العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 فصل من رواية جديدة للكاتب العراقي برهان الخطيب: عودة صلاح الدين

 

2004/01/23

تخطيط للفنان خالد خضير الصالحي

المفاجأة لم تكن في وصول صلاح الدين إلي البيت، زوج رجاء الأخت الكبيرة، إذ سبقته نداءات منها قبل أسبوع تؤكد قرب طيرانه من مدينته ليتل روك في أمريكا إلي عمان، ومنها إليهم بالسيارة. ظلت النداءات تنهمر من سماء رجاء حتي بعد إقلاع طائرته توصي أمها وأختها بإعداد مكان مناسب لإقامة زوجها وراحته. ولتكرر النداءات والاستفسارات عن وضع البيت وأخباره وهدوئه مزحت أمل مع أختها أخيرا لا عليك به، نضعه في عيوننا ونغطيه بأجفاننا، أو نعطيه الغرفة جوار غرفة شقيقك خالد في البيت الجديد ونسجلها باسمه طابو، حكم ذاتي، يطلع ويرجع متي شاء. حادت رجاء أخيرا عن موضوع زوجها إلي أخيها، خالد إذن وصل محطة أحلامه الأخيرة، كيف حاله، ماذا ينوي؟ لم تسرد أمل كل الأخبار عليها كي لا تعكر مزاجها، اكتفت بقول يبدو عليه يتأقلم معنا رغم الصعوبات، كل شيء علي ما يرام مع الصبر، لماذا لم تفكري أنت أيضا في المجيء إلينا طالما ركب صلاح الدين حصانه، مر حوالي ربع قرن ولم نرك. رجاء أيضا حاولت التسرية عن أختها، بل قولي ربع ساعة مر علي غيابي عنكم، لا أدري ما جري للزمن، منذ سجنوه في الساعات والكومبيوترات أصبح تافها، ما عدت أقيس مروره بها إنما بمروري عليه، من انتقالي في العباءة من الحلة إلي السفور في بغداد، إلي السفر منها بالميني جيب مع صلاح الدين، فالتنورة الماكسي في أمريكا، إلي العودة وربطة الرأس المنتظرة، إلي ما سيأتي غدا، عمر مر في أربع أو خمس صور، شفتِ، حاليا لا موجب للمغامرة بالمجيء، الصورة الأخيرة تحترق أحيانا، وبناتي هنا يحتجن رعاية، قلت ليسافر صلاح الدين إليكم أولاً وينفذ مشروعه الخاص لجامعتنا عن الزلازل في كردستان. تقصدين شمالنا وإيران وتركيا وفوق؟ قاطعتها أمل. الشمال معلوم تعرفين، ثم يحين دوري بعد عودته منكم للتفكير في مجيئي إليكم، علي أحدنا البقاء في البيت هنا، لا نريد تركه تحت تصرف البنات وجعله طينة في غيابنا..
تناسي خالد وأمه مع اقتراب مجيء صلاح الدين خصامهما، دفنا غيظهما تجاه بعضهما بعضا في قرارة نفسيهما، جلسا وبقية الأهل عصرا في الحديقة كأن حربا لم تشتعل بينهما، تماما كما جلسوا أيام المحبة الغامرة الغائبة الآن، حين كان الوالد سالم حيا يناقشون أي فيلم يذهبون إليه مساءً لمشاهدته. الآن راحوا يناقشون إقامة صلاح الدين، هل الأفضل القيام بترميم سريع لبيت الأشباح هذا علي اليسار وجعله لصلاح الدين مكانه بينهم، فيه إقامته ومطبخه وثلاجته ومكيفته، لضمان شعوره بالراحة طالما أصبح واحدا من الأهل، له من الحقوق ما لأي منهم، أو يتخلوا عن الكلفة معه، يدعوه يسكن غرفة حامد المجاورة لغرفة خالد في البيت الجديد وينتقل حامد إلي أخري. علي أي حال اتفقوا ان البيت في حاجة لترميم، لتغيير، عليهم التحرك والبدء في العمل. ومن لحظة إحساسهم سيكون صلاح الدين بينهم بات مشروع إعادة ترميم البيت، بل هدمه حتي الأساس وإعادة بنائه، يدخل تفكير الجميع، يملؤهم معظم الوقت، انشغلوا معا وكلا علي انفراد بتصوراتهم عن تصميم البيت الجديد، بكلفة البناء، بمصادر التمويل، ومدي الاستفادة من الطابوق القديم، مستعيدين متعة إحساسهم بحيوية من جديد، شاعرين لا يوجد أقوي من البناء يثير الخيال والحماس والأمل، جسوا جيوب بعضهم البعض بالتلميح والتصريح والتقدير، خفية، علنا، كم يستطيع هذا وذاك تقديم العون لعملية البناء. الأم تخفي في مكان ما ستة آلاف دولار. أمل تبرعت أيضا بمبلغ مماثل. خالد وحامد أعطيا كلمة بإنزال مخزونهم الاستراتيجي في هذا المشروع. مرجحة أيضا مساهمة رجاء بقسط وافر من وراء البحار. هكذا يجعلون البناء الجديد كافيا شقة لكل منهم وجوارها شقة أيضا لكل يؤجرها أو يشغلها حسب الحاجة، للاستخدام عند الزيارة، للزواج، أو للإنجاب، أي تهيئة البيت باختصار ليكون علي قول الفاهمين في الأشهر الأخيرة استثمارا أيضا مساعدا علي ضمان عيشة وسطي مستقرة. غدت إعادة البناء هاجسهم الأول والأخير، قرّبت تفكيرهم وعواطفهم، سلموا، البناء أهم الآن من الزواج والخلف، عادت ذواتهم الفردية من تجاوز الصغر ونضجها في الكبر إلي الالتحام من جديد في ذات أكبر، كبروا معها دون وعي، سوية وعلي انفراد، ذات منتمية إلي الأمل والنظام والحيوية. ضمرت الخلافات إذن بين خالد وأمه، وطمراها حين طفت علي سطح نفوسهم تحت هموم الحياة اليومية، ركناها بعيدا عن وعي بمصلحة مشتركة تجمعهم، فلا هو رغب في التخلي عن بيت أبيه الذي ساهم في إنشائه والانتقال إلي بيت مادلين حاليا، ولا أمه نفذت تهديدها كل ما اختلفوا بالانتقال إلي بيت أبيها في المسيب. توصلوا أخيرا بحسابات بسيطة، دعمتها دراسة أولية تخمينية من مكتب استشاري هندسي خاطر بفتح محله علي شارع السعدون زاره خالد وحامد، إلي أن في مقدورهم بالمال معهم الشروع بهدم بيت الأشباح بداية، وعند إنجاز جزء من البنيان الحديث مكانه، ينتقلون إليه، ثم يهدمون ويقيمون الجزء الآخر المكمل، إنما يجب الانتظار قبل كل شيء حتي ينتهي صلاح الدين من مهمته الزلزالية، عسي يطلقون سراح نوفل أيضا خلال الوقت، بعد هذا يبدأون تنفيذ المشروع مشحونين بالطاقة اللازمة لهم للهدم والبناء.
لم يكن خالد التقي أو عرف صلاح الدين سابقا، لكنه سمع كلاما طيبا عنه من أخته حين التقي معها في بيروت، قبل أكثر من عقدين تقريبا، كانا وقتها في مرحلة الخطبة، صافحه أخيرا بعد نقل أغراضه من السيارة التي حملته من عمان إلي البيت مباشرة، شعر من ابتسامته الدائمة ولطفه ولكنته المحببة إن هذا الشخص يخفي الكثير من الهموم أيضا وراء دماثته. مَن من العراقيين لم يمتلئ بالهم والغم في الثلاثين سنة الأخيرة يا خالد غير مَن أجاد الهرب والتهرب من مشاكلنا، قالت أمل برمة من أخيها ولطفه الدائم معه، قراءاتك وعملك الأدبي جعلاك تري الناس جميعا ملائكة، هم في الأقل نصف شيطان ونصف ملاك، جاء من أمريكا إلي هنا وهو يعرف حالنا الصعب وليس معه هدايا غير حقيبة مليئة بملابسهم المستعملة التي يريدون الاستغناء عنها، حتي بهذا، طريقته في التهرب من الإحساس بالعيب مضبوطة تماما، يلقيه علي شقيقتنا هناك. هي التي نضدت هذه الملابس وهي التي أرسلتها معي رغم احتجاجي، قلت لها لا يجوز يا رجاء إرسال هذه الملابس معي إليهم، لكنها أصرت هم أهلي ليسوا غرباء ويفهمون وأنا لا اخدعهم قل لهم نعم هذه ملابسنا المستعملة لا نرغب في إعطائها لغريب، كلفتنا غاليا ولا عيب أن يلبس القريب ملابس القريب، هم يفهمون هذا ولن يتأثروا منا، لا عليك هذا بيني وبينهم فقط، انقلها معك والباقي علي، سأجعلهم يفهمون لو شعرت إحراجا بينهم من هذا، هذا ما قالته وربي. ديباجة محترمة تليق بواحد يجيد اللغة أكثر مما يعاني منها، أختنا وأعرفها، عاشت سنين في الغرب ولم تتغير قطرة، وضعوا الذيل في القصبة أربعين يوما وظل أعوج بعدها، كيف تتغير وهي تحت زوجها ليل نهار، استوحت فكرة الحقيبة من زوجها الذي يتبختر حاملا حقيبته الصغيرة، أنا متأكدة من هذا، ثم تبنتها وناقشتها معه كأنها هي صاحبة الفكرة، هكذا ترضيه وترضي نفسها، تشعر مدينة له لتجاوزها عليه بالعمر وبالتجاوز علي نفسها وأهلها تحاول التعويض، نوفل علي العكس تماما، ما كان يرضي يوما الأكل من طبق لذيذ دون مشاركة أمي أو حامد حين كان يعيش معنا، من جيبه وعرقه دفع الكثير لإكمال بناء البيت حينه، الآن حان وقت ترميمه لنر ماذا سيفعله نسيبك اللطيف جدا صلاح الدين وماذا سيفعله نوفل حين يخرج قريبا إنشاء الله. لو صح كلامك يا أمل نوفل أيضا يجب أن يشعر مدينا لك، لكبره عليك، النتيجة نحن جميعا ندفع ديوننا للحياة حين نخطو إلي الأمام عبر وسطاء نراهم أو لا نراهم ، إنس مشاكلك القديمة مع أختك، كبرنا، لا يحسن التصرف في الكبر كما في الصغر. ولم يعبأ خالد بما زادت أخته عن أخته الغائبة رجاء، كان يعرف الاتهامات المتبادلة بينهما وصلت حد هذه تقول تلك غدت شيوعية منذ تزوجت الكردي، وتلك تقول هذه غدت بعثية وقومية منذ تزوجت العسكري. خلص، يجب نسيان ذلك الجزء من الماضي الذي يعيق عيشنا المشترك وتذكر الجزء الذي يقربنا من جديد، أنهي منزعجا. ردت أمل خافضة صوتها خشية إزعاجه أكثر، عش يا حمار حتي يجيئك ربيع..
تلفونات أختها ظلت تتوالي عند توفر الاتصال من ليتل روك، تسأل ماذا أكل زوجها، كيف نام، وهل تبشر علاقته الوليدة مع شقيقيها بصداقة بينهم، هذا مهم لها ولمد جسور قالت بين أهلينا في بغداد وكردستان في المستقبل. ظلت أمل تنقل، حين تكون مَن يرفع السماعة، ما يجري علي الجانب المضيء من البيت، متناسية حسب وصية أخيها الكبير قضية الحقيبة وحاجتهم إلي الدعم منها. لكنها لمحت لها مرة ضاحكة في مرارة، يائسة من إطلاق سراح زوجها نوفل قريبا، بأن بناء أساس جيد للجسر الذي تريده شقيقتها بين بغداد والشمال يحتاج مصاريف عالية، بعلو وطول الجسر، فمن أين لهم ونوفل مغيب، المزرعة لا تدر الكثير، تقاعد خالد محدود، دعي عنك راتب حامد الذي يريده لزواجه. فكرت رجاء وقتها علي الطرف الآخر من الخط ثم تساءلت لماذا لا تفاتحون صلاح الدين بالموضوع وتسمعون رأيه، تعرفين ميزانيتنا واحدة، وهو حريص علي مساعدة أهله في السليمانية، لا أستطيع فرض رأيي عليه، قيادة بيتنا في يده. رجتها أمل أن تنسي الموضوع ولا تطرقه خاصة مع خالد لو رد علي التلفون. سوف أفكر في الموضوع، أنتم تريدون ترميم أو إعادة بناء البيت فهمت من حامد في المرة السابقة، ردت رجاء. فسألتها أختها لماذا تكلم حامد معك في هذا؟ يبدو إنه موضوع شديد الحساسية عندكم، تكلم ببساطة، قال نحتاج مساهمتك في المشروع، وكان ردي ما ذكرته لك الآن، ليشرك صلاح الدين، هو طرف فيه، نحن عائلة، لا أستطيع بمفردي فرض شيء عليه.
حامد لم يعد مهتما بطرح المشروع علي صلاح الدين أو غيره، حالة البيت الحالية تناسبه، أي حال يناسبه، يكفيه من البيت السقف واللقمة، عليه أن يتزوج أخيرا ويستقر، ثم يفكر بالتالي. أمل أيضا أزاحت الموضوع عن بالها منذ حديثها مع رجاء، تتركه، قالت لشقيقها خالد، كأي شيء آخر حتي الإفراج عن زوجها. إنما ظلت غاضبة من رد أختها، كان عليها أن توعدها في الأقل بمساهمة أكيدة من جانبها في مشروع إعادة البناء، ثلاثة أو أربعة آلاف دولار ليس كثيرا علي مدرس الجامعة في أمريكا الغنية، وإلاّ هل تبدأ أمل وشقيقاها بالتنفيذ والصرف من جيوبهم ويبقي لرجاء التي لا تصرف فلسا واحدا نفس الحق الذي لهم فيه بعد صرفهم المعلوم والمجهول عليه، ليس في هذا عدل، البيت مسجل باسم الوالد وتستطيع رجاء المطالبة بحصتها فيه دون اعتبار مَن وكم أنفق عليه. عن كل هذا لا تستطيع أمل الكلام طبعا أمام صلاح الدين، ليس بسبب العيب فقط والحرج والحقيبة، بل لوضع خالد فيتو علي الموضوع حاليا، برأيه وصل الموضوع صلاح الدين حتي الآن عن طريق شقيقته الكبري حتما وعليه أن يدلي بدلوه فيه طوعا ومن نفسه، إذا كان فردا من العائلة حقا، أما إذا كان يعتبر نفسه غريبا عنهم فله حق لا يتكلم فيه وليس عليهم مطالبته ووراءه الشقيقة بالمساهمة، نري ما تفعل رجاء ثم نقرر، أوجز.
صلاح الدين بدا متعجلا تلك الأيام التي قضاها في بيت أهل زوجته، كان يريد أن يفعل الكثير في وقت قصير، يقضي معهم وقتا طيبا منذ المساء في الحديقة، يلتقي أصدقاءه ومعارفه ضحي وعصرا في بغداد، ويهيئ مع بعضهم لمواصلة السفر إلي جامعتين في كردستان الشمال. كان يعرف كيف يتصرف، يتخلي عن ابتسامته المزمنة حال يخرج من البيت، وكذلك عن الرباط والبدلة الفرنجية، يستبدلها بتقطيب رهيب ودشداشة مغربية بل وعززها كمن يدك خندقا بوضع كوفية حول رقبته. استخدم التاكسيات رفقة أحد أقاربه البعيدين من الكارهين للكلام، محبا في آن للنظر في عيون الآخرين كأنه يقرأ في فنجان، لمعرفة المخزون من الذكريات وربما توقعات المستقبل المحزون، حسب الصورة في عينيه اللامعتين كعيني بزون، هكذا مزح حامد مع أخيه في وصفه مقلدا إياه، خالد انتهره علي هذا المزاح، ما كف حامد، بيتنا بيت شِعر ما بيت شَعر وبَعر. الحق، ظهر الضيف الصموت مع صلاح الدين واختفي وقبل الماء والشاي أحيانا من يدهم دون أن يسمعوا صوته أو يعرفوا اسمه، جاء البدي غارد أضاف حامد مفخما حين ظهر ذلك القريب من سيارة التاكسي أمام البوابة ضحي أو عصرا لاصطحاب صلاح الدين، لم يكن في هذا غرابة في خرابة كلها حيطة وخوف، ولا حين نظر صلاح الدين صباح أحد الأيام إلي واجهة بيت الأشباح وهو يتمشي في الحديقة مع حامد وتوقف وقال مؤكدا برأسه، فعلا البيت يحتاج لتصليح بل لإعادة بناء، استبشر حامد، إشارة رجاء وصلته إذن، أبطأ قليلا من إشارة الأرض إلي المريخ لكن لا بأس وصلت أخيرا، فكيف سيكون رد المركبة المعقدة هذه أمامه، سوف يري، لم يشأ حامد حثه علي الرد، كان يتهيأ كعادته لتلقف القنبلة التي ستلقي من وراء سور البيت عليهم، ليعيدها لو نجح علي رأس ملقيها من الطريق، أو يرميها بسهو متعمد نحو بشير الجالس هناك في فراشه يقرأ جريدة يلاعب مسبحته أو شيئا آخر بين ساقيه، وينبطح أرضا في الحال متخلصا من الاثنين ببطاقة واحدة، لعلها تساهم أيضا في مشروعهم للأعمار، بهدم ما تيسر لها من بيت الأشباح بالانفجار، لم يشأ حامد تخويف صلاح الدين بالكلام في هذا، بل نسي تماما ما كان صلاح الدين يتكلم عنه قبل قليل، سأله قل لي حامد ماذا قررتم بخصوص الاعمار، دهش حامد، عدل مسدسه علي كفله، سأله ما شأننا نحن باعمار المريخ، كان صلاح الدين مبتسما منذ البداية، لم يستطع إيصال زاويتي شفتيه حتي أذنيه علي عادة الأصدقاء الأمريكان رغم محاولته الجادة، اعمار بيتكم قصدت. هاااااا، جرها حامد متذكرا الأغنية القديمة، احترقنا واشتعل سلف السلف، لا قلبك ينكسر ولا جفنك يرف، أسعار المواد الإنشائية قفزت أربعة أضعاف خلال أسبوعين يا دكتور، كل شيء الآن مؤجل. بعد تفكير وهو مبتسم ينظر إلي بيت الأشباح أمامه عبر الأشجار قال صلاح الدين، أمامي نفس المشكلة في السليمانية إذن، أريد أبني بيتا جديدا هناك، تكلمت مع رجاء، هي لا تمانع، تتنازل عن حصتها في هذا البيت، لو دفعتم لها الثمن، أضيفه علي ما عندنا ونبني هناك قصرا، يمكنكم أنتم أيضا بعد البناء زيارتنا، الصيف أحسن من الشتاء. كيف ندفع عن حصتها وأمامنا إعادة بناء هذا البيت والظروف صعبة؟ قلتَ كل شيء عندكم مؤجل الآن، وأسعار مواد الإنشاء ارتفعت، إذن لو هدمت بيت الأشباح هذا بعت طابوقه بسعر جيد، تدفع لنا حصة رجاء وتهيئ المساحة في نفس الوقت للبناء الجديد. فكرة عبقرية هذه، كيف لم تمر في بالنا قبل الآن، هذه هي المفاجأة الحقيقية، قال حامد، ونادي علي بشير، تعال، عندي كلام مصيري معك. قام بشير متثاقلا وجاء إليهم يحك لحيته، يسبّح في هدوء، شرح حامد له فكرة صلاح الدين بمنتهي الرصانة، أضاف، هكذا لا تجد لك مكانا تلفي فيه بعد الهدم، هيا ابدأه منذ الآن، سوف أساعدك، هكذا نتخلص منك ومن ضائقة وربما من مشاكلنا كلها. بشير لا يحب المزاح، يصدق كل ما يسمعه دون نقاش، صاح كابحا غيظه، كركوك خوي ما كركوك صرنا، لا أطلع من هذا البيت والله حتي يطلق سراح عمي اللواء، بني منه هذا الجزء شفت بعيني ولي حق فيه مثل ما لكم، فاحفظوا لسانكم قبل ما احفظه لكم ! تهيب حامد من معركة جديدة قد تنشب، عدل مسدسه علي كفله، سد حلقك طرطور، دكتور أمامك أخــــونا صلاح الدين هذا، ما فلس أو فلسين. مَن يَحترم يُحتـــرم، أوجز بشير وعاد إلي مكانه. ودعه صلاح الدين مبتسما وفي عينيه نفـــــور نحوه، تحمل مسدسا شخصيا مجازا، لديكـم رشاش، تشتغل شرطيا، ولا تستطيع إجباره علي ترك بيتكم، كيف تريد فرض النظام إذن علي بغداد لا افهم ! سارا في اتجاه آخر، خفض حامد أيضا صوته، ينفعنا حاليا لحراسة البيت، دع عنك لا جدوي من السلاح بين الأهل، مشكلته مؤقتة، خالد يقول دعه في حاله مع التلفزيون يعرف وضعه ويساهم في حل المشكلة. أخوك خالد يريد ترك الأنهار تسير من غير سدود، وقت نحتاجها لتنظيم المياه، من غيرها تفيض ويخسر الجميع. قلتَ له هذا؟ قال دعها للمهندسين.
ورفع صلاح الدين رأسه إلي هامة النخلة العالية وتنهد متحسرا، ما أجملها، لا يمكن نقلها معي إلي السليمانية..
ولماذا نقل هذه الطويلة، نطلب من بشير يعد لك فسائل صغيرة منها يسهل عليك نقلها حتي إلي الواق واق.
النخل لا ينمو في السليمانية للأسف.
لا تأسف، انتظرنا ثلاثين عاما حتي حصلنا علي رطب منها، وثلاثين عاما تقريبا بموازاتها حتي نلتقي معك، منذ الآن تجد تمرها الحلو إذن في انتظارك كلما نزلت في بيتك هذا..
0

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )