العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

عزلة  الشاعر في أحلامه

( عدنان الزيادي إنموذجا  )

                    د. فاضل سوداني

                                                                                                 

هنا وضمن اشتراطات المنفى تعمد الشاعر عدنان الزيادي أن يستحضر  طفولته وماضيه ، وأن يكتب عن هذا بذاكرة ملتهبة بملكوت الشعر حتى يكون قادراً على استعادة زمنه الشعري المسروق وهو في منفاه ، بعد تجربته الحياتية في العراق ومع المقاومة الفلسطينية  في بيروت وتونس . وما عزلة الشاعر إلا  لملامسة هذا الماضي من جديد  واكتشاف  لغز الشعر والتوحد الشعري ، فالشاعر عموماً  يمتلك دائما ذاكرة ديناميكية ووجوداً شعرياً مطلقاً . لذا فان زمن الشاعر يرتبط بزمن الشعر فقط  ، وهذا يتحقق من خلال تلامس الأزمنة الثلاثة. وبما إن الماضي دائماً مبثوثاً في الحاضر ليمنحه جوهراً مكثفاً يمتد إلى المستقبل ، يصبح الشعر  تكثيفاً للحظة الإبداعية التي تختزن غموض الوجود وتؤكد ميتافيزيقيا الزمن ، وهذا هو الزمن الشعري ، وهذا يجعل من كينونة  الشاعر وجوداً مكثفاً بالشعر ، ويجعل من الشعر وجوداً مكثفاً بالزمن . من هنا يأتي تفرد الشعر كلغة وتأويل ورموز تستجلي الأغوار السحيقة  للوجود المعطى ( الواقع ) ، ضمن هذا الوعي فأن هدفية الشعر لدى عدنان الزيادي في ديوانيه (نوارج إلى هذا الحد ) و ( هكذا ..طوال الضفاف )  هي البحث في منفى ذاكرة الشاعر عن جوهر الزمن المفقود منذ اللحظة التي تخطى بها عتبة داره متجها إلى متاهات المنفى . الشاعر يستفزنا بأسئلة لا نملك  لها جواباً ، إنها أسئلة الحلم والرؤيا التي تشبع بها ذات يوم في مكان  وزمان ما .إنها رؤيا لفضاء تلتبس فيه الأشياء والأنا والذات الأخرى . ومثل هذه الرؤيا يكون الشعر فيها كالندى في صباحات الوادي المقدس  عندما يدخله الشاعر متسلحاً بأسئلة مثل ( إذن لماذا جاء ، / ولماذا أنا شجرته الدائمة /وكم رأيت يا ربي  ، رغيفي مغمس بدم / وتناهت ألي صيحة الجريح في الوهاد /وجاء في تاملاتي إنني ذللت الصعاب ./ ذاهباً إلى الحتم ، ومامن عضو يطاطئ  )  والشاعر  معزول ومستوحش ووحيد  في  وادي الرؤيا يبحث عن كنزه ولغزه الذي يغني البصيرة والوجود ، ولكن هل يمكن مبادلة هذا الشاعر المستوحد ، كما في قصيدة ( الجدائل تحجب القمر أيضا ) حيث يود أن يبادلك كل شيء ، هوسه ، ذاكرته ، جدائل طفولته ، منفاه ، زغاريده ، عنفوانه وأغنياته المشردة ،     (  وجدائلهم تحجب القمر ، خلهم في عزفهم ، أما أنت فعليك أن تراقب الشعلة والضحايا والأساطير التي تتهاوى )  إنها حقا ذاكرة الشاعر العامرة بالتعاويذ الشعرية والأسرار .

ومن هنا فان شعر عدنان الزيادي أكد على تطور موضوعاته ، ففي ديوانه (نوارج إلى هذا الحد ) نلمس قصديته في استباحة اليومي  وكشفه ، مع محاولة استخدام مفردات لغوية قريبة حتى من القارئ غير النموذجي  . أما ديوان ( هكذا…….طوال الضفاف  ) فانه يوحي بضفاف عزلة الشاعر التي ينقل من خلالها أحلام الليل الى ذلك الحلم النهاري الذي يشكل تأملاته الشعرية الواعية . إنها الأحلام التي تخلق ترددات الشعر لاستجلاء ذاته وماضيه ولإعادة صدى الوجود القلق في دواخلنا ، مما يؤدي إلى أن يصبح وجود الآخر والأشياء مستقلان عن ذات الشاعر . ففي تجربته  الشعرية ينهمر الماضي كشلال  شاهق في يوم ضبابي  ، فتكون ذاكرة الحاضر عامرة بالزمن الشعري .  

خيول الذاكرة النارية     

في عزلة الشاعر تصبح ذاكرة الماضي هي المَعبرَ الحقيقي للحاضر  لتحقيق التداعي ، لذا فإن شعر الزيادي يرتكز على ( الذاكرة اللاإرادية) من أجل استحضار الماضي  المرتبط بالحاضر  مادام  (ماضينا يعيش باستمرار في طعم الاشياء ورائحتها )  ولونها ومكانها الأول الذي إنقذفت فيه . ولذلك فان ذاكرة الماضي هي ذاكرة مثيولوجية  بواسطتها يحاور الشاعر  " الأشياء " كوجود صرف ومكثف قائم في الواقع . وبالرغم من توصيف الحدث والصورة  ، إلا أن اللحظة الشعرية هي تكثيف للحدث في الماضي  ، يستحضره الشاعر  " الآن "   في الحاضر الذي هو بؤرة تلامس الأزمنة .لذلك فان تداخل ذاكرة الماضي بالحاضر يأخذ امتداده المستقبلي ، وهذا كله يؤدي الى تكامل دائرية اللحظة الشعرية الابداعية التي تنبع من ذات الشاعر لتمتد إلى الذات الاخرى  ليتحقق زمن السرد القرائي  ( زمن القارئ الذي يقوم بتأويله الخاص )او ما يطلق عليه إمبرتو إيكو بالتأويل التعاضدي . لذلك فان الشعر عموما يحتاج إلى قارئ نموذجي يعاضد تأويلياً النص والشاعر في ذات الوقت .

وفي أنموذجنا هذا فأن أهمية القارئ الواعي تكمن في أنه يصبح جزءاً من عزلة الشعر ، لأن الزيادي بالرغم  من أنه يصبو إلى أن يسمعنا إيقاعه البهيج أحيانا ، إلا أن شعره منفي بعزلته ، وهذا يعني انجلاء اللحظة الشعرية . والقارئ النموذجي بعد  التأمل سيتوصل إلى  لغز الشاعر المبثوث في العوالم الخفية للقصيدة  . فتتراءى  أحلام الشاعر كغزلان لازوردية في غابة الشعر ، وهناك يقوم بتشذيب شجرة النار ، وتصبح أحلامه كالألغاز  او حكايات ، وأساطير عن الأسرى والمرضعات اللواتي احتضن طفولته . غير أن أمومة الشاعر تتبارك دائما ببرق الوميض : ( ولأجلها يتشظى كل جوهر ، وثمة ناظرون ، من هناك إلى الشعلة المواظبة في قلوب ممثلين يحفظون أدوارهم ، وهذه أدواري : مثلما آخذ بالوردة إلى عطالةٍ/ سآخذ بي إلى ما لا يسلو  في صميم هذه العٌـلّية حيث تتوجب إطلاقات  غزيرة على قطافين تكهنوا بجذل جذور ومناهل ملح في مقامي الأهل بأسلاك تدلت كغصون ، وعلي / إذا ما أطفئت غصون النار في إمارتي /أن أقترح بصوّانين شرارة تاريخ من الصيحات عَبَر الضفاف .) 

وعندما يغزو الماضي ذاكرة الشاعر ، يبدأ  القصيدة  متسلحاً بوعي جديد قادراً فيه على التعبير عن الزمن وقدرته على تآكل الذات وتلاشي حميّتها حسب مفهوم أندريه موروا . ولذلك فان الزيادي يطابق بين إحساس حدث في الحاضر وبين ذكرى حدثت في الماضي كتراكم زمني ، وهذا واضح في الكثير من شعره . ولكن في ديوانه ( نوارج الى هذا الحد )  تفاجئنا قصيدة بعنوان ( سوق التجار ) توضح  ما ذكرناه حول استعادة الذاكرة  باختلاف الزمن ، حيث أن رؤيته لشفتين ورديتين  ( في الحاضر ) تذكره بأيام طفولته عندما كان الزمن ينساب كالهواء بين الأصابع ،وهو طفل لاهث يحث خطاه نحو سوق التجار ( تريد أن أحدثها عن أيامي الخواليّ / وقد مطت شفتين /فذكرتني بالحلوى التي ذابت بين أصابعي / وأنا أجيء وأذهب في الطريق ذاته / إلى سوق التجار  بدءاً من خطوةٍ موحلةٍ / ألفت الطريق بطينه المٌخاض ) فزمن الحبيبة أو الاميرة ( في الحاضر ) يفرض على الشاعر أن يغزل لها حكاياته  ، وهي تمط شفتيها . إن هذه الصورة الشعرية الوصفية هي التي تلهب ذاكرة الشاعر ( اللاإرادية ) عن طريق التطابق باختلاف الزمن ، فتستعاد ذاكرة الماضي  لتستحضر أحلام الطفولة الشاردة  التي اعتادت الطريق إلى السوق فيتحقق التداخل او التلامس الزمني . أما الشاعر المنفي  فأنه سيطرد من سوق التجار لأنه إذا دخله الآن فسيدخله بذاكرة واعية مسلحة بأسئلة معكوسة بالمرايا ( نحن حملة كسِر المرايا / عاكسي أشعة الشمس / كمخترعين مطرودين من سوق التجار )

إذن حضور الماضي عن طريق التطابق ، يؤدي إلى انبثاق مدينة بصباحاتها وبساتينها وشوارعها وصباياها الحالمات بأطفال شعراء أو ملائكة كانوا يحلمون بتلك الكواكب العجائبية التي تغزو مخيلاتهم . في هذه المدينة يتجوهر الماضي بعتاليه الذين يلتهمون النهار ، ومرضى الريف ، غزاة المدن الموحلة ، والجنود الذين عادوا للتو من حرب غير مجدية ، ورجل العطور  وكأنه كينونة أبدية  يحلم بالجنة  ، وهو الوحيد الذي سيدخلها  ، وتلك المرايا والشموس المعكوسة في عيون السحرة طارقي الأبواب الذين نسوا تعاويذهم في كهف مسكون بالساحرات . إنها مدينة أحلام كانت تهدر في طفولة الشاعر في الأيام الخوالي ، واستطاع الزمن تخريبها وتآكلها ، وقد تتحول إلى سراب ، لأن حنين ذاكرة ماضي الشاعر سيعيدها كما كانت ( وهنا تصبح الذاكرة عدوة للزمن ويصبح الزمن عدواً الذاكرة )

أحلام الشاعر في اللازمان

 وعندما يلج الشاعر طفولته  يكون لديك يقين بأن صور الماضي  واضحة لدرجة  أنها ستقفز خارج التجربة والكتابة . لأن الشاعر يظهرها من خلال برازخ الذاكرة فيتحتم هتك حجاب الطفولة والماضي  ، وفي ذات الوقت  يسطو على طفولتنا وأحلامنا . إن لحظة التذكر هذه هي ( إستعادة الزمان وقهره في الوقت نفسه ، لأن قطعة كاملة من الماضي استطاعت أن تصبح قطعة من الحاضر ، وأن مثل هذه اللحظات لتشعر الفنان بأنه احتل الأبدية ـ حسب اندريه موروا ـ  ) والإبداع الحقيقي لا زماني دائما ،أما الأبدية فهي اللازمان   ـ كما يشير ميرهوف  ) فالشاعر يتحرر من الزمان والمكان الواقعي فقط عن طريق الإبداع ، الذي هو استحضار لازماني للذاكرة والأحاسيس وتأملات الحلم النهاري المتحرر من الزمان والحلم الليلي ( حسب غاستون باشلار )

وشعر الزيادي يختزل ماضيه فيتحول  إلى فضاء لتذكر مقتله في ليل المذابح بلا وداع ولا حنين فقط تحف به طيور الأفق الشرقي ( من ليل المذابح ياسيدتي / فإذا أردت أريتك مقتلي بين نهرين ). إن نوايا الشعراء عموما تحاول أن تخلق لنا حرية متمنية  ، لأنها كالخيول النارية في كهولة الشعراء عندما يتخلون عن عالمنا الواقعي ، لينغلقوا مع ذواتهم في عزلة تبدو أبدية .

لكن عدنان الزيادي يعود إلى ماضي الحنين كخلاص يتدفق ، كعودة المياه التائهة إلى المجرى ، فتومض الذاكرة بكليتها وزمنها لتنبثق عوالم وأحاسيس ورؤى مازالت حية في الثنايا السحيقة من الذاكرة .

بالرغم من أن الماضي يظهر لنا المكان بكليته ، تتوسطه كرات مغزولة دائما ورحى تدور لتلاحق الزمن  المنفلت ، إنه ذاكرة الطفولة التي ترينا  الشاعر الطفل أو عالم الطفل الشاعر تضج به  نساء تربعن  في جلستهن يغزلن الزمن متشحات بسواد كل هذا العالم ، فنسمع بانفعال أحاديثهن عن ملائكة ، تسجل على أجنحتها كل نأمة ، والنار تترك آثارها على خبز الماضي ، فيغسل الشاعر أحزانهن بندى الصباح . وعندما يهم بالحديث مع شاعره الطفل ، تتشظى النساء حمائم سوداً تهيم في ملكوت الذاكرة وتتلاشى .

وبالرغم  من أن الزيادي يلامس الواقع بمباشرته  أحيانا ، إلا أنه  واقع  جديد عن طريق الصور الشعرية في زمن شعري جديد . فمرة يطوف بنا كأبناء  ملعونين  في ظلام العالم السفلي لرؤية مدن جهنمية ، أو تلك المدن التي توهت الشاعر بنكرانها وصدودها ، فلعنها ومازالت تستغيث .ومرة يسلمنا بكامل اليقين مفاتيح مدينة الأحلام التي يبحر لها الشعراء المنبوذون  دائما .ومرة أخرى يدخلنا مدناً كانت أحلاماً ، لكنها طردت شعراءها لأنهم يغذون شجرة النار ، ومنذ أزل يلاسنون القرصان المبحر نحو مدن اللآلئ وجزر الأحلام النائية ، وسيواجهون مصيرهم بين الأدغال بجرأة كمن سيواجه الجريمة بوميضها ، أو كمن يرى الإنسان أثراً على الرمال في فضاء يغترب الشعراء فيه ، فيطاردهم عواء مسعور من بين ورقة مسعورة . ( كأنها دين مستحق / أو دعوة من أجل أن يعود إلى البيت / نافضاً غبار دعابة حدثت  ذات صيف ) هنا تتحول الأحلام إلى  ( تأملات شاردة )  لا يمكن تأكيد وجودها إلا بالكتابة ، فيمنح الشاعر وجوداً مكثفاً " للأشياء " ، لأن الورقة البيضاء التي تشبه كوناً لتجسيد التأملات الشاعرية ، تتحول إلى عواء يطارد الشعراء .

أسطورة اليومي الشعرية 

 يأمل الزيادي إلى ملامسة الأسطوري في اليومي ، وبذلك فانه يخلق أسطورته  المليئة بالعجائبية حيث يفاجئنا بمصّلح الدراجات الذي يتقدمه موته ، وعندما يحضر بائع السمك ، فأن حضوره يوحي وكأنه يحمل دائماً شبكة الصيد ، وأحاديثه كأنهار فائضة بمائها العذب .ويدهشنا الشاعر أيضا عندما يقاسمنا أحلاماً عن الأرخبيلات أو عن القمر الذي لامس ذؤابات نخيل .

إن التقاط اليومي بشاعريته يحقق تلامس حاضر المنفى مع ماضي الشاعر . فرؤيته لبائعة من  الشمال الاسكندنافي مسكونة  بجمالها  ، تفرض على ذاكرة الشاعر استحضار الفتيات المتلفعات بالشمس في شارع النهر البغدادي في موطنه الأول ( في بلاد تمشي على رؤوس أصابعها / كي لا توقظ الموتى / وأنا ……../أيضا سأمشي على رؤوس أصابعي / في طريقي إلى شجرة تين / ستذكرني كلاجئ إليها في ظهيرة طفولة ما .)

ولكن  منح اليومي أسطورته لا تخلو  أحيانا من  استخدام تلك  اللغة التي توهم الشاعر فينشغل بها مضطراً من أجل خلق تنوع لغوي ومقاربة مع القارئ ،  أو بتأثير الأيديولوجيا ، فيفقد  الشعر توازنه وأسطورته  وسيؤنب الشاعر ذاته في سنين مستقبلية : ( غير آبه بأوجار الكلاب / ولا دفتر  الغياب /ولا البنات اللواتي ظنّ سيغمزنه / قائلات أثناء اوبتهن إلى الأحلام / هو ذا الذي شق عصا الطاعة / فَعَفَطَ على الفرقة الأولى / والمتصرفية )

إن عثرة الشاعر تكمن في تمسكه بالخداع اللغوي أحيانا (اللغة  التجريدية )   . ولكن طموحه إلى قول الشعر الصافي ، والصورة الشعرية المعبرة ، يدفعانه إلى تكثيف وعيه الشعري الأول إلى إشراقات أسطورية في ذاكرة الحاضر . ففي بعض قصائده يمكن أن نكتشف العلاقة بين اليومي وبين الأسطوري وبالذات المثيولوجيا البابلية أيضا ، عندما يستخدم مضمون أسطورة ( هنالك في الأعالي ) ويكيف بعض أحداثها في قصيدة ( لأنهم أنصاف آلهة ) فالأسطورة تحكي عن مغامرات الالهة البدئية " آبسو " المياه العذبة و "تيامة " المياه الأولى المالحة و "ممو" الضباب المنتشر بينهما والمنبعث منهما ، حيث كانوا يعيشون في حالة سرمدية من السكون المطلق ، ممتزجة ببعضها في وضع هيولي بدئي دونما شكل أو حركة أو نظام ، وعندما تناسلت بدأ الصراع بينهما . ( انظر فراس سواح . مغامرة العقل الأولى )

ينقل الزيادي الجو الأسطوري إلى الحياة اليومية في العراق تحديداً ، فيخلق جواً شعرياً يعبر عن الصراعات بشموليتها .( حيث أرسلت المياه العذبة / رسولها العاشق وتجاذبت / مع المياه المالحة الشواطئ / طرفا لطرف ثم صارا / يمتزجان  ويفترقان / وآلاف الرعاة / كأنصاف آلهة يصغون للتلاطم / في المرعى /

……………………………………………………

…………………………………………………..

أؤلئك  / أبناء المالحة / أبناء تيامة المالحة / ما أجملهم /في جدائلهم / وفي حيرتهم باكراً / لم تبرحهم ظلالهم إذا سألوا / ولأنهم غضاب / كسروا الرياح / كسروا أجنحة الرياح حزمة /ورموها أمام خلودهم / وأنين أحشائهم /

………………………………………………….

تتقدمهم ثيرانهم / أحدثوا في الأرض هذه الجلبة /ثم غابوا / كأنما روضوا الأبد / لأنهم أبد )

وهنا تتحول الذاكرة إلى وجود شعري ذات بعد مثيولوجي .

 

 

 

فضاء الأشياء المٌتخّيل

إن التكثيف الشعري يمنح "  الأشياء  " وجوداً لذاته مستقلاً عن الوجود  الآخر، يتكامل من خلال زمنها الخاص وإيقاعها وهارمونيتها المتنافرة أو المنسجمة .وهنا يمنح الزيادي  هذه الأشياء التي يتناولها في شعره وجوداً ملتصقاً بالإنسان ، عندما يمنحها الأحاسيس والمشاعر الإنسانية مثل ( كلما طلعت وألقت الشمس تحيتها على الصباح ) أو ( لماذا تتصوف الزهرة هذا اليوم / ضمها إلى صدرك كتاباً تصوفياً /أوحت به حديقة زهرة )

وبالتأكيد فان هذا له علاقة بالتركيز على الوجود الشعري المكثف للأشياء التي تختزن في ذاكرة الشاعر على شكل لون أو رائحة أو إيقاع صوتي مثل ( وكم ركضت في جلاجلها البراري ) أو ( تظاهر الغبار ) .أو تأخذ شكل حالة شعورية ـ نفسية ( عش خائف ) أو ( تلعثم الضوء )  وهي حالة داخلية في طبيعتها قبل أن تكون خارجية ، حيث أن النور الذي كان متوهجاً في ذات الشاعر تلعثم في لحظة من لحظات وجوده .أما (وشعرها يهطل غزيراً على الشرفات ) فهي حالة توصيف شعري .

 ويمكن للقارئ المتفاعل  مع قصيدة ( سوق التجار ) المارة الذكر ، أن يسمع الأصوات ويشم روائح الحاجيات والأشياء  أو يتماهى مع  أبدية الزمن في هذا السوق ،   وينفعل مع  أشياء  الغرباء ، وأن يرى الألوان الغريبة المختلفة التي تشكل فرحاً للروح . أو يلامس قماش الموسلين عند التجار  فيتحول إلى خيوط حريرية تُغزل مع أحلام فتيات يرفلن في بكورتهن ، لكن كبرياءهن ورائحة الصباح ودفاترهن المدرسية هي شفيعهن ، لكي يسمح لهن أن يتهادين في سوق هو ملك الرجال ـ التجار ـ  المزيفين . وحالما يصبح الشعر هو الوجود المستقبلي للإنسان ، يودع الشاعر طفولته وبعض أحلامه  كتعاويذ للأغراب والتجار والمتزلفين ،ويتنبأ بحرائق مستقبلية يحذر القارئ منها بكل إباء ، فالبرابرة الملثمون الذين مسخوا  النهار سيأتون فجراً . لذا يغلق الشاعر بيت أحلامه على عجل (ليس هنالك من أحد / وحده الهواء في معتركه / إزاء أشجار ستذرف أوراقها الصفراء وقد استبدت بها ريح )

وقبل أن يودعنا الشاعر يأمر أميره أن يهبط الأدراج ، ويطفئ المصباح ، ليوقظ بصولجانه هدأة الغرف ، وفي حضرة الأقمار وحتى لا يجد سراباً في عينيه  (سيطفئ أميرنا القنديل / ويغلق دوننا البوابة السابعة ) إذن احتفوا بالشاعر حتى وان جاءكم متعثراً بخيوط الشمس والغبار .

 

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )