العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

  ملامح من العمارة المسيحية في العراق

 

د.علي ثويني

معمار وباحث عراقي        Thwanyali@hotmail.com

 

لم تأتِ  النصرانية من روما قطعا، ولم تطأ تلك العقيدة أوربا إلا بعد ثلاثة قرون من الويل ، أصاب النصارى والموحدين من أهل الشرق . ولم تلد اليونان يسوعا وإنما كانت الناصرة  وبيت لحم والقدس. ولم تكن المسيحية إلا وحدانية إسترسلت في ارض كنعان ،من منبعها الإبراهيمي في أور العراقية ،وحملت في ثناياها نتاج فكر عراقي، وطأته النصرانية عند الشفق الاول للبشارة ،بعد أن حل بها الحواري (توما). وأسم توما هو مايقابل ثوماس الأغريقي وهي كلمة أرامية (عراقية وشامية قديمة) تعني التوأم .

وفي خضم تجسيد العمارة الروحية ، لجأ الرعيل الأول من نصارى الشرق الى التقية والكتمان لما لاقوه من حيف الفرس و الرومان. فكانت المغاور والجحور الجبلية هي أولى محاولاتهم العمارية المخصصة للتجمع ،والتذاكر ،والعبادة. وسكن تلك الفضاءات الرهبان والمنقطعين والمتأملين . وحدث أن أستبشروا خيرا بعد إعتراف بيزنطة عام 309م بالنصرانية دينا رسميا .ولم يقترن ذلك بمد حضاري أو إبداعي معين، ولاسيما في العمارة ،وآثرت العمائر الأولى أن تتقمص سمات ما ورثته مدارس العمارة المحلية  من أعرافها المسترسلة من القدم. فجاءت رومانية في غرب أوربا وبيزنطية في شرقها ،وحدث أن تطورت لاحقا من هذه المصادر .

وبالتوازي  أنطلقت حركة تجسيد الأديرة في الصحارى ورؤوس الجبال،وكان الغرض منها الانقطاع للعبادة ،أما ما كان وجوده في الحواضر والقرى فيعتبر كنيسة. وشهدت أرض العراق بواكير العمائر المسيحية وظهرت ملامح أولى الكنائس والاديرة على أرضه بما سجت عليه العمائر في نوعيها البابلي في المناطق الرسوبية والأشوري في مناطق التلال و الجبال .و أقدم الكنائس العراقية كما ورد في بعض المراجع السريانية هي (كنيسة كوخي) العظيمة التي أقامها (مار ماري) في المدائن ،التي كانت تعتبر مركز جثالقة النصارى المشارقة قبل إنتقالهم الى بغداد بعيد تأسيسها. ثم طفق العراقيون بعدها في إشادة كنيسة في كل قرية ومدينة، وكل منها كنيت بأسم قديس أو سميت بتذكار ديني. وقد اكدت الحفريات التي قامت بها البعثة الألمانية في أطلال (سلمان باك) على وجود آثار كنيسة فيها، وذهبت الى تقدير إنشائها الى المائة السادسة للميلاد. وقد ذكر اليعقوبي في مؤلفيه التاريخ والبلدان أنه في موضع سامراء القديم (كان سر من رأى في متقدم الايام صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة فيها وكان بها دير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار السلطان المعروفة بدار العامة). ويكرر ذلك كل من الشابشتي حين يذكر (دير السوسي) و(دير مرمار) جنوب سامراء وياقوت نقلا عن البلاذري وأكد أسمه (دير مر جرجيس)وعين موقعه شمال مدينة بلد بـ 15كلم، وكذلك (دير عبدون) في نفس المنطقة.

وأقدم الكنائس اليوم تدعى (الطاهرة الفوقانية) وتقع شمال شرقي الموصل، على مقربة من (باش طابية) على ضفاف دجلة، التي كان فيضانه وبالا عليها ، بالرغم من الترميمات وأخرها عام 1743. وتكتنف الموصل كذلك كنيسة(شمعون الصفا) في محلة مياسة التي يعتبروها البعض أقدم كنيسة عراقية باقية منذ القرن الثالث الميلادي .

وأسم الكنيسة يرد من الآرامية بصيغة كنوشتوcnoushto  والذي يعني جماعة أو محفل وقد كانت قد استعملت  في الإسلام بصيغة "صوامع" ووردت من القرآن الكريم في سورة الحج الآية 40 :) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) . يقول عنه د. مصطفى جواد أصله متعبد اليهود ،وتسمية بيعة ترد من باب المجاز والإستعارة .  والكنيسة في العمارة قضبان تغرز في الارض ويلقى عليها ثوب او سعف النخل يستضل به ويستتر، وفي الكردية (كبرا) وهو ازج من الخشب محشو بورق الشجر.ودرجت في اللغات السامية الجنوبية كالحبشية بصيغة (مكوراب  Mekurab  ) وهي قريبة من لفظ ومعنى (محراب) العربية .وقد استعملت في اليونانية بصيغة ( اكليسيا)  بنفس المعنى ومحرفة عن اللفظ الآرامي الأصلي ، ومنها انتقلت الى اللغات اللاتينية ومنها الفرنسية(Eglise) والإسبانية(Eglesia)..واستعملت بالإيطالية(باسيليكا Bazilica) وهي مقتبسة من كلمة (بازيليكا) التي ورثوها من مباني المحاكم الرومانية التي أنتقل هيكلها المميز الى العمائر المسيحية الأولى وورد الإسم في جل الكنائس الأرذوكسية بصيغ متقاربة  كما في الرومانية بصيغة (Biserica). وفي اللغات الشمالية جاءت متقاربة مع الإنكليزية التي استعملت لفضة (جيرج Church) وجاءت بالسويدية (شيركا ).

ويرد كذلك أسم الدير في العمائر المسيحية وهو البيت الذي يتعبد به الرهبان من النصارى.والكلمة واردة من كلمة (دار) السامية،والجمع أديار و الديراني صاحب الدير ويقال دير وأديار وديران ودارة ودارات وديرة(مازالت تستعمل في الجنوب العراقي والجزيرة والخليج ) ودوار (في لهجات أهل المغرب).وقد جاء بالفارسية بما يعني القبة .وربما تكون الوظيفية المعمارية للدير ،وكذلك مسقطه ونظام بناءه ،قد أسترسل في العمارة الإسلامية بما يخص الربط و الزوايا والخانقاوات والتكايا وبيوت الصوفية التي اختصت بإقامة المنقطعين من الزهاد،والمرابطين في الثغور. وقد وردت أسماء كثير من المدائن والمواقع مثل دير الزور ودير قني ودير القمر ودير البلح . ومن أشهر الأديرة العراقية ثلاثة شكلت قلب مدينة الكوفة أهمها دير هند بنت المنذر بن ماء السماء . وفي بغداد وتخومها نجد أهمها في (دير كليليشوع) المجاور لمقبرة الشيخ الصوفي معروف الكرخي في الكرخ و(دير الزندور) الواقع في منطقة المربعة في الرصافة و(دير سمالا) الواقعة في منطقة الشماسية (الأعظمية اليوم). وفي شمال العراق نجد في مدينة الموصل الكثير منها مثل (الدير الأعلى) في قلعة باشطابيه قرب المستشفى الجمهوري اليوم ،و(دير مار إيليا) و(دير يونان) وكان يقع على تل النبي يونس الذي يدعى (يونان) بالآرامية.وفي خارج الموصل نجد (بيت عذري) المعروف بجبل القوش الذي أحتفظ ببعض الصوامع المنقورة في الجبل وعددها 400، والتي تذكر بالهيئات الأولى للعمائر المسيحية، ونجد كذلك  على تخوم القوش شمال الموصل (دير هرمزد)،وكذلك  (دير السيدة) الذي يعتبرمن أكبر ديارات الكلدان وبناءه الحالي بني عام 1858.وللكاثوليك السريان يوجد (دير مار بهنام) الواقع جنوب شرقي الموصل ، ومن أهم ديارات السريان وأقدمها (دير مار متي) الواقع أعلى جبل مقلوب شرق الموصل، والذي يعود الى المئة الميلادية الرابعة.

ويمكن إعتبار بغداد من أهم المواقع التي شغلتها العمارة المسيحية قبل تاسيها الإسلامي عام 762م، حيث للتسمية الأرامية (بيت غدادو) أي بيت الغنم أوالمرعى ،ربما  يؤكد صفتها الأولى الذي يعتبر أحد ما ذهب إليه الباحثون. وقد وجدت الكنائس في غربها (الكرخ) ثم انتقل إلى رصافتها تباعا،وأقدمها التي كانت بجوار بغداد المدورة في محلة (المنطكه) حاليا،وكذلك في (محلة العقبة) المعروفة اليوم (محلة الشيخ صندل) كما سكنوا في (محلة قطفتا) وهي محلة المشاهدة الحالية. ومن أكبر كنائس بغداد كانت على تخوم المشهد الكاظمي اليوم شمال بغداد في محلة (البحية) الحالية،وتطورت هذه الكنيسة حتى أصبحت مجمعا كنسيا أو ديرا كبير جاء وصفها لدى المسعودي ،وذكرها ياقوت الحموي واصفا(حسن العمارة، كثير الرهبان، وله هيكل في نهاية العلو)، وعلى تخومه (موقعه اليوم مدينة الحرية) كانت  (بيعة سونايا)، ثم صار يدعى بـ (الدير العتيقة).

وبعد إنتقال العراقيين النصارى إلى الرصافة متماشين مع توسع بغداد اللاحق، وما حل في الكرخ من خراب بعد الفتن وحروب الأمين والمامون، حيث انتقلوا إلى شمال المدينة (الاعظمية اليوم) بما كان يدعى (الشماسية) منحدرا من أسم (شماس) وهو القس النصراني،حيث يقول ياقوت فيها :( الشماسية منسوبة الى بعض شماسي النصارى، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد ،وإليها ينسب باب الشماسية (باب المعظم) وفيها كانت دار معز الدولة البويهي..وهي أعلى من الرصافة ومحلة أبي حنيفة). و في (دار الروم) (حاليا حي صليخ)، كانت قد أنشأت أهم الكنائس (بيعة درب دينار) التي بقيت قائمة حتى العام 1333م إبان الدولة الإيلخانية. وكانت تقع هنا أكبر كنائس المشارقة في دار السلام وهي (بيعة السيدة مريم) ،وقد ذاع صيتها في البلدان لما احتوته من رسوم إيقونية كان يمكنها أن تنقل لنا ملامح عن فنون مدرسة بغداد في الرسم على الحيطان(الفريسكو) ، من الحضارات الرافدية. وقد بقيت  محلة في ذلك الجانب تدعى( رأس الكنيسة) تقع قرب الميدان اليوم، حتى حلول التغييرات المعاصرة في بنية بغداد الحضرية.

وتصميم مساقط الكنائس العراقية مربعة او مستطيلة ،وقد تطور ذاتيا مسترسلا من العمارة المحلية ،ولم يتاثر بالتطورات التي جلبتها شيوع المسيحية في بيزنطة وروما. فقد كان التصميم متضاما ومحوري الهيئة ومتناظر الفضاءات إلى حد ما، كما في كنائس الحيرة والمدائن ،ولم يشترط تقبيلا معينا كما لدى الصابئة واليهود والمسلمين. حيث قسمت الكنيسة فيه إلى ثلاثة أقسام، قسم أمامي يدعى (قدس الأقداس) أو (المذبح) يجاوره من اليمين بيت العماد (التغطيس بالماء)،وغرف القسسة من اليسار، وهو معزول هيكليا عن الجزء الوسطي الذي يؤمه العامة من الرجال من خلال بوائك تؤدي إلى مجاز يدعى (أشقاقون) التي تعزله عن (القنكي) وهو ما يسبق قدس الأقداس ،ويسلكه الكهنة والشماسون أثناء تكميلهم الخدمة الطقوسية بين القنكي والبيم. و يدعى الجزء الوسطي (القسطروم) الذي يسبقه (البيم) الذي يحوي على أماكن (الرسائل) و)(القربان) و(الجاغوتا)،ويخص هذا الجزء الرجال من العامة ،معزولا عن قسم النساء الذي يدبره في المؤخرة.      

واليوم توجد الكثير من الكنائس في أرجاء بغداد تتبوأ كنيسة الأرمن موقع الصدارة في (الباب الشرقي)، وهي حديثة البناء ومبنية على الطراز الأرمني التقليدي. ومن أكثر الكنائس قدما وهيبة هي (كنيسةاللاتين) أو (السيدة العذراء) الواقعة في الشورجة على شارع الخلفاء مقابلة لمسجد الخلفاء المحتضن لمنارة (سوق الغزل) في حي صبابغ اللآل.بنيت هذه الكنيسة بين أعوام (1860-1871) ،ويمكن ملاحظة التغيير الذي طرأ على تصميمها مقارنة بالكنائس التقليدية .حيث اختير لها المسقط المتصالب ،المسقف بأزج على محورها الطولاني بينما لم يحتج هذا النظام التسقيفي في تغطية المحور العرضاني. وقد أرتفعت قبتها المفلطحة لتكتنف ناقوسا في ذروتها عند تقاطع المحورين، وجلست على رقبة تخللتها مناور مزججة. وبني برج النواقيس بهيئة متدرجة أعلى المدخل الرئيسي ،ليسمو فوق ثلاثة عقود مخمسة رمزية العدد ووظيفية الهيئة، حيث يكتنف الأوسط منها المدخل الرئيسي للكنيسة. وبالرغم من إضفاء ملامح خارجية جديدة على بعض أجزاء الكنيسة ولاسيما قبتها إلا أن عمارتها كانت بأيدي أساطين بناء عراقيين،حيث مارسوا خلاله حذقهم المعهود في إضفاء ملامح العمارة المحلية من العقود والقبوات والاطناف حتى خلال عنصر المقرنصات ،و الريازة بالطابوق الذي كون خامة بناء الكنيسة.

وكان يلتقي في هذه الكنيسة وما الحق بها الأب العالم أنستاس الكرملي (1860-1947) بطلابه وأحبابه من كل الملل ،حتى وافاه الأجل ودفن في باحتها. وقد مرت تلك الكنيسة بويلات كثيرة كان أكثرها إيلاما إحراقها من قبل الجيش التركي ضمن ما حرق عند إنسحابه  من بغداد بعد خسارته الحرب العالمية الأولى.وأعيد ترميمها عام 1920،واستمر حالها مترنحا حتى أستملكتها الحكومة العراقية عام 1956، حيث بقيت حتى العام 1966 عندما اغلقت لمدة عقد من الزمان ، الى أن وهبتها الحكومة العراقية عام 1976 للأقباط المصريين الذين بدا عددهم يتزايد في بغداد حينئذ. وعلى العموم فأن عمارة الكنائس العراقية وتاريخها يستاهل من الباحثين الخوض فيه وإثراءه بالبحث والتدوين والرسم ،والتحليل والمقارنة .    

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )