|
فؤاد ميرزا
 |
| تخطيط
للفنان علي النجار
|
ممدداً
بكل جسمي في سريري يقظآ وحالمآ في الوقت نفسه .
أسمع صوت مؤذن جامع الكيلاني له بحة
غامضة وحزينة. أخمن أنها الخامسة صباحا. لم أر نور الفجر
بعد. ألتقط صوت حركة وسط الدار. إنها أمي
تعد الفطور. أسمع طرطشة ماء وصوت حركة
ابريق, الصوت يأتي من الحمّام. أجزم أن
أمي تتوضأ من أجل صلاة الفجر. لا بد أنها
سمعت الطرق هي الأخرى فتوقفت عن الوضوء
وتوجهت نحو الباب.
الزلاجة
الحديدية ترفع. أسمع أصواتاً رجالية
خافتة.
من دون أن استيقظ
أغادر فراشي وأسير كالنائم. أرى أمي
المسربلة بالسواد تتحرك ببطء زاحفة
باتجاه السلم. لم يوقظ النقر أخواتي
الثلاث أو أخي الصغير. أحس بهم دون أن
اراهم. صدورهم
ترتفع وتنخفض برتابة النوم. أهبط السلم وأمر
بأمي دون أن أنظر إلى وجهها. أحس ببرودة
بلاطات الدار. أكتشف عري قدمي. أتقدم عبر
المجاز وأرفع الستارة. باب الدار نصف موصد . أرى ثلاثة
أشخاص بملامح متشابهة . لم تكن للوجوه
عيون أو أنوف أو آذان. الوجوه كلها عبارة
عن مستطيلات داكنة يتوسطها مربع أسود وفم
بلا شفاه. خمنت أنهم رجال الأمن أو أعضاء
الحزب. انتبهت إلى رشاشاتهم الموجهة
مباشرة إلى صدري. لم يتحدثوا بل أصدروا
ضوضاء لا شبه لها بالكلمات. فهمت معنى أوامرهم. لمحت غضون وجه أمي وقد امتلأت
بالفزع. عدت ومعي
الأوراق الثبوتية. طلبوا مزيدآ من
الأوراق. . كل الأوراق.
جدي هو الذي بنى هذا الدار, وجيلان من
الأبناء والأحفاد ترعرعوا فيه. أكدوا لي
معرفتهم بأدق التفاصيل. كنت أحاورهم وهم
يردون من دون كلمات. كان ذلك كافيا ليؤكد
لي بأنني مازلت أحلم.
سحبوني
من ذراعي ودفعوني هذه المرة بخشونة . كنت
أسير حافيآ ببجامة النوم. رأيت شاحنتين
عسكريتين متوقفتين عند فتحة الزقاق.
قادوني باتجاه الشاحنة
الأبعد وساعدوني على الصعود في الشاحنة ،
جلس عدة أشخاص في
صمت بلا حراك وكأنهم
فقدوا الشعور. كانوا من أبناء الحي.
جلست قرب شخص رمقني بنظرة مواسية.
انتبهت
بسرعة إلى أن المسلحين
كانوا قد دخلوا البيت. مرت دقاق طويلة
وعسيرة. خرج المسلحون أخيرآ بصحبة أخواتي
الثلاث وأمي وأخي الصغير. كانت لهم وجوه
بلا تعبير, زرقاء بلا انفعال وكأنهم
ماتوا منذ أمد طويل. قاد المسلحون أفراد عائلتي
وأصعدوهم الشاحنة القريبة من الزقاق.
رأيت وجوههم
للمرة الأخيرة.
المسلحون
طرقوا أبواباً أخرى. امتلأت الشاحنة بالنساء والأطفال
بسرعة.
تحركت
الشاحنات واهتزت, فاهتزت معها كل الأجسام
والرؤوس. ضجيج المسلحين يختلط بأزيز
محركات الشاحنات. الشاحنات تتفرق إلى
جهات متقاطعة ومجهولة.
الرائحة
من حولي أمست نتنة. أجد نفسي مستندأ بظهري
إلى جدار غير سوي, رماديّ ولزج. لطخات
بصاق, مخاط, بول وحتى غائط ودم كانت تلوث
الجدار. الرائحة لا تطاق وكان "الفيلية"
يتلاصقون بأجسامهم ويتحركون باستمرار.
نتوء في الجدار كان يثقب ظهري ويضطرني
إلى التململ. كم مضى عليّ في هذا المكان؟
أحسست بأنني فقدت القدرة على التذكر. هذه ليست
المرة الأولى التي يرصّوننا في غرف قذرة,
يخرجوننا كي نرى النور للحظات, ثم يغطون
عيوننا بقطع قماش نتنة. يطوقون أيدينا
خلف ظهورنا. يوقفوننا قرب حفر كبيرة
مليئة بالدم والمعدومين ويطلقون علينا
الرصاص. تسقط أجسامنا فوق بعضها البعض.
يواروننا التراب ليوم أو يومين ثم يشقوا
حفرنا من جديد ويعيدوننا بطابور إلى
الغرف القذرة. يدسون إبراً طويلة في أوردتنا
ليتأكدوا من موتنا وخلو أوردتنا من الدم.
كرروا هذه العملية مئات المرات
وسيكررونها الى ما لا نهاية.
كل
مرة يطلقون
النار, كانوا يخطئونني.
يطلقون على جسمي و يتجنبون رأسي عمدآ.
ابقى متخشبآ. أنتظر على مضض. يقترب شخص
مني, أسمع قهقهته المعهودة. يقرب مسدسه من
وسط جبهتي ويطلق مرة واحدة. أحس بجسمي
خفيفا, وأسقط داخل فجوة بسعة الفجوة التي تركتها
الرصاصة وسط جبهتي.
أسقط كما لو أني
أسقط من عل, من سماء وغيوم.
أترك فتحة واسعة بحجم جسمي في الغيمات التي يخترقها سقوطي البطيء. بخدر,أوازن جسمي ,
وأسند رأسي بكفي, كما لو كنت متكئاً على
وسادة من ريش. أسقط أخيرآ بين الأجسام
الميتة واستيقظ. أسمع صوت مؤذن جامع الكيلاني له بحة
غامضة وحزينة. أسمع طرطشة ماء, وصوت حركة
إبريق أمي وهي تتوضأ
للصلاة. |