العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 

ضفيرة العروس

                                   محمود سعيد      

 

تخطيط للفنان علي النجار

 

قبل سقوط القنبلة كان حسين يدور حول ‘‘الصريفة’’1، يراقب الضفادع وهي تقفز في الماء هاربة من وقع قدميه، أخذ يحصيها تضييعاً للوقت، الساعة الثانية بعد الظهر، هناك بضع ساعات إلى حين عقد القران، كيف يقضيهما؟ أول الأمر أخذ يحصي عدد الطيور التي تمرق من فوق الصريفة، أحس بالضجر، لبس عدة مرات، نظر في المرآة الصغيرة إلى بذلته، وجهه، ثم نزع ما ارتدى، أعاد تلميع حذاءه، ضجر من جديد، أحصى مئة ضفدع عندما لاحظ وكراً للجنادب البيض الطنانة في تجويفة مغطاة بقطع البردي انحنى عليها، آنذاك سمع صوت انفجار القنبلة،  الصوت شديد، وخمن أنها لابد أن تكون على بعد ميلين تقريباً جهة الجنوب، نسي وكر الجنادب وملاحقة الضفادع وإحصاء الطيور، هتف بأبي كاظم من وراء الصريفة:

- كم تبعد القنبلة؟

- ثلاثة كيلومترات..أربعة.

كان يعلق المنظار على صدره، رفعه، نظر ناحية سقوط القنبلة، لم يرَ شيئاً أبداً، خرج أبو كاظم، يمسح شاربيه الكثين براحة يمينه من بقايا العرق الفواح:

- لم يخبروني..لماذا؟

حاول عبثاً الاتصال باللاسلكي..147 ينادي..أجب..

زفر:

لا شيء..أولاد ال..

هاجمه حسين:

- ألا تمل من الشرب؟

- المناسبة لك..اليوم عقد قرانك لا قراني أحتفلُ أنا بمناسبتك وأنت زعلان؟..هيّ اشرب معي كأساً، لنحتفل، كم مرة تمر هذه المناسبة في حياة الإنسان؟

لم ينزل حسين المنظار من عينيه، هتف أبو كاظم:

- ماذا تفعل؟ دع المنظار وتعال لنحتفل.

كيف يحتفل؟ يدا الخوف يشله، ساد صمت عميق بعد سقوط القنبلة، حتى الضفادع كفت عن النقيق، لابد أنها أدركت الخطر، ساد نفس الصمت الذي عادة ما يحتل الليل في الكون كله، صمت أشبه بوحش خرافي له أنياب تضغط على الفكر والأعصاب، لكن أبا كاظم لا يتأثر، لا يغير من عاداته، منذ أن رآه أول مرة قبل أشهر، آنذاك كادت الكآبة تقتله، كان قلقاً من المستقبل، قال له أصدقاؤه: نفوك عندما عينوك في الأهوار..إنها مقبرة الأحياء، ظل الزورق يسير بين الماء والقصب والبردي بضع ساعات، وحينما ترجل من الزورق البخاري، بقي وحيداً، رأى نفسه في قفر لا تفرق عن الصحراء، لكنها قفر ماء..بح صوت نواف سائق الزورق وهو يهتف بكل قوته:

- أبو كاظم..جئناك بجندي احتياط.

ثم التفت إلى حسين:

- هيّ..انزل..أبو كاظم موجود..لعله يقضي حاجة.

عند ذلك وطئ حسين فوق طبقات البردي وبيده حقيبته الصغيرة، وعلى كتفه رشاشة الكلاشنكوف، غاص‘‘بسطاله’’ الثقيل في الماء، فاح في الجو عفن البردي، وتطايرت شتى الاتجاهات الجنادب البيض، وتقافزت عشرات الضفادع إلى الماء في سباق عبثي كبير، لكن ما أن خطا خطوة واحدة أخرى حتى أحس بالزورق يبتعد، راقبه وهو يختفي وراء غابات القصب، يتلاشى، زبد، مويجات انسياب الزورق وهو يحرث الماء في زاوية تكبر وتطاول في سطح أخضر فاتح لا نهاية له، وباختفاء الزورق خيَّمت الوحشة على الكون، ساد الهدوء، بدأت أضلاعه تتقلص، تنكمش، تعصر قلبه، روحه.

لم يبق سوى ذؤابات البردي والقصب، ماء، قصب، بردي في كل مكان، نباتات اسطوانية رشيقة تشرع نهاياتها الدقيقة كالحراب نحو السماء، تعبق الجو بغبار طلع أصفر زاهٍ يهبّ في سحب لا تني تعطر الجو.

بدا كل شيء غريباً عليه، الماء الراكد، البردي، القصب، زفرة السمك التي تفوح في كل مكان، مختلطة بعفن البردي يتآكل في المياه الراكدة، الهدوء الشامل الذي لا يخدشه سوى نقيق الضفادع وصفير الجنادب في لازمة موسيقية تبدأ ثم تنتهي لتفسح المجال لسكون يشعره بالموت، بغربة تحكم قبضتها على الروح..ثم فاجأه الصوت:

- أهلاً.

نعم..فاجأه الصوت، التفت، رأى أبا كاظم بعد بضع دقائق من ترجله من الزورق.

-أهلاً.

ظهر أبو كاظم أخيراً، ما سرّ تأخره؟ في الخامسة والأربعين، متوسط القامة، أسمر، يكاد الشيب يسيطر على الفودين، سروال عسكري تحت كرش صغير بنصف كرة قدم، فانيلة بيضاء، حافياً وعيناه تمسح شاربين كثين وفماً تفوح منه رائحة العرق، نظر حسين إليه باستصغار، تجاهل أبو كاظم النظرة، تصنع التجهم، هتف:

- لماذا لا تستعد يا نفر؟

ابتسم حسين ساخراً:

- أستعد لحسن الهندام أم للعرق؟

انفجر أبو كاظم يضحك:

- لكليهما..رتبتي أعلى، لكن ما عليك، تعال خذ كأساً، طيط على كل الرتب العسكرية والمدنية..

كان حسين أطول منه قليلاً، أنحف، أبيض البشرة، في الخامسة والعشرين تقريباً، عيناه سوداوان صافيتان قلقتان، وشارباه دقيقان.

- لا أشرب العرق.

- ومن أين نأتي لحضرتك بالبيرة في هذا الهور؟

- ومن طلب البيرة؟

حدق به بغضب:

- قل إنك لا تشرب شيئاً..كذّب عليّ..هي قل لي أنك نبي.

ضحك حسين، كان الكهل يتكلم بحميمية مفعمة بالسخرية.

- بل أشرب.

- حزرت.

ثم قهقه:

- هات كتابك..لم أرد أن يشم نواف رائحة فمي، لقد رأيت الزورق من مسافة كيلومتر..

- سائق الزورق؟

- نعم..إنه خبيث.

نظر في الكتاب، هز جذعه بحركة راقصة:

- أنت سميـيِّ إذاً..حسين فليح حضرتنا..أبو كاظم، وأنت أبو إيش؟

- لم أتزوج بعد.

- أيهم هذا؟ سأناديك أبا علي..

توقف لحظات ثم تصنع التجهم:

- تأخرت يومين..كان من المفروض يا أبا علي أن تلتحق يوم 11/4/85 واليوم 13/ 4 لماذا يا نفر؟

قال ذلك ثم طفق يضحك ويتراقص، فابتسم حسين بسخرية:

- كل الزوارق اختفت..يقولون شيئاً ما يحدث في الفاو..أنتظرنا يومين..

- من أين؟

- من الموصل.

- لا تمزح.

نظر في الكتاب مرة ثانية.

- حسين عمر ذنون..أيسمون عندكم حسين؟

- نعم.

- قل لي أأكلت ‘‘جري’’2؟

- نعم.

- ولا تشرب العرق؟

- لا.

- أتلعب بهذا؟

- أشار إلى وسطه بحركة داعرة، فالتمعت عينا حسين غضباً، جمع كفه متحفزاً للعراك.

- قلها مرة ثانية وأكسر أسنانك و..

انفجرت ضحكة أبي كاظم من جديد:

- لا تكن أحمق، فرّق بين المزاح والجد، تذكرني بابني، غضب عندما مازحه صديقي عبد الزهرة بن محسن مزاحاً ثقيلاً من هذا النوع، سحب عليه حربة ليقتله، جاءني راكضاً قال ابنك مجنون، تعجبني عزة النفس مع الخبال والجنون.

- أين هو الآن؟

- استشهد..أعطاك عمره قبل خمس سنوات، في العشرين يوماً الأولى من الحرب..كان قد أنهى خدمة الاحتياط قبل الحرب بأسبوع واحد فقط..حتى أني لم أره..

سرى صليل من الثلج في كلماته، غامت عيناه.

- رحمه الله..متأسف لأني ذكرتك به.

- لا عليك..الله أعطى والله أخذ، كان يحلم بالسفر، كان يريد أن يرى جبل هملايا!

تنهد، رفع كأسه: الحزن لا يفارق القلب إلا بهذا( أشار إلى العرق) لكن لماذا لا تشرب العرق؟ الوقت طويل، قاتل من دون شرب بهذا التيه..لا تكن ثقيلاً، مراً كالقنقينة! كيف ستقتل الوقت؟

- جلبت معي كتباً..

- أأنت معلم؟

- مهندس؟

- مهندس ويقرأ؟

- لماذا؟

- لا شيء..لكن هذا يعني أنني سأبقى وحيداً..كاظم ابني لا يمل من القراءة، مثلك لا يشرب، ربما يشرب البيرة أيضاً، لكن ليس أمامي، من وراء ظهري..أنا أشرب وهو يقرأ..يعني هو غير موجود، حتى عندما أسأله يجيب بكلمة أو كلمتين، خُلقت القراءة لتعزل الناس عن بعضهم، الحقير حمورابي اخترع المدارس وأفسد الناس..أليس كذلك؟

قال ذلك وسار أمامه في الصريفة الصغيرة، سريران، كرسيان، منضدة صغيرة كلها من جريد النخل، على السريرين كُلتَّان من ململ أجنبي خاص بأفراد القوات المسلحة، وقد ثبت على جدران الصريفة قصيبات ناتئات بدل المسامير، علق عليها أبو كاظم ملابسه العسكرية، وحذاءه من الأشرطة، ومنظاراً عسكرياً أسود، ورشاشة كلاشينكوف، وكيس مليء بالشواجير، وحقيبة صغيرة، وجهاز لاسلكي صغير حديث لا يزيد حجمه على سماعة التلفون، ودشداشة بيضاء، وبضع قطع ملابس داخلية، ومنشفة، وعلق على الحبل الذي يقسم الصريفة قسمين، شرشف محقق بالأحمر يحجب السريرين عن بقية الصريفة وعن أعين المارة من قربها، بينما بقي في باب الصريفة حب فيه ماء مثبت على حامل من جريد النخل أيضاً، مغطى بحصير دائري مجدول من الخوص، وإلى جانبه قنينة غاز متصلة بطباخ مكعب صغير أخضر، ينتظم حوله بضعة قدور صغيرة، نظيفة، ومقلاة وصحون وملاعق وبراد جاي وملحقاته، كانت الصريفة مفتوحة على محيط الهور، مياه لانهاية لها في جميع الجهات، تزدان بين مسافة وأخرى بتلة أرض متفاوتة في الكبر، تزدحم فوقها نباتات يسودها القصب الكثيف والبردي.

- ما مهمتنا في هذا التيه ‘‘ الهيماء’’؟

ضحك أبو كاظم:

- ألم يخبروك؟

- لا..

- مراقبة المتسللين.

قال ذلك ورفع الستارة، سار حسين وراءه بشكل عفوي، أحذ رشفة من كأس عرق تستقر على منضدة صغيرة من الخوص، ثم دفع بفمه حزي برتقالة:

- هيَّ..خذ مصّة..أو تمزز بحز برتقالة!

_أهم قريبون؟

- من؟

-الأعداء..الإيرانيون؟

وضع منشفة صغيرة على كتفه، مسح فمه وشاربيه بها:

-لا يفصلنا أي شيء عنهم..قريبون بعيدون.. تراهم ولا تراهم..كالقدر..كامتداد الماء هذا..

أشار إلى الشرق، ربع ساعة في الزورق الآلي وتصل سوسنكرد.

-أرأيت بعضهم؟

ضحك منكل قلبه:

- يا للنكتة! هه..هه.

- أقلت ما يضحك؟

      - لا..أنظر جيداً، يستحيل أن ترى متسللاً، أي متسلل، انظر إلى الماء، إنه يلتف حول اليابسة، أنت على الأرض لا تخترع الطرق، حتى في الصحراء الواسعة الهيماء تسير على طريق سار قبلك فيه شيء ما، إنسان، بغل، جمل، لا تستطيع أن تغير الطرق، الجميع يسيرون فيه، أما هنا في الماء فلكل هدف مليون مسار، وليس كما يقول ابني كاظم: كل الطرق تؤدي إلى روما، كيف نميز بين هوية الذي يمر من هنا؟ السكان على طرفي الحدود الوهمية من نفس الناس، القبيلة، العشيرة، نفس الملابس، نفس المشاحيف، كيف نعرف المتسلل؟ كلهم عائلة واحدة..أهل وأقرباء.

- إذن ما فائدتنا؟

- سلهم؟ سل أولاد القحبة الذين أرسلوك!..ربما حتى هم أنفسهم لا يعلمون..الله وحده يعلم..

- والمسؤولون؟

- أغبياء..وإلا ما ورطونا.

- أي عبث؟

-نعم..حتى وجودنا..عبث في عبث.

قال ذلك ثم عفط عفطة طويلة، اضطرت حسين كي يضحك، نظر إليه في ود:

- أنت أطرف إنسان رأيته في حياتي.

رفع أبو كاظم كأسه:

- نخب كلمة أطرف..أول مرة أسمعها..

عانق بكأسه أخرى خيالية.

- إذن مهمتنا أن نراقب ما لا يراقب!

- نعم..

- لم تخبرني عن العدو..أرأيت أحداً من أفراده؟

- لا عدو ولا بطيخ..ما عدا الضفادع والبعوض والصراصير والبرغش..نحن هنا لأننا محظوظون ومستفيدون!

ابتسم حسين: كيف؟ أتقصد أننا هنا لا نواجه قتالاً فعلياً، محظوظون! نعم..لكن أين الفائدة؟ الضباط الكبار وحدهم المستفيدون، يأخذون الألوف لإبعاد الأغنياء عن المعارك.

أخذ العريف رشفة أخرى من العرق، فاحتد حسين:

- لماذا لا تخرج العرق وراء الستارة وتشرب بحرية، على كيفك، من يراك هنا؟ تسجن نفسك وراء الستارة!

- لا أريد أن يعرف أي شخص إنني أشرب..إنها التقاليد.

- أيوجد أحد هنا؟

- الكثير.. سترى ذلك بنفسك.

جلس على كرسي الجريد قرب ستارة القماش لكي يكون قريباً من الكأس:

- أنظر..المواجهة في كل مكان..مادمت جندياً فأنت في خطر، هنا بين مدة وأخرى يقصفنا ‘‘ جماعتنا ’’ ويقصفنا العدو، ولكن على العموم الهور أهدأ من الأماكن الأخرى، وبخاصة منذ معركة سوسنكرد قبل ثلاث سنين، لكن فائدتنا مادية هنا.. أننا لا نصرف فلساً واحداً من رواتبنا.

- من أين نأكل؟ نعيش؟

 - ضيوف.  

-على من؟

-على أهل الهور..منذ أربع سنوات وحتى الآن طعامي يأتيني إلى هنا أو أنا مدعو.

ابتسم حسين:

-أربع سنوات ضيفاً؟ أين البشر؟

- لا تعجل..ستراهم..ثم ألا تلحظ أن المكان هنا جنة؟

ضحك حسين:

-جنة.‎؟ لا أرى سوى القصب والبردي والضفادع أينا المجنون؟

- الإنسان يعيش هنا دون جهد، في هذا المكان إذا رميتُ شبكة فسأصيد حاجتي من السمك وأبيع  الزايد، وعلى بعد ربع ساعة في أي اتجاه تجد غابة نخيل، تسلق النخلة واحو ما شئت، إن توقفت الحرب فإن تجار السمك سيأتون إلى هنا يشترون السمك والقيمر والحليب والجبن ويجلبون لك كل ما تحتاج وأنت جالس في مكانك، تأكل وتتمتع وتكدس الفلوس، الحياة هنا أفضل أم على مائدة بني إسرائيل؟ أليس الهور جنة؟

- والعرق؟

ضحك أبو كاظم:

- أتمون في الشهر مرة واحدة عندما أذهب أتسلم الراتب من وحدتي قرب قلعة صالح.

علا نقيق الضفادع مرة واحدة، أصاخ سمعه:

- أسمع صوتاً، شيء قادم..

أسرع أخذ رشفة عرق بسرعة، مسح فمه وشاربيه، قاطع حسين وهو ينظر في صفاح الماء اللامعة، يصيخ سمعه، يلتفت في جميع الاتجاهات:

- لا أرى..لا أسمع شيئاً.

- ستتعلم كيف تسمع في المستقبل.

-وهل السماع علم؟

-نعم.

أخذ أبو كاظم صابونة، قرفص قرب حافة الماء، أخذ يغسل وجهه، وفمه:

- عندما تألف المكان، ستندمج بالمحيط، ستسمع شكوى ورضا وحب الكائنات التي تشاركك الحياة هنا، أستطيع الآن تمييز صوت الضفدع إن كان مرَحاً أو حباً أو غضباً، حتى موسيقى الجنادب مليئة بالعواطف، بعض الأحيان أسمع إذا قربت أذني من سطح الهور، أسمع الأسماك تغني، حتى القصب، أنظر إلى غبار طلعه تراه يسرق من الحشائش ألوانها ومن الماء صفائه، حتى النباتات تغني وتسمع الأصوات وتطرب وتعرف من يحبها.

كان يمسح وجهه المجعد، ويتكلم، ثم بدأ بتمشيط شعره القصير حيث يختلط السواد بالبياض المندس بعشوائية، وبدا ‘‘مشحوف’’3  كنملة سوداء يشق الماء الأخضر كالسهم:

- انظر..امرأتان.

اختفى وراء الستارة، خذ المنظار وانظر، امرأة في الخمسين متشحة بالسواد، جالسة في صدر المشحوف،لم يضيع الوشم العمودي الذي يقسم الذقن قسمين بقايا جمال هادئ يبرز من خلال فوطة الابريسم السوداء التي لا تظهر سوى وجه مدور تحت العباءة، بينما كانت الأخرى التي لا تتجاوز العشرين واقفة تدفع المشحوف بالمردية، مضت بضع دقائق قبل أن يتوقف المشحوف، هتفت الكهلة:

- أين أنت يا أبا كاظم؟ دائماً وراء الستارة نائم!

ثم حدقت بحسين، رفعت رأساً منتصبة، وبابتسامة عفوية كبيرة انطبعت على كل ملامحها، وكأنها تعرفه من سنين:

- مرحبا..هلا وليدي..أنت جديد؟

- نعم.

أكملت وهي تبتسم، رفعت يديها نحو السماء:

- يحفظك الله وأبو عبد الله ويخليك.

فجأة بدا سطح الهور رفيقاً حميماً يعانقه، كانت على بعد ثلاثة أمتار منه، قبل ذلك كان واقعاً على حافة ‘‘ الجبشة’’ كان يثرثر مع أبي كاظم وهو متضايق من الحر، هم بنزع قميصه، لكن أصابعه تجمدت على الزر الأعلى، تسمرت نظرته على عيني الفتاة الصفراوين الواسعتين الصافيتين، كانتا أصفى من الهواء والماء، عميقتين حتى كاد أن يحصي خطوط البؤبؤ الصغيرة،  عينان ناريتان تحرقانه بحرارة لا تكفي كل مياه الدنيا لإطفاء جذوتها، طفر قلبه خارج جسده، أصبح طبلاً كبيراً يدق في أذنيه،كان بإمكانه أن يعد الدقات، أصبحت من القوة بحيث خشي أن تسمعها المرأتان، وكانت الفتاة تبتسم بعفوية طبيعية وكأنها تشاهد حيواناً شديد الندرة، ومن ثنايا الابتسامة فاحت رائحة تآلف حسي سماوي هائم  يلتصق بروحه، بجسده، كانت بشرتها بيضاء حليبية، وخداها جمرتين، وشفتاها بتلتي جورية حمراء، وفجأة أغرقته مغناطيسية لا تقاوم، أذابته دخاناً يحلق فوقها، يلامس وجنتيها، يقبل عينيها، يندس تحت ملابسها، وكان النسيم يلصق ثوبها البنفسجي ‘‘المسرم’’ بخيوط الفضة، يلصقه بجسدها النموذجي، على الرغم من كونه طويلاً حتى القدمين إلا أن النسيم جعله يجسد كل الصدر الناهد، البطن، الخصر، الساقين، وكانت تزنر خصرها الذي خمن أنه يستطيع أن يحيطه بكفيه بقطعة حرير أحمر، يتدلى طرفها حتى الركبة، وانسدل شعرها الكستنائي المائل للصفرة في ضفيرتين ضخمتين متهدلتين على الصدر نحو الساعدين حتى أسفل الثديين اللذين أحس بأن حلمتيهما تتمردان من تحت الثوب، وكانت رجلها اليمنى مثنية على خشبة مقدمة المشحوف العالية، بينما يلتصق الثوب بالفخذ الأخرى بتجسيد يظهر تناسقاً متميزاً وفريداً.

لحظت أم الفتاة وأبو كاظم ذهوله، كان يمسد قميصه العسكري بيمينه من دون شعور، ابتسمت الأم، وضح أبو كاظم:

- التحق اليوم.. 

- تعالا على الغداء..كليكما..

بدأت الفتاة تدفع المشحوف إلى الوراء، كي تتمكن من الرجوع وابتسامة وجهها العذبة لا تفارق تقاطيعها بينما ظل حسين في مكانه جامداً، كتمثال مصاب بلعنة الجمود.

هزه من كتفه:

- ما بالك؟

- أهي متزوجة؟

- لا..لماذا تسأل؟

-سأتزوجها.

انفجر أبو كاظم ضاحكاً:

- هكذا من أول نظرة.

- سترى.

عندما سقطت القنبلة الثانية، كان صوتها أقوى، وكانت خالية من العصف أيضاً، وفي نفس الاتجاه الأول، بالرغم من أنهما لم يستطيعا تحديد المكان أيضاً حتى بوساطة المنظار، لكنهما خمنا أنها أقرب من الأولى، جهة الجنوب، فجأة استعاد ذهنه مشهد الفتاة تبتسم، انفجر أبو كاظم بحنق، وعصبية:

- كل قنبلة بعشرين طن من السمك، القنبلة الضخمة مثل هذه تقتل عشرين طناً من أسماك لو قدر لها أن تعيش وتنمو..المجانين يقتتلون والأسماك البريئة تدفع الثمن، بعد ساعة ترى سطح الهور مليئاً بالأسماك الميتة، أليس حراماً أن تباد الأسماك بهذه الطريقة العابثة؟..لعب أطفال.

ظل حسين يحدق باتجاه القنبلة برهة، وحين لم يرَ شيئا أنزل المنظار، نظر إلى ساعته، الثالثة إلا خمس دقائق، كيف أحبها من اللقاء الأول؟ آنذاك كان قلبه قد غادره معها، جعلته يموت في مكانه، يضطرب، أرجعته إلى طفولته، دهمه الضعف، والخوف، بعد كل تلك المعاناة تأتي هذه القنابل لترعبه حتى من مجرد التفكير، اليوم عقد قرانه، ليبعد القلق، هذا أبو كاظم نفسه يردد وبإصرار منذ أن التقاه قبل أشهر وإلى السبت الماضي: لا تستطيع أن تتزوجها، لا تحاول، هنا كل فتاة منذورة لقريب، والغريب يمنعه الاختلاف، المذهب، التقاليد، الحياة، كم كنت على خطأ يا أبا كاظم! لحظتئذ كان يشعر بقلق مماثل كما يشعر به هذه اللحظة، بالضبط، متى نذهب إلى الغداء؟ في الثانية عشرة والنصف، بعد نصف ساعة، إذن سأحلق لحيتي، يقولون معدان! يعني لا شيء، أنظر سمو أخلاقهم! أربع سنوات كل يوم يرسلون من يدعوني أو يأتوني بالطعام، كيف سنذهب؟ عندنا مارسيدس في الكراج، وراء الصريفة، أصعبة قيادته؟ تتعلمها في ثوانٍ، معدودات، لكن لن تصبح بمهارة نسمة إلا بعد أشهر!

هتف: ياله من اسم جميل! أخذ يرقص، سأتزوجها، هي التي كنت أبحث عنها، آنذاك كان أبو كاظم يراقبه وهو يلمع حذاءه، يحلق وجهه، ينفض ملابسه، يزيل عنها التراب والبقع بكثير من الأناة، كان أبو كاظم يتعمد تأخيره، بدت الدقائق تمر ببطء يثير أعصابه، لم يفلح الكتاب في تهدئته، وفي خلال الطريق أحس بخلاف ما اعتراه من مشاعر في الضحى ساعة قدومه، أصبح كل شيء جميلاً، جديراً بالملاحظة، شديد الإمتاع، كان المشحوف يشق الماء بهدوء يمكنه من مراقبة العمق الذي يعج بحياة غريبة، أسماك صغيرة وكبيرة لا يمكن حصرها، منفردة وعلى شكل مجموعات، سلاحف مختلفة الحجوم، ثعابين ماء دقيقة سوداء بطول ثلاثين سنتمتراً وحتى متر، رقيقة كقلم الرصاص! أشنات متفاوتة الطول ينتهي بعضها بزنابق وورود بيض كبيرة، أعشاب مختلفة الطول، وأوراق ذوات تشكيلات لا حصر لها، لا حاجة للإنسان لبدلة غوص كي يرى الأعماق، الماء صافٍ بما فيه الكفاية ليكشف عن محتواه، لم يجدا الفتاة ولا أمها، بل وجدا كهلا في نهاية الخمسينات، ممتلئ القامة، ربعة، يشماغ أسود، عقال عريض، بشرة سمراء رحب بهما، أجلسها في صدر الديوان المستطيل الذي كان أشبه بغرفة طويلة مفتوحة من جانب واحد على الماء، علق في صدرها صورة قديمة لعبد الكريم قاسم بالأسود والأبيض يعلن فيها استرداد حقول النفط من الشركات في قانون رقم 80 لسنة 60 بملابسه العسكرية، كان الذباب قد ترك على زجاجها نقاط سود كثيرة بحيث لم يبد من الصورة واضحاً إلا عيناه وكفه مرفوعة إلى الأعلى وكأنه يقسم يميناً أمام الملأ، وإلى يمين الصورة بندقية قديمة بطول متر ونصف تقريباً، وحزام رصاص وخنجر فضي، وعلى بعد قليل باب لصريفة أخرى، ربما كانت للنوم أو لغرض ما، وعلى يسار المضيف ثلاث جواميس ضخمات ورابعة صغيرة لا يتجاوز ارتفاعها متراً واحداً، لم ينبت قرناها بعد، ملتصقه بأمها لا تكاد تفارقها، وكان شعر الجواميس أسود حالكاً شديد اللمعان وكأنه مطلي بالزيت، وفي أقصى اليسار تلٌ صغير مكون من أقراص الروث المجفف مرتبة بعضها فوق بعض بعناية، إلى جانب تنور كبير.

قدمت أم طالب الطعام وهي ترحب بهما وتدعو لهما، لكن نسمة لم تظهر فاكتأب لكنه عندما سمع صوتها اضطرب من جديد، قفز قلبه إلى الخارج مرة أخرى، أحس بالدماء تسخن صدغيه وجبهته وخديه، وخشي أن يلاحظ الآخرون ذلك فازداد اضطرابه، لم يرجعه إلى صوابه إلا لكزة من مرفق أبي كاظم، كُل ألا تسمع! تناول قليلاً من الماء ليبرد جوفه الملتهب الذي كان يحترق بجمر الرغبة، أيستطيع أن ينطق الكلمتين: أريد ابنتك! بعد هذا اللقاء وحينما أصبح كأبي كاظم واحداُ من المترددين الدائميين على المكان، كان يجمع شتات نفسه، يقرر أن ينطقها لكنه لا يستطيع، وبينما ظل أبو كاظم يعيد في سكره وصحوه نصائحه ونكاته التي لا يعرف لها من نهاية أحس بضعفه على اتخاذ القرار المناسب، لولا نسمة لفر من المكان حتى إلى جهنم، لكنها بنظراتها العميقات التي لا يمكن لأحد أن يفهمها سواه أصبح يعيش على أمل أن يفعل شيئاً صائباً، كانت تحدق بعينيه، بجرأة وبراءة تذوبه، في دعوتها نداء لا يمكن أن يلتبس، نداء للمعانقة للذوبان، ليتلاشى فيها وتتلاشى فيه، جزء من جسد يرنو لوحدة جزئه، جناح طائر يرنو لصنوه كي يطيران بنسيم الحب، يخترقان السحاب، ينصهران، يصبحان رماداً يذوب في مياه الهور اللامتناهية، ثم أشاحت بوجهها بعد مدة عنه، ربما يئست من تردده، أخذت تتجاهل وجوده، تسمر عينيها في الماء، تضاعف عذابه، لم يذق شيئاً خلال يومين، غلبه الضعف، دوار ووشيش يلفان رأسه، قبل الغداء رآها بالمنظار قادمة وحدها، لم يرد على نداءها، كان أبو كاظم في قلعة صالح، أنتهى العرق، ظل يلوب يوماً ونصف كمن شرب سماً بطيئاً، ما أن أطل الفجر حتى امتطى مشحوفه الصغير، توجه نحو القلعة، لأول مرة نادت: حسين..حسين، لم يرد، انسحبت، ندم لأنه أضاع الفرصة، تمدد، شعر بالمرض، يا لغبائه! كان يتوق للكلام معها، لكن الفرصة لم تحن قط، ثم استسخف الفكرة، لم المصارحة بالكلام! ألا تكفي النظرات؟ عادت بعد قليل مع أمها، فتح عينيه، وجدهما واقفتان على رأسه، أمها تجس جبهته: يا ويلي..محموم..تعال معنا..ترقرق الدمع في عينيها، أحس بسعادة لا توصف: أنا بخير، نهض وهو يضحك، هه، أنا واقف كالحصان، ضحكتا، زال الألم، أنتهى الصداع،  هتف بعد أن ذهبتا: أنا متأكد من حبها، وعندما جاء أبو كاظم وبدأ يشرب من جديد، صرخ به مردداً:

- أنا متأكد..

- من جنونك؟

-نعم.. غداً سأخطبها.

ظللت تردد هذه الاسطوانة المشروخة منذ رأيتها، ألم تتعب؟ سترى! متى؟ غداً! ليس الغد لناظره بعيد، قهقه: هكذا علمني ابني كاظم..

-عمي

نظر إليه أبو طالب:

- نعم.

- عندي طلب.

-مني؟

-نعم.

كان أبو طالب قد شمر ذراعيه ليأكل، توقف، ابتسم:

-حاجتك مقضية إن شاء الله.

-لكنك لا تعلم ما هي.

-مهما تكن..كل الآن.

سيطر على نفسه، حدق بعيني الرجل، بينما كان أبو كاظم يكاد ينفجر من الانفعال.

- أريد نسمة.

توقف الزمن لحظة، جمدت عينا الأب على وجه حسين، بينما غصّ أبو كاظم باللقمة التي وضعها للتو في فمه، كانت السمكة المشوية كبيرة محمصة جعلت لعابه يسيل، وضاعف الشرب المبكر من شدة جوعه، لكنه إن لم يكن هو الذي سقط تلك السقطة التي لا تغتفر في مجتمع الهور إلا أنه مسؤول عنها، فحسين تابع له، وكان عليه أن يمنعه من الإساءة وتجاوز الحدود، أحس بالعرق يبلل جسده، انسدت شهيته، تبخر العرق، بلع لقمته في صعوبة أحس معها أن حلقه جف، استعاد صفاء تفكيره، أخذ يعد العدة ليعتذر، أي كلمة أفضل؟ مغرور؟ نعم، سيقول لأبي طالب أن جنود الاحتياط مغرورون، لا يكترثون للتسلسل العسكري لأنهم يعتبرون أنفسهم جنسأً أثقف وأرقى حتى من الضباط بحكم الثقافة والدراسة، ولا يطيعونهم إلا على مضض وبالقوة، حدق بحسين وجده متمالكاً أعصابه، ينظر إلى أبي طالب بتركيز وكأنه ند له، ومن دون خوف أو خشية، من ترى نفسك؟ ما هذا الغرور؟ أكان يلعب معك الكرة أو النرد في القهوة؟ لكن اللحظة المتوترة أنتهت على عكس ما توقع أبو كاظم، لم تلح في ملامح المضيف الكهل أي علامة للغضب، بل حدثت معجزة حقيقية، انفجر أبو طالب يقهقه.

-أم طالب..تعالي..

كانت قد لفت ردنيها، بان ساعداها عاريين بيضاوين مليئين بالوشم، والتمعت على شفتيها بضع حبات من الرز، أشار إلى حسين:    هالجنيدي آني.

- شلون؟

- أقول لك هو أنا..فعل ما فعلت..أسمعت ما يريد؟

-لا

-جاء يطلب يد نسمة.

قهقهت:

-يستاهلها.

ثم غادرت وأبو طالب لا يزال يضحك، وحسين يبتسم، لم يدر ماذا يفعل، آنذاك أحس بالحرج، أهما يسخران منه أم موافقان؟

- أنا أيضاً خطبت أم طالب بنفسي ولم أجلب معي‘‘ جاهة’’ إلا بعد أن وافق أبوها.. غيرت الطريقة مثلك..كسرت الماشي.

توقف ثم نبر:

-كل يا ابني، يصير خير إن شاء الله، أمهلني حتى الغد.

تدخل أبو كاظم، توجه نحو حسين:

- ألا يجب أن تقول له: من أين أنت؟

ثم التفت إلى أبي طالب:

- إنه من الموصل.

 ابتسم هذا:

- لا يهم..كلا..سيفعل الله ما يريد.

غامت عينا حسين، خمن أنه لو كان موافقاً لقال: نعم، بينما كان أبو كاظم يخشى أن يرتكب حسين حماقة أخرى، قال بلهجة اعتذار:

- فاجأني..ظننته يمزح..

ابتسم أبو طالب:

-كلا ستبرد السمكة.

كالعاصفة اندفعت زوجته بقامتها الهيفاء، زوت ما بين حاجبيها:

- لماذا لا تجيبه الآن؟ قل له شرطك وانهِ الموضوع.

ابتسم حسين، لم يأكل لكن يده ظلت تنقر صينية الطعام بقلق، تساءل أبو طالب:

- حسناً وأمري لله..ما هو اليوم؟

-لماذا؟

-أجبني.

-السبت.

-حسناً..سأجعلك تعقد عليها الخميس القادم إن نفذّت شرطاً واحداً فقط.

تعلقت حياة حسين بشفتي أبي طالب.

- شرطي الوحيد هو أن تأخذها بعيداً عن هنا بعد العقد مباشرة.

خرس حسين، انعقد لسانه، تزاحمت الأفكار، ماذا يقصد؟ أين يهرب بها، حتى أبو كاظم فغر فاه، وضح أبو طالب:

- بعد الذي حدث قبل ثلاث سنوات، لم يبقَ لي سواها، كثيرون خطبوها لكنهم لم يحققوا هذا الشرط.

حدق حسين في الفضاء المترامي من المياه والقصب، ماذا حدث قبل ثلاث سنوات؟ لا بد أنه أمر فظيع، ليس من اللائق السؤال عنه الآن، قال مردداً:

- أنا جندي احتياط، أستطيع أن أفر وحدي، لكن أن أعرض زوجتي للخطر معي فذلك ما لا أفعله.

- لن تفر..ستذهب عند أخي في الأهواز، ستعمل مع أولاده..

توقف، لحظة ثم تساءل:

-لكن ما مهنتك.؟

-مهندس.

-مهندس جسور.؟ رأيتهم يبنون الجسور والطرق بين سوسنكرد والأهواز.

- لا..الكتروني..

حدقا به:

 - ما معنى إلكتروني.؟

 - كهربائي.

 - أيعني أنك تنصب أعمدة كهراء.؟

ابتسم حسين، كبت أبو كاظم ضحكة.

- نوع من العلم يختلف.

ابتسم أبو طالب بجدية:

- مهما كان فعملك هناك مضمون.

- كيف أدخل الحدود وأنا بنظرهم عدو؟

- سوسنكرد على بعد ربع ساعة..ومن هناك إلى الأهواز في ساعتين مع أولاد أخي، لا تفتيش ولا يحزنون، وخلال أسبوع يكون جوازك الإيراني في جيبك، وإن كان عندك شخص ما في أي بلد في العالم يساعدك فتستطيع أن تسافر وزوجتك إليه..فقط لا تبقوا هنا.

ابتهج حسين، هذه هي الجنة، أشرق الكون كل الكون:

- لا مانع عندي..لنعقد العقد غداً.

قهقه الرجلان:

- لا يصح العقد إلا يوم الخميس..وأبوك؟ ألا يأتي؟

- استشهد.

- في هذه الحرب؟

- لا..مع عبد الكريم قاسم.

قال ذلك وأشار إلى الصورة فوق رؤوسهم، فسهم المضيف لحظة وكأنه يستخرج شيئاً ما من تحت الأرض:

- رحمه الله.

مرت لحظة علا فيها نقيق الضفادع، أصبحت لازمة علنية وسرية ينفس الوقت لجوقة متناغمة تأملية وعميقة تنبئ عن تنفس كائن ضخم موحد لهذه الحياة في مياه من دون حدود.

تسائل أبو كاظم:

- ألن تخبر أهلك؟ إن قررت الذهاب أوصلك اليوم إلى قلعة صالح، عندي أصدقاء يدبرون لك إجازة ثلاثة أيام.

لم يصدق حسين السعادة التي انهمرت عليه، أحس بحب جارف لكل شيء، حب أزال العوائق والشكوك وهواجس الماضي والخوف، يؤلف بين كل القلوب، تساءل:

-والسياق؟

نظر أبو طالب في عينيه:

- لا نريد سوى السلامة ورحمة الله.

السلامة! كيف لخص هذا المعيدي الأمي الحياة بكلمة واحدة أصبحت الآن مستحيلة التحقيق للملايين؟ أي حكمة ووضوح تفكير يتمتع بها هذا الرجل البسيط.؟ حدق به، كان يأكل بشهية يخفي وراءها قلقاُ واضحاُ لم تستطع إخفاء نظراته الحادة، وقائع هذا اللقاء حفرت في الذاكرة، وستبقى إلى الأبد، لذلك فحينما سقطت القنبلة الثالثة في نفس الاتجاه خفق قلبه، كان صوتها أشد من سابقتيها، وكأنها على بعد عشرة أمتار ولكنها من دون عصف أيضاً، رفع المنظار، شاهد خيوط الدخان المنعقد، هتف بقلق:

- أبو كاظم..هذه ليست في الماء..أنا خائف.

جاء أبو كاظم تسبقه رائحة العرق:

- أعطني المنظار، السنة الدخان الأبيض المخلطة بالسواد ترى بالعين المجردة، لسانان أحدهما طويل رفيع أبيض، والثاني عريض تفرقه الرياح فيه سواد كثير، أما في المنظار فبدت هالة الدخان كبيرة كقمة تل صغير، وجفَ قلب حسين، بدأ قلبه يتمرد عليه، أتراها هناك؟ أين ستكون؟ لابد أنها متشوقة للقياه مثله تماماً.

- فال الله ولا فالك يا رجل..اليوم عقد قرانك.

- قلبي يحدثني..

لم يستطع أن يكمل، السلامة؟ أين هي السلامة يا عم؟ الموت في كل مكان، عيناها تقولان إنها أقوى من الموت، أ ستنتصر على الموت؟ لابد من ذلك..هي تعيش في أعماقه ولا يمكن أن تموت، ستموت إذا توقف قلبه عن النبض، ستعيش، متأكد، إنه الآن رغم بعده عنها ينظر إلى عينيها، عيني الطبيعة البكر الحانية، عيني الحب المتدفق من ملامح أمه وأخواته وهن يزغردن ما أن علمن بتصميمه على الزواج: إذهب سعيد وبعيد..المهم تخلص من جحيم العبث، من شباك الموت التي لا تنتهي، من المعدان! وليكن، امرأته سيعلمها القراءة والكتابة خلال شهور، سيعلمها الإنكليزية، العمر طويل، مادامت اختارته فهي ذكية، لم ير عينين أذكى أو أعمق من عينيها، بذر صفاء الهور نقاءه في عينيها اللتين كانتا مرافقتين له في طريق يزيد على ألفي كيلومتر، أبعدتاه عن إدراك مغزى التحشدات والاستعداد للهجوم، الدبابات، الراجمات، المدافع، الصواريخ، كل الآليات كانت تسد الطريق، تأخر أربع ساعات، تفكيره وتصميمه على الزواج جعله خارج الجيش، كان يمهد لقبول الهروب بعيداُ والعيش خارج المعمعة، ذلك التفكير هاجر قبله، فجأة وجد نفسه مع أبي كاظم، كأنه لم سافر، بل طوى الطريق كورقة بيضاء، جلب معه كل ما استطاع حمله، بذلة جديدة، حذاء جديد، قميص جديد، رباط جديد، ثلاث قطع من الذهب، كل ما وفرته له أمه من راتبه طيلة تجنيده، هدايا أخواته، جلس في الصبح ينتظر عصر هذا اليوم الخميس، أمطر أبا كاظم بالأسئلة عن عائلة نسمة، وكان هذا يشرب منذ أن استيقظ وغسل وجهه، حدثه عن الكارثة الحقيقية التي حلت بعائلة أبي طالب قبل ثلاث سنوات، على الرغم من أن الهجوم كان من جهة الأهواز إلا أن هذه المنطقة مشطت بقنابلنا، في كل  جبشة قنبلة أو أكثر، ثمانية عشر شخصاً، أولاده الثلاثة وزوجاتهم وأحفاده، كلهم ذهبوا بغمضة عين، كان ونسمة وأمها في قلعة صالح عندما حدث القصف، ولولا إيمانه القوي ورجاحة عقله لجن أو مات في سكتة قلبية، هو الذي صبر الآخرين، أتعرف أنك أشجع مني؟ كيف؟ كنت أريدها لابني كاظم! لكني خشيت من لسان زوجتي، معيدية، بنت هور، ما صدقت أنك ستفعلها، أنت بطل، ولشدت فرحه أحس بقلق لا يمكن تصوره، وهو يسمع صوت القنبلة الثالثة.

 سدت الطريق بين الكوت والعمارة السيارات الناقلة للجند والمدافع الضخمة، والدبابات وسيارات القيادة وحاملات الصواريخ، بدأت تقطر أمامه كدودة شريطية من لون الأرض ألم تؤخره أربع ساعات؟

-أتراه هجوماً جديدأً؟

- يبدو ذلك..أعطني المنظار!

اتجه أبو كاظم بنظره ناحية الدخان الذي أخذ يتبدد:

-لم يخبروني به..أولاد القحبة؟

أين سقطت القنبلة يا ترى؟ كانت الاستعدادات في بيت أبي طالب على أشدها منذ الصباح، هكذا خمن الاثنان، جاءهما صباحاً بالفطور شاب لم يرياه من قبل، صغير في الخامسة عشرة، قيمر ودبس وخبز، أخبرهما أن الملا  سيصل في الرابعة والنصف، وسيصل العشرات من عشيرتهم مع عائلاتهم ومن العشائر الأخرى، وأخذ يعدد ماذا أرسل هؤلاء وأولئك، من الهدايا، رز العنبر، والسمن والسكر، وكيف نزل شيخ عشيرة ليشتري الخرفان من قلعة صالح وو..

وبعد الظهيرة شاهد شاباً آخر لم يره أيضاُ كان في العشرينات، طويلاً نحيفاً إلى درجة جعل أبو كاظم يمزح معه، أنت لا تحتاج مردي لتدفع المشحوف! لم يفهم، كان يضع عل رأسه كوفية بيضاء مبللة بالعرق من الحافة ومن دون عقال، أكلا ذلك اليوم لأول مرة اللحم بدل السمك، وبذهابه هجم الفراغ عليه، كأن الوقت جمراُ لم يكن لديه ما يفعله سوى التحديق في المنظار ناحية البيت الذي سيتوجه إليه عصراُ، والذي لا يمكن أن يرى من هنا، ثلاثة أميال من القصب والبردي وممرات مياه تفصله، أسترتدي البذلة والرباط والحذاء؟ نعم، هنا في داخل الهور؟ نعم. يالك من مجنون! ألم تسمع لكل عاقل لحظات جنون؟ أما أنت فستكون في هذا الزواج المجنون الأكبر، أنت تغار.

أخذ يحصي عدد الطيور ثم الضفادع ثم..حينما بدأت القنابل تتساقط، تتفحر، تفجر معها القلق والهم.

لو كان هناك هجوم جديد لأخبروني، أليس موضعنا أهم موضع متقدم في هذه المنطقة؟ أم تراهم..قطعت القنبلة الرابعة كلامه، هتف:

- في نفس المكان السابق.

هات، خطف حسين المنظار منه، بدأ قلبي ينزف، لم أعد أستطيع التحمل، قال ذلك وأخذ يتخلص من ملابسه بسرعة ولهفة ووجهه يشحب،لم يدرك أبو كاظم مقصده إلا حينما رآه يرمي نفسه في الماء وأخذ يعوم باتجاه القنبلة، هتف أبو كاظم: يا مجنون، عندنا مشحوف، أنسيت؟ تعال ارتد ملابسك. لكن حسين لم يسمعه، دلف إلى الداخل، بهدوء، غيب ما تبقى من كأس العرق في جوفه، جمع ملابس حيين ووضع منشفة معها في المشحوف الذي بدأ يشق الماء ناحية حسين، توقف فربه، ثبت المردية بالأرض، اركب، لن تصل سباحة إلا بعد ثلاث ساعات، أخذ يجفف رأسه وهو يرتجف، ثم ارتدى ملابسه، سرى الخوف إلى أبي كاظم، ظلا صامتين طيلة الطريق، يخافان أن يبوحا بما يشعران، توالى سقوط القنابل واحدة إثر الأخرى بعبثية وعشوائية، وبدأت تظهر الأسماك والضفادع والسلاحف النافقة، تطفو وبطونها إلى الأعلى، يزداد عددها كلما كان المشحوف يقترب من البيت، وإذ بات هذا في مرمى البصر أصبحت الأسماك من الكثرة بحيث نكاد تلتصق الواحدة بالأخرى في جميع الجهات، هتف حسين وهو يقترب من الموقع:

- لكن أين البيت؟

لم يكن هناك شيء لا صريفة، لا حيطان، لا جواميس، لا بشر، أرض محروقة محروثة بالقنابل، مغطاة بالوحول، بالقصب، بالبردي، ماعدا ذلك كان كل شيء يطفو على سطح الماء الهادئ، وبدائرة تمتد نحو عشرة أمتار تحيط الجزيرة الصغيرة التي كان عليها قبل لحظات بيت يعج بالحياة بقايا حصران كانت من قبل جدراناُ، لا تتجاوز القطعة متراً مربعاً، تطفو إلى جانب إبريق ماء من النايلون أحمر اللون، طستان كبيران، بضعة قدور، زورقان كبيران مقلوبان على ظهريهما، أقراص السماد الحيواني المجفف، دلال القهوة، قنينة ربما تحوي قليلا من الزيت تصعد وتنزل مع الموج، فردة نعال أزرق، كل شيء يطفو، كل شيء نافق، ميت، هتف حسين وصوته يتهدج:

- أأنت متأكد أن هذا هو بيتهم؟

- نعم.

    - لكن أين جثثهم، جثث الناس، قالوا عندهم ضيوف، أين البشر؟ أين الجاموس؟

هتف أبو كاظم، وعياه تسيلان بالدموع:

-لنرجع..أخشى من قنبلة أخرى..ماداموا قصفوا المكان فسيعاودون قصفه..لم يخبروني بموعد القصف، كنت في الأقل نبهت الأهالي، يا لهم من أولاد قحبة، لنهرب بجلدنا قبل أن تأتي قنبلة أخرى.

-إرجع إن أردت..سأبقى هنا.

- يا مجنون..ماذا تريد أن تفعل؟

كان المشحوف قد وصل إلى ما كان بيتاً، قفز حسين إلى الأرض، أغرقته بضبابها، غيمة مشبعة برائحة البارود المحروق ممزوجة بأخرى صادمة حامزة حريفة مغثية، أحس بمعدته تكاد تقذف ما فيها، ابتعد، كاد يسقط في حفرة قنبلة قطرها أكثر من أربعة أمتار، وعمقها أكثر من مترين، وإلى الشرق منها حفرة أخرى فثالثة فرابعة، حول الحفرة مازال ساخناً يتصاعد منه دخان وضباب كثيفان، مشبعان برائحة البارود المحروق، كانت قدماه تغوصان بالوحول التي غطت الأرض، وبشكل لا يمكن تصوره، كان يسير ويسيطر عليه شعور أنه سيرى نسمة، أما أبو كاظم فكان ينتظره على ظهر المشحوف والخوف يقتله، قنبلة طائشة تسقط في نفس المكان  أمر محتمل مئة بالمئة، كان يقف شاحباُ يبكي بصوت مرتفع، يهتف: لا فائدة من البحث، ثم صمت، لم يكمل، أراد أن يقول له إن قنبلة بهذا الحجم تصهر كل الموجودات حتى المعادن في دائرة قطرها عشرة أمتار، تبخرهم، تجعلهم ريحاً سموماً قاتلة، كان يريد أن يفهمه أن قنبلة واحدة كهذه أكبر أفظع من جهنم فكيف بخمس قنابل سقطن في نفس المكان؟ لكن كيف يفهمه وهو قد أصبح كالمخبول يصيح وهو يتعثر في حطام البيت: نسمة..نسمة..نسمة..يركض من مكان إلى مكان في ما كان قبل بضع دقائق بيتاً..يركض كالمذبوح..ثم لاحظه يقفز في الماء،يصرخ: وجدتها..وجدت نسمة.أبو كاظم..وجدت نسمة.

دفع أبو كاظم المشحوف بقوة، دار حول الجزيرة مخترقاُ الأجساد الميتة للأسماك والضفادع والجنادب والسلاحف، وما تبقى من هشيم البيت يبحث عن حسين، وجده يرفع جديلة كستنائية تميل إلى الاصفرار، لا يزيد طولها على نصف قدم، يقطر الماء منها، وهو بملابسه وسط الماء، فاغراً فاه، وقد تجمدت الكلمات وماتت المعاني في عينيه.

1- الصريفة كوخ من قصب.

2- الجري: سمك الحنكليس.

         3- زورق خفيف.

4- الجبشة: أرض صناعية من القصب والبردي يبني عليها سكان الهور صرائفهم.

1986

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )