|
زهير كاظم
عبود
ما
يتيسر لنا معرفته عن الكاتب العراقي
الأصل والبدوي العقيدة والخفيف مثل طيور
الهور علي
السوداني القادم إلينا من المدافن
المائية في أقصى بلاد الماء مثل الطيور
التي تهاجر مرة ومرة يلوح لعابري السبيل
ومرة أخرى أميراً شحت آبار نفطه فبدا
يبيعها بل اثمن يوزعها على الفقراء
والمحتاجين ولايترك لنفسه أو لأهله حتى
صفيحة من نفط العالم ،
غير أنه لا يملك سوى روحه والكلمات
العبقة وقدرته على استلال البسمة رغما
عنك ، فله المقدرة أن يرغمك على القهقهة وأنت في عز
الحزن وتبتسم وأنت تقف في مراسيم دفن شيخ
عشيرتك أو رئيس البلاد الذي تتمنى موته
سراً ودائماً .
ما
يملكه السوداني ملكاً صرفاً خالصاً
لحيته الكثة التي أطلقها منذ ولادته
تيمناً بما د رج عليه القادة وأبناء
الأمراء وشيوخ النفط
، سحنته تشبه شيخا من شيوخ الخليج ، وتشعر أن
للنفط حكاية داخل أعماقه لا يلبث أن
يبوحها لك من
كونه خريج معهد
النفط في بغداد ويطلب منا أن نحفظ السر
لئلا تفوح أسرار الكون من بين يديه .
القدرة على ضغط
الكلمات وعصرها وتنشيفها قبل أن يثردها
في حبر الجريدة ويقدمها لك طازجة وساخنة
مثل رغيف التنور هي سمة من سمات علي
السوداني الذي حلفت أغلظ الأيمان غير مرة
لأنفي عنه أنتسابه للقطر السوداني
الشقيق والذي ستظل زيارة عاصمته الخرطوم
حسرة في قلب علي السوداني غير أني لم أوفق
في أدخال المعلومة التي تفيد بأن عشائر
السودان وصلت الى أهوار العراق قبل أن
تصل الأسماك والطيور الى ماء الأهوار .
في قصص
وأسلوب علي السوداني تشعر بطعم الملح
المرشوش فوق الكلمات المشوية وعبق البهار الهندي الذي يضفي
عليها عطراً وطيبا ، والمتابع لنتاجات
السوداني منذ صدور مجموعته الأولى عام 1993
في بغداد بعنوان (( المدفن المائي )) والتي
أعادت دار أزمنة في عمان طباعتها للمرة
الثانية عام 1998 ومن
ثم مجموعته الثانية (( الرجل النازل ))
إصدار دار أزمنة عام 1996 ثم مجموعته
الثالثة عام 1997 بعنوان (( بوككو وموككو ))
ومن ثم مجموعته الأخيرة المشتركة مع
القاص حسن دعبل الصادرة عن المؤسسة
العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2000
بعنوان (( ما تيسر له ))
سيجد فيها قدرة علي السوداني الى
الولوج الى أعماق الروح وتمكنه من
استكشاف كوامن شخصية المجتمع الذي
استطاع السوداني أن يوظف شخوصه وأبطاله
وسط لجة المدن والأحياء الفقيرة .
ويتفرد السوداني بأسلوب ممتع من
خلال عموده الصحفي في الصحف التي ابتلاها الله به يسرح بين
صفحاتها يحط كلماته ورحاله أين مابدا له
الاستقرار من الرحيل .
ويعتمد
السوداني على الجملة الواضحة التي تختزل
الموضوع فلا يوصف لك ولا يأخذك يمنة
ويسرة بل يتقدم لك بأقصى سرعة ويدلق في
أحضانك ما يريد أن يقول دون مقدمات أو
مجاملة فينقلك الى عالم مر بخاطرك لم يزل
يطرقه بانسيابية وخدر يغلفها بكلمات
قصصه القصيرة فتصر على مصاحبته الى آخر
الطريق تريد أن تعرف الى أين سيأخذك هذا
التائه لكنه سيدلك حتماً على الطريق ، غير أن تأثر السوداني
في البيئة الشعبية يبدو واضحاً وجلياً في
أكثر حكاياته الممتعة ، وفي قصة الليلة
لا أذهب إلى الحانة يستهل النص بأهزوجة
شعبية مشهورة وسط مدن الفقراء وفي تشييع
مكبعات الثلج يأتي على ذكر كل الشخصيات
الشعبية التي تجول بمخيلته وسط المحلة
والشارع الذي أفضى هذه الأنثيالات على
السوداني بعد أن دب دبيب المساء دون أن
يخلط حابلها بنابلها .
ويورد
عبارات شعبية من خلال الذاكرة العراقية
ومعايشته للمحلات الشعبية في بغداد التي
استل منها قصصه ووجعه
مثل الدشداشة والليفة والثرب
والدارسين وثوم العجم والنومي بصرة
والشاي المهيل والجاجيك أبوا لثوم وحنه
أبو العرق ثم ينتقل بك بين مدافن
أوروطقوسهاالسرية والمسرح البابلي
ومكان جلوس أنكيدو في
حانة الفقراء ولك أن تتأكد أنه لم يصل تلك
الأمكنة فلدية المقدرة أن يسيطر على روحك
ويوهمك بالسفر وأستعداده للرحيل وما أن
يدفعك في الزورق حتى تجده يلوح لك بيديه
مودعاً وتلك
ميزة أخرى من مميزات علي السوداني الغارق
في الهلاهل التي تصاحب نتاجه الأبد اعي
وهو يخط لنفسه نهجاً متفرداً في ساحة تعج
بالأقلام الواعدة والصاعدة وتفتقر قطعاً
لنهج طريقة علي السوداني التي تميزه .
ويستطيع
السوداني اقتناص الفرص فيلتقط التفاصيل
التي يريد الكبار مجرد قولها فيبتليهم
على أعمارهم ويطرق فوق آذانهم ولايمل من
كل هذا ، والمتابع لمشاهدات السوداني
لقناة تلفزيونية وكتابته عنها ونقده
للهفوات والتصريحات التي تهتف بها
للتسلية وقتل الوقت فيجلس لها ركبة ونص
كما يقول المثل العراقي ويسهر الليل
باحثاً عن منافذ يطرز بها عيون قرائه
ومتابعيه ومحبيه في صباح اليوم التالي
على صفحات الجريدة .
وتتميز
القصص القصيرة لدى السوداني باختزال
الحدث وقدرته على إيصال الموضوع بيسر
وسهولة واعتماده لغة سهله لاتدخل في
مفرداتها الكلمات المبهمة أو التي تحتاج
الى قاموس لتوضيحها لأنه يكتب ببساطة
مثلما هو بسيط ومقتدر .
لعلي
السوداني قدرة على الأنتظار والصبر فقد
ربط رجليه بمسامير الغربة لكنه لم يشأ أن
يبتعد عن العراق حتى سقط الطاغية ربما من
ألحاح دعوات علي السوداني أو ربما بتأثير
الكلمات الممتلئه بالضوء الذي عبد
الطريق لينقل أقدامه مرة أخرى الى بغداد
حيث يحل وينتظر في باب مقهى حسن عجمي كل
يوم بأنتظار أن يحقق وعداً كان قد قطعه
وحتما سيحققه مادامت الحياة تمتد بعد
رحيل الطاغية .
لعلي
السوداني نكهة مثل طعم التمر الخستاوي أو
الرطب في أول النضوج ، ولكلماته تأثير في
الروح يمثل قدرته على الولوج الى أعماق
ارواحنا المبتلية بتفاصيل قصصه الجميلة .
|