|
 |
| تخطيط
للفنان سلام الشيخ
|
عبد الستار زنكنة
((ان سكنا النجوم
يمكننا مشاهدة الارض بشكل اوضح))
بول فاليري
لاشك
ان التجديد في التقنية الروائية ، يتطلب
رفض البناء الروائي التقليدي المعتمد
على اللبنات المعروفة في صياغة النص ، من
الاحداث و الشخوص والزمان والمكان
وغيرها .
لكن
التجديد بنظرنا في رواية (( الابجدية
الاولى )) لطه حامد الشبيب ، الروائي
الكبير والمقتدر ، ما هو الاخلق معمارية
جديدة لبنيان النص .
حيث
نلاحظ عدم رفض الكاتب كليا للبناء
الروائي التقليدي ، ولجوءه في الوقت نفسه
الى بناء روائي جديد يتسم بالتداخل بين
الشعر والرواية ،
وكذلك
الى تقنية (( التعادل الموضوعي )) في
الرمزية . وهو يحلل الاحداث والشخصيات في
مجالات تخييلية ذاتية الحركة في
الانغلاق والانفتاح على ذواتها في آن
واحد ، فالماضي لديه يحاور المستقبل
ويتلاقح معه بديمومة خضراء نضرة
وباستمرارية زلاقة .
وتتميز
قدرات (( الشبيب )) الروائية هنا في مهارته
المطلقة في توظيف التاريخ والموروث
وتجاوزه الواقع من اجل استشراف افاق
المستقبل واشعاله شمعة في نهاية النفق
الحالك لها وبآليــة مواءمة تتناسب
ومضامين واشكاليات (( اركيولوجيا المعرفة
))
وحول ((
الاركيولوجيا )) يقول (( ميشيل فوكو )) :
] ليس المقصود به
مجرد المعنى الحرفي المألوف لمصطلح ((
الاركيولوجيا )) الذي يعني به (( علم
الاثار )) او (( دراسة الحفريات )) بل
المقصود به المعنى المجازي الابعد الذي
يرتبط بالحضر عن الشفرات المعرفية
الفاعلة ، او (( الابنية )) الكامنـــة
وراء (( الممارسات الخطابية )) والمتحكمة
فيها . ولذلك تختلف (( اركيولوجيا المعرفة
)) عن (( التاريخ التقليدي للمعرفة )) .
فالاول
كشف عن جملة القواعد الفاعلة داخل ثقافة
من الثقافات والثاني مجرد سرد يحشد
الوقائع والاحداث والمعاني [ .
فـ
(( الابجدية الاولى )) ليست رواية ذات نزعة
تاريخية تنزع النظر الى الظواهر في
سياقها التاريخي وحسب ، بل تنظر الى
الظواهر المعاصرة بأواصر متماسكة ،
وتحليلها للأحداث لا تقف في حدود الماضي
بله رحمها حبلى بالعبر للمستقبل عبر
قنوات الرؤى والدروس المتراكمة من
أرهاصات الحاضر .
وهي
أيضاً لا تصنف كرواية تقليدية ، ولا
واقعية تصويرية ، كما أنها لا تستقر في
قعر (( التجريبية )) المسربلة بأسمال ((
التجريد )) و (( الهلوسة )) التي ترغب عن
طريق استحداث قوالب شكلية في أخفاء وستر
الخواء الفكري والعبثية واللاعقلانية .
أنها خلق رموز جديدة في بنيان النص .
فالرموز لديه في غاية الشفافية وغير
غارقة في العتمة وتعلن عن نفسها بيسر
رائق دون عسر ثقيل مما أضفت على الرواية
الانسيابية الدافقة ، عملت على توطيد
وشائج التواصل العضوي مع القارئ من دون
الاختباء وراء ستائر الرمزية المبهمة أو
المعقدة أو العصية عن الأدراك .
وأما
لغة الرواية ، فهي غير تقريرية أو سردية
سهلة ، بل سيالة قوية ومحبوكة بإتقان وفي
منتهى الجمالية يترشح عنها زخم كبير في
دفع حركة الأحداث وتطور الشخصيات داخل
الرواية لأن تتنامى وتتفاعل بإيجابية
بناءة . وقد أثبت (( الشبيب )) بحق أنه فارس
اللغة الذي لا يشق له غبار ، وهندسته
اللغوية الرائعة جاءت في بعده عن التهشيم
والتغريب و اقترابه من وعي القارئ
وثقافته والتسامق معه في الرؤية
والتعبير .
حيث
تمكن الكاتب من انزال مفردات لغوية من
فوق رفوف التاريخ لتأخذ أنساقاً مشحونة
بدفق الحياة وغدت حية بعد موتها ، علماً
بأن الكثير منها من إبداعاته . وقد تجلت
براعته في تأسيس لغة (( توليدية )) تتخطى
الذرات في مداراتها البيانية المباشرة
الى مدارات دلالية غير مباشرة ، وتبتعد
عن صرفية الشكل .
وأخيراً
عندما تنفتح الحياة على متاهات من الدروب
المتداخلة و (( التيه )) في الطرق
المتشابهة ، يظل السؤال عن حقيقة واحدة
ودعوة (( الشبيب )) أن لا نذهب بعيداً في
البحث عن الجواب ، هو أن الأبجدية الأولى
تعني : العبد صانع سيده .
بعقوبة –
العراق
|