم الطفولة
ومنطق الطفولة ثم , وهذا هو الأكثر أهمية ,
براءة وعفوية الأطفال .
مما يلفت
النظر أن الشاعر في هذا المقطع قد اعتمد
كالمعري الجناس اللفظي فوظف فعلين
ثلاثيين قريبين جدا في اللفظ لكن الفارق
في المعنى كبير . أقصد
الفعل ( لاج -
يلوج ) والفعل ( ولج - يلج ... من الولوج ) اذ
قال :
ألوج
من أجلهم فتلجني أمراض اليعاسيب
ثم عاد وكرر
ذات الظاهرة في آخر القصيدة موضوعة البحث
اذ استعمل الفعلين
( لاج - يلوج )
و ( لج - يلج ... من اللجاجة ) :
أيا قلبي الذي يلوج
فلتمت على أحبابك
لجتك
التي كمهر .
الشاعر
هذه الأخيلة المترجمة على الورق بلغة
الحلم ومنطقه الذي لا منطق مألوفا له . من
يستطيع السيطرة على محتوى ولغة أحلامه ؟
من يستطيع أن يدفعها في هذا الأتجاه أو
ذاك ؟ الأحلام مملكة غامضة لها دستورها
وقوانينها الخاصة ولها سلطانها الطاغي .
ومهمة الأنسان - الشاعر
تذكر أحلام
ليله نهارا والمحافظة على لغتها ومنطقها
دون تدخل أو اقحام واعنات.
أي أن على
الشاعر أن يستسلم في كامل وعيه لعالم
مشوش له عقله الخاص وله قوانينه الخاصة
التي لا تمت بصلة الا لعالم الطفولة
ومنطق الطفولة ثم , وهذا هو الأكثر أهمية ,
براءة وعفوية الأطفال .
مما يلفت
النظر أن الشاعر في هذا المقطع قد اعتمد
كالمعري الجناس اللفظي فوظف فعلين
ثلاثيين قريبين جدا في اللفظ لكن الفارق
في المعنى كبير . أقصد
الفعل ( لاج -
يلوج ) والفعل ( ولج - يلج ... من الولوج ) اذ
قال :
ألوج
من أجلهم فتلجني أمراض اليعاسيب
ثم عاد وكرر
ذات الظاهرة في آخر القصيدة موضوعة البحث
اذ استعمل الفعلين
( لاج - يلوج )
و ( لج - يلج ... من اللجاجة ) :
أيا قلبي الذي يلوج
فلتمت على أحبابك
لجتك التي
كمهر .
من ( فوضى )
وفوضوية قصيدة النثر ينبع تلقائيا نظام
خاص ليس عسيرا الكشف عنه . ولا أحسب أن هذا
النظام جاء بتخطيط مسبق من قبل الشاعر .
وأغلب ظني أنه مفروض عليه بقوة ( دينامية )
فوضى القصيدة وفورانها البركاني غير
المنضبط ونموها ( الأميبي ) في عدسة - مرآة
الشاعر الروحية الخفية . فاذا تكلم (
الحلاج ) وبعده ( رامبو ) عن كيمياء الشعر
فالأحرى أن نتكلم اليوم عن قصيدة النثر
بلغة مقياس الفوضى الكيميائي المسمى (
Entropy ) .
ان قصيدة (
موتي على أحبابك ) مقسمة الى ثلاثة أجزاء :
أ - خص الشاعر
أهله الأقربين ( عائلته في العراق ) في
الجزء الأول الذي ينتهي بالبيت ( ص 60 )
فقال :
تكسراتهم التي تبتعد عن التهشيم
وتصاحب صوتته ( كذا جاءت .
ربما
هنا خطأ مطبعي )
ب- ثم تكلم في
المقطع الثاني عن أحبابه أي أصدقائه في (
مدريد ) بنين وبنات. ينتهي هذا الجزء
بالبيت :
أبادله بالنظرة والقول ( ص 61 )
ج- ثم آب
ثانية لأهله في العراق في ما تبقى من
القصيدة .
ان دراسة
المقطع الثاني الذي كرسه الشاعر لأحبابه
الأسبان في ( مدريد ) تكشف عن لوعة وخيبة
أمل . انه يريد الألتحام بهم كلية Integration وبنمط الحياة الجديدة لكن
دون جدوى . انه في واد وهؤلاء في واد آخر .
يمرقون من جنبه سراعا خفافا غير آبهين
بهذا الزائر اللاجيء المنفي الغريب (
أدعوهم بالكل فيحكمون علي بعريشة من رماد
). انهم نموذج عجيب من الشباب الذي لا
يبتسم للفتيات الا نفاقا واصطناعا (
الأبتسامات الواهية ) . وفتيات ( مدريد )
أنفسهن متبرجات حد العري حتى من الكلأ أو
من خضرة ورقة التين أو التوت الخضراء
التي غطت أمنا حواء يوما عورتها بها (
العاريات من الخضرة ) بعد أن خالفت
(( والمخالفة
والتعدد ممنوعان بالطبع حتى يومنا هذا !!!
)) فمارست أكل ما حرم عليها في جنات
الخلد . ثم أين عالم ( المنادر المزركشة ) و
( المناقير المعقوفة )
لدى أهل
الشاعر من عالم البطاقات Credit Cards والمناديات
اللاسلكية
Handys
في العالم الأوربي المعاصر
.
يعرج الشاعر
المقيم في ( مدريد ) على أشهر تمثال فيها ل
( دون كيخوت ) وتابعه ( سانشا بانشا ) . فهل
يمثل هذان الرجلان في لاوعيه البطل
الملحمي السومري ( جلجامش ) وصديقه التابع
( أنكيدو ) ؟ الطريف أنه لما أراد الشاعر
السخرية من بطولات ومعارك ( دون كيخوت )
المضحكة مع طواحين الهواء بسيف خشبي
وحصان هزيل استعار صورة حية شديدة
المرارة والسخرية فقال :
أذرق مع الطير العالي
وذروق الطيور
شيء مألوف على رؤوس التماثيل أينما كانت .
ثم لعله قصد الأشارة الى ( دون كيخوت )
معاصر معتوه يحكم بلاد ما بين النهرين
ويقاتل بطواحين الدم !!
أموت عليهم
بهذا التعبير
العراقي الصميم الذي لا أجمل ولا أبلغ
يستهل الشاعر المقطع الثالث ( أسفل الصفحة 61 ) كي تكتمل دائرة
القصيدة وتنقفل ب ( أموت عليهم ) . يقولها
المحب لمن يحب : ان حياتي لا شيء بدونك .
حياتي بعدك هي العدم .
الفصاحة لا تكفي كلماتي
أدرجها في بطاقات الترجمان , عله
ينتصر للساني
.......
.......
كي ألمكم لجواري , وأريكم ميتتي
أيا قلبي الذي يلوج
فلتمت على أحبابك
لجتك التي كمهر .
هذا هو مسك
الختام : لوعة المحب المغترب قسرا
لأحبابه اذ أن طعم الحياة رماد في فيه (
أموت عليهم ) , وان الكلمات خرساء لا تنطق
وعاجزة عن التعبير عن مكنون صدره ذكرى
وشوقا . وأن كل لغات العالم هي الأخرى
عاجزة عن ترجمة لسان حاله . فلا العربية
قادرة ولا الأسبانية ولا اللاتينية ولا
سواها . لغته لغة أهوار سومر ولغة أمه
وأبيه وأجداد أجداده . لغة مخلوقات الهور
( البارز والزاحف واللابد ) و ( المخلب
المائي ) . لغة مطربه ومشجيه ( داخل حسن )
الناقعة بشجن جنوب العراق ورافديه
ومناحة ( جلجامش ) ودموع تعازي ومواكب (
كربلاء ) :
دمعي على خدي جرا
دمع الأحمرار
من مصابيحهم المغطاة بورق الأشبنتو .
ثانيا : قصيدة
" أراهنها "
|