|
د. فاضل سوداني
هنا وضمن اشتراطات المنفى تعمد الشاعر
عدنان الزيادي أن يستحضر طفولته وماضيه ،
وأن يكتب عن هذا بذاكرة ملتهبة بملكوت
الشعر حتى يكون قادراً على استعادة زمنه
الشعري المسروق وهو في منفاه ، بعد
تجربته الحياتية في العراق ومع المقاومة
الفلسطينية في
بيروت وتونس . وما عزلة الشاعر إلا لملامسة هذا
الماضي من جديد واكتشاف لغز الشعر والتوحد
الشعري ، فالشاعر عموماً يمتلك دائما ذاكرة ديناميكية
ووجوداً شعرياً مطلقاً . لذا فان زمن
الشاعر يرتبط بزمن الشعر فقط ، وهذا يتحقق من
خلال تلامس الأزمنة الثلاثة. وبما إن
الماضي دائماً مبثوثاً في الحاضر ليمنحه
جوهراً مكثفاً يمتد إلى المستقبل ، يصبح
الشعر تكثيفاً للحظة الإبداعية التي
تختزن غموض الوجود وتؤكد ميتافيزيقيا
الزمن ، وهذا هو الزمن الشعري ، وهذا يجعل
من كينونة الشاعر وجوداً مكثفاً بالشعر ،
ويجعل من الشعر وجوداً مكثفاً بالزمن . من
هنا يأتي تفرد الشعر كلغة وتأويل ورموز
تستجلي الأغوار السحيقة للوجود المعطى (
الواقع ) ، ضمن هذا الوعي فأن هدفية الشعر
لدى عدنان الزيادي في ديوانيه (نوارج إلى
هذا الحد ) و ( هكذا …..طوال الضفاف )
هي البحث في منفى ذاكرة الشاعر عن
جوهر الزمن المفقود منذ اللحظة التي تخطى
بها عتبة داره متجها إلى متاهات المنفى .
الشاعر يستفزنا بأسئلة لا نملك لها جواباً ، إنها
أسئلة الحلم والرؤيا التي تشبع بها ذات
يوم في مكان وزمان ما .إنها رؤيا لفضاء تلتبس
فيه الأشياء والأنا والذات الأخرى . ومثل
هذه الرؤيا يكون الشعر فيها كالندى في
صباحات الوادي المقدس
عندما يدخله الشاعر متسلحاً بأسئلة
مثل ( إذن لماذا جاء ، / ولماذا أنا
شجرته الدائمة /وكم رأيت يا ربي ، رغيفي مغمس بدم /
وتناهت ألي صيحة الجريح في الوهاد /وجاء
في تاملاتي إنني ذللت الصعاب ./ ذاهباً
إلى الحتم ، ومامن عضو يطاطئ ) والشاعر معزول ومستوحش
ووحيد في وادي الرؤيا يبحث
عن كنزه ولغزه الذي يغني البصيرة والوجود
، ولكن هل يمكن مبادلة هذا الشاعر
المستوحد ، كما في قصيدة ( الجدائل تحجب
القمر أيضا ) حيث يود أن يبادلك كل شيء ،
هوسه ، ذاكرته ، جدائل طفولته ، منفاه ،
زغاريده ، عنفوانه وأغنياته المشردة ، ( وجدائلهم
تحجب القمر ، خلهم في عزفهم ، أما أنت
فعليك أن تراقب الشعلة والضحايا
والأساطير التي تتهاوى ) إنها حقا ذاكرة
الشاعر العامرة بالتعاويذ الشعرية
والأسرار .
ومن هنا فان شعر عدنان الزيادي أكد على تطور
موضوعاته ، ففي ديوانه (نوارج إلى هذا
الحد ) نلمس قصديته في استباحة اليومي وكشفه ، مع محاولة
استخدام مفردات لغوية قريبة حتى من
القارئ غير النموذجي
. أما ديوان ( هكذا…….طوال الضفاف
) فانه يوحي بضفاف عزلة الشاعر التي
ينقل من خلالها أحلام الليل الى ذلك
الحلم النهاري الذي يشكل تأملاته
الشعرية الواعية . إنها الأحلام التي
تخلق ترددات الشعر لاستجلاء ذاته وماضيه
ولإعادة صدى الوجود القلق في دواخلنا ،
مما يؤدي إلى أن يصبح وجود الآخر
والأشياء مستقلان عن ذات الشاعر . ففي
تجربته الشعرية
ينهمر الماضي كشلال
شاهق في يوم ضبابي ، فتكون ذاكرة الحاضر عامرة بالزمن
الشعري .
خيول
الذاكرة النارية
في
عزلة الشاعر تصبح ذاكرة الماضي هي
المَعبرَ الحقيقي للحاضر لتحقيق التداعي ، لذا فإن شعر
الزيادي يرتكز على ( الذاكرة اللاإرادية)
من أجل استحضار الماضي
المرتبط بالحاضر
مادام (ماضينا
يعيش باستمرار في طعم الاشياء ورائحتها ) ولونها ومكانها
الأول الذي إنقذفت فيه . ولذلك فان ذاكرة
الماضي هي ذاكرة مثيولوجية بواسطتها يحاور
الشاعر "
الأشياء " كوجود صرف ومكثف قائم في
الواقع . وبالرغم من توصيف الحدث والصورة ، إلا أن اللحظة
الشعرية هي تكثيف للحدث في الماضي ، يستحضره الشاعر " الآن "
في الحاضر الذي هو بؤرة تلامس
الأزمنة .لذلك فان تداخل ذاكرة الماضي
بالحاضر يأخذ امتداده المستقبلي ، وهذا
كله يؤدي الى تكامل دائرية اللحظة
الشعرية الابداعية التي تنبع من ذات
الشاعر لتمتد إلى الذات الاخرى ليتحقق زمن السرد
القرائي ( زمن
القارئ الذي يقوم بتأويله الخاص )او ما
يطلق عليه إمبرتو إيكو بالتأويل
التعاضدي . لذلك فان الشعر عموما يحتاج
إلى قارئ نموذجي يعاضد تأويلياً النص
والشاعر في ذات الوقت .
وفي
أنموذجنا هذا فأن أهمية القارئ الواعي
تكمن في أنه يصبح جزءاً من عزلة الشعر ،
لأن الزيادي بالرغم
من أنه يصبو إلى أن يسمعنا إيقاعه
البهيج أحيانا ، إلا أن شعره منفي بعزلته
، وهذا يعني انجلاء اللحظة الشعرية .
والقارئ النموذجي بعد
التأمل سيتوصل إلى
لغز الشاعر المبثوث في العوالم
الخفية للقصيدة .
فتتراءى أحلام
الشاعر كغزلان لازوردية في غابة الشعر ،
وهناك يقوم بتشذيب شجرة النار ، وتصبح
أحلامه كالألغاز او حكايات ، وأساطير عن الأسرى
والمرضعات اللواتي احتضن طفولته . غير أن
أمومة الشاعر تتبارك دائما ببرق الوميض :
( ولأجلها يتشظى كل جوهر ، وثمة ناظرون ،
من هناك إلى الشعلة المواظبة في قلوب
ممثلين يحفظون أدوارهم ، وهذه أدواري :
مثلما آخذ بالوردة إلى عطالةٍ/ سآخذ بي
إلى ما لا يسلو في
صميم هذه العٌـلّية حيث تتوجب إطلاقات غزيرة على قطافين
تكهنوا بجذل جذور ومناهل ملح في مقامي
الأهل بأسلاك تدلت كغصون ، وعلي / إذا ما
أطفئت غصون النار في إمارتي /أن أقترح
بصوّانين شرارة تاريخ من الصيحات عَبَر
الضفاف .)
وعندما
يغزو الماضي ذاكرة الشاعر ، يبدأ القصيدة متسلحاً بوعي جديد
قادراً فيه على التعبير عن الزمن وقدرته
على تآكل الذات وتلاشي حميّتها حسب مفهوم
أندريه موروا . ولذلك فان الزيادي يطابق
بين إحساس حدث في الحاضر وبين ذكرى حدثت
في الماضي كتراكم زمني ، وهذا واضح في
الكثير من شعره . ولكن في ديوانه ( نوارج
الى هذا الحد ) تفاجئنا
قصيدة بعنوان ( سوق التجار ) توضح ما ذكرناه حول استعادة
الذاكرة باختلاف
الزمن ، حيث أن رؤيته لشفتين ورديتين ( في الحاضر )
تذكره بأيام طفولته عندما كان الزمن
ينساب كالهواء بين الأصابع ،وهو طفل لاهث
يحث خطاه نحو سوق التجار ( تريد أن
أحدثها عن أيامي الخواليّ / وقد مطت شفتين
/فذكرتني بالحلوى التي ذابت بين أصابعي /
وأنا أجيء وأذهب في الطريق ذاته / إلى سوق
التجار بدءاً
من خطوةٍ موحلةٍ / ألفت الطريق بطينه
المٌخاض ) فزمن الحبيبة أو الاميرة ( في
الحاضر ) يفرض على الشاعر أن يغزل لها
حكاياته ، وهي
تمط شفتيها . إن هذه الصورة الشعرية
الوصفية هي التي تلهب ذاكرة الشاعر (
اللاإرادية ) عن طريق التطابق باختلاف
الزمن ، فتستعاد ذاكرة الماضي لتستحضر أحلام
الطفولة الشاردة التي
اعتادت الطريق إلى السوق فيتحقق التداخل
او التلامس الزمني . أما الشاعر المنفي فأنه سيطرد من سوق
التجار لأنه إذا دخله الآن فسيدخله
بذاكرة واعية مسلحة بأسئلة معكوسة
بالمرايا ( نحن حملة كسِر المرايا / عاكسي
أشعة الشمس / كمخترعين مطرودين من سوق
التجار )
إذن
حضور الماضي عن طريق التطابق ، يؤدي إلى
انبثاق مدينة بصباحاتها وبساتينها
وشوارعها وصباياها الحالمات بأطفال
شعراء أو ملائكة كانوا يحلمون بتلك
الكواكب العجائبية التي تغزو مخيلاتهم . في
هذه المدينة يتجوهر الماضي بعتاليه
الذين يلتهمون النهار ، ومرضى الريف ،
غزاة المدن الموحلة ، والجنود الذين
عادوا للتو من حرب غير مجدية ، ورجل
العطور وكأنه
كينونة أبدية يحلم
بالجنة ، وهو
الوحيد الذي سيدخلها
، وتلك المرايا والشموس المعكوسة في
عيون السحرة طارقي الأبواب الذين نسوا
تعاويذهم في كهف مسكون بالساحرات . إنها
مدينة أحلام كانت تهدر في طفولة الشاعر
في الأيام الخوالي ، واستطاع الزمن
تخريبها وتآكلها ، وقد تتحول إلى سراب ،
لأن حنين ذاكرة ماضي الشاعر سيعيدها كما
كانت ( وهنا تصبح الذاكرة عدوة للزمن
ويصبح الزمن عدواً الذاكرة )
أحلام
الشاعر في اللازمان
وعندما يلج
الشاعر طفولته يكون
لديك يقين بأن صور الماضي واضحة لدرجة أنها ستقفز خارج
التجربة والكتابة . لأن الشاعر يظهرها من
خلال برازخ الذاكرة فيتحتم هتك حجاب
الطفولة والماضي ،
وفي ذات الوقت يسطو
على طفولتنا وأحلامنا . إن لحظة التذكر
هذه هي ( إستعادة الزمان وقهره في الوقت
نفسه ، لأن قطعة كاملة من الماضي استطاعت
أن تصبح قطعة من الحاضر ، وأن مثل هذه
اللحظات لتشعر الفنان بأنه احتل الأبدية
ـ حسب اندريه موروا ـ ) والإبداع الحقيقي لا زماني دائما
،أما الأبدية فهي اللازمان ـ كما يشير
ميرهوف ) فالشاعر يتحرر من الزمان والمكان
الواقعي فقط عن طريق الإبداع ، الذي هو
استحضار لازماني للذاكرة والأحاسيس
وتأملات الحلم النهاري المتحرر من
الزمان والحلم الليلي ( حسب غاستون
باشلار )
وشعر
الزيادي يختزل ماضيه فيتحول إلى فضاء لتذكر
مقتله في ليل المذابح بلا وداع ولا حنين
فقط تحف به طيور الأفق الشرقي ( من ليل
المذابح ياسيدتي / فإذا أردت أريتك مقتلي
بين نهرين ). إن نوايا الشعراء عموما
تحاول أن تخلق لنا حرية متمنية ، لأنها كالخيول
النارية في كهولة الشعراء عندما يتخلون
عن عالمنا الواقعي ، لينغلقوا مع ذواتهم
في عزلة تبدو أبدية .
لكن
عدنان الزيادي يعود إلى ماضي الحنين
كخلاص يتدفق ، كعودة المياه التائهة إلى
المجرى ، فتومض الذاكرة بكليتها وزمنها
لتنبثق عوالم وأحاسيس ورؤى مازالت حية في
الثنايا السحيقة من الذاكرة .
بالرغم
من أن الماضي يظهر لنا المكان بكليته ،
تتوسطه كرات مغزولة دائما ورحى تدور
لتلاحق الزمن المنفلت
، إنه ذاكرة الطفولة التي ترينا الشاعر الطفل أو
عالم الطفل الشاعر تضج به نساء تربعن في جلستهن يغزلن
الزمن متشحات بسواد كل هذا العالم ،
فنسمع بانفعال أحاديثهن عن ملائكة ، تسجل
على أجنحتها كل نأمة ، والنار تترك
آثارها على خبز الماضي ، فيغسل الشاعر
أحزانهن بندى الصباح . وعندما يهم
بالحديث مع شاعره الطفل ، تتشظى النساء
حمائم سوداً تهيم في ملكوت الذاكرة
وتتلاشى .
وبالرغم من أن
الزيادي يلامس الواقع بمباشرته أحيانا ، إلا أنه واقع جديد عن طريق
الصور الشعرية في زمن شعري جديد . فمرة
يطوف بنا كأبناء ملعونين في ظلام العالم
السفلي لرؤية مدن جهنمية ، أو
تلك المدن التي توهت الشاعر بنكرانها
وصدودها ، فلعنها ومازالت تستغيث
.ومرة يسلمنا بكامل اليقين مفاتيح مدينة
الأحلام التي يبحر لها الشعراء
المنبوذون دائما
.ومرة أخرى يدخلنا مدناً كانت أحلاماً ،
لكنها طردت شعراءها لأنهم يغذون شجرة
النار ، ومنذ أزل يلاسنون القرصان المبحر
نحو مدن اللآلئ وجزر الأحلام النائية ،
وسيواجهون مصيرهم بين الأدغال بجرأة كمن
سيواجه الجريمة بوميضها ، أو كمن يرى
الإنسان أثراً على الرمال في فضاء يغترب
الشعراء فيه ، فيطاردهم عواء مسعور من
بين ورقة مسعورة . ( كأنها دين مستحق / أو
دعوة من أجل أن يعود إلى البيت / نافضاً
غبار دعابة حدثت ذات
صيف ) هنا تتحول الأحلام إلى ( تأملات شاردة ) لا يمكن تأكيد
وجودها إلا بالكتابة ، فيمنح الشاعر
وجوداً مكثفاً " للأشياء " ، لأن
الورقة البيضاء التي تشبه كوناً لتجسيد
التأملات الشاعرية ، تتحول إلى عواء
يطارد الشعراء .
أسطورة اليومي الشعرية
|