|
فؤاد ميرزا
النافذة
لم يقطن أعدائي حول بيتي ولم يفكروا بالسكن
في هذه المدينة. وأنا
لا أعرف أحداً , ولا يعرفني أحد .
هناك نافذة يخرج منها
رأسان عجوزان, يراقبانني
حينما أدخل المنزل . العجوزان
يسمعان خطواتي في الصباح
الباكر فيستيقظان
ويفتحان النافذة. يتكئان
الى الحاجز وينظران مباشرة إلى أسفل .. إلى الحديقة .
ينقطع العجوزان عن الحديث حين أخرج .يتظاهران
بالنظر إلى جهة أخرى, ثم
يعودان ليواصلا الحديث بهياج حين ابتعد. العجوزان وحيدان, وهما لا يخرجان أبدا, ولا يعرضان جسديهما
لأشعة الشمس إلا في اللحظات القليلة التي
تصاحب خروجي أو دخولي,
ثم يعودان إلى الداخل. النافذة تغلق
بعد ذلك, ثم تفتح من
جديد مساءً , قبل دقائق قليلة من موعد خروجي
.
تلتصق صورتي على
الواجهات الزجاجية لمخازن
المدينة. أترك رائحة
معطفي الجلدي على أرصفة الميناء, وبين أجنحة نوارس رمادية
شرهة. أشرب فنجان
قهوة في المقهى المقابل . أجلس واضعاً يدي على المنضدة
متطلعاً إلى الفتاة ذات الشعر الأحمر التي
تتحدث في الزاوية. تتحدث الفتاة بعصبية, وتنفخ في شعرها الذي
يضايق عينيها. بين
شفتيها سيجارة تحترق, وهي تتحدث باضطراد
ولكن بشكل غير مسموع.
أعود بخطوات بطيئة
مودعاً السفن الصغيرة, وأشرعة القوارب
الملونة .
فوق ثيابي حين أعود, رائحة ماء البحر
ورائحة الصيادين والعقب
المحترق لسيجارة الفتاة .
أؤوب كعادتي مبكراً
إلى البيت فأرى العجوزين يصبان قدح ماء في سندانة فوق نبتة
غير مرئية. حينما أدخل أتوقف برهة في
الردهة المظلمة وأشعل سيجارة.
خلال النافذة العلوية
المتربة للباب, ألمح العجوزين يتشاجران
وهما يناقشان موضعي الشائك المحير.
كانت سيارة مستشفيات
بيضاء طويلة قد توقفت ليلاً وأنارت مصابيحها زجاج
نافذتي . أحد العجوزين ينقل بنقالة.
النافذة مغلقة منذ
أسبوعين, ولا أثر
لوجود العجوزين .
أخرج إلى ردهة الدار
وأتطلع إلي فوق .. إلى النافذة المغلقة. لا يعرفني في هذه
المدينة غير العجوزين.
أتنهد بعمق, وأمضي بخطوات ذات وقع باتجاه رصيف
الميناء والسفن
الراسية. أفكر بأعدائي
وأتمنى أن أرى العجوزين من جديد .
باليرمو
- 1984
مهاجر
كان ينقل حقائبه الأربع بصعوبة. سينتهي عاجلآ
بالموظف الذي سيؤشر له تذكرة السفر. كان
ينقل حقيبتين خطوة إلى الأمام, ويدفع الأخريين
بقدميه حيث كانتا ثقيلتين وكأنهما حشيتا (
بالصخر). وكان يضطر بعض الأحيان إلى رفعهما عن الأرض.
فيتفصد العرق من جبينه.. لقد حذره أصدقاؤه
من البرد والجليد وزودوه بمعاطف وبطاطين إضافية. أما
الحقيبتان الثقيلتان فقد
حشاهما بالكتب.. مكتبته الصغيرة التي
جمعها بصعوبة وأستودعها غرفة أحد الأصدقاء.. مختارات شعر
وروايات عالمية وأوراقه الكثيرة ورسائله
الخاصة.بعد خمس دقائق سيتخلص من كل شيء,
سيدفع بالحقائب للموظف كي تنقل إلى
الطائرة ويرتاح لأكثر من عشر ساعات.. مكان
دافئ, طعام, مضيفة جميلة.. عشر ساعات من
الحياة الحقيقية. لقد
خبر تجربة السفر أيام شبابه الأول, حينما
كان يتغرب نزقاً وترفآ. غير أن
هذه المرة كانت تختلف. لم يودعه أحد. من اسطنبول إلى
أثينا,
ثم البندقية. فرنسا, روما, باليرمو, نابولي,
روما, تريست, جنيف وهاهو مهاجراً إلى
أمريكا. ـ مهاجر؟ كشر الموظف الإيطالي.ـ نعم.لم يكن معه جواز سفر, بل أوراق
زودته بها الشرطة, حينما وجدته نائماً في إحدى
حدائق روما العامة يرتعش من البرد. وضع الموظف
ختمه على الأوراق,
ثم أشار إليه
أن ينقل الحقائب إلى
الميزان.ـ أكل هذه الحقائب لك؟ـ نعم.ـ هل ستدفع إجرة الوزن الإضافي؟ـ بلع ريقه ( أيّ وزن إضافي ! ). لم يخبره أحد. لماذا لم يفكر بذلك!ـ مسموح لك أن تصطحب حقيبتين..
وسأتغاضى عن وزنهما
الإضافي ـ لا أستطيع
التخلي عن هذه الحقائب.. إنها كل أمتعتي.صمت الموظف الإيطالي ناظراً في
عينيه وكأنه لم يفهم تمتمته الركيكة. كان
هو يفكر محمومآ. مرت لحظات طوال. المسافرون ينظرون إليه. يحمر وجهه!ثم هتف: ـ حقيبتان فقط ولا يهم الوزن.ـ حقيبتان فقط ولا يهم الوزن.
أجاب الموظف الإيطالي.ارتعشت
يداه. كان عليه أن يختار. فكر بالبرد. شعر
بالصقيع يلامس عظامه, أسنانه تصطك.. نعم.
عليه أن
يختار حقيبتي الثياب والبطاطين, سحقآ
للكتب.. الكتب لا ترد عنه الصقيع والتجمد!!
في بلد غريب ومدينة قاسية كنيويورك, ثم بإمكانه لو حالفه
الحظ.. أن يجد كتباً
هناك!! كان عليه أن يتخذ قرارآ
حاسمآ.. لحظة واحدة.. الطابور ينتظر خلفه..
وجه الموظف يجلده.. تقدم خطوة, رفع حقيبتين ووضعهما في الميزان.
أنتفض مؤشر الميزان بعنف.. كانت الحقيبتان
ثقيلتين وكأنهما حشيتا ( بالصخر)!!.
1988
ستارة
اختفى الطفلان خلف ستارة (المجاز).
قال الأول والذي كان يتحرك بخشية تامة,
كحركات رجل:
ـ سأريك الجنيّة التى تسكن غرفة
أخي.. جنيّة زرقاء قذرة.
خاضا في
ظلال النخلة والجدران الواطئة وحاشية
السطح العريضة, حيث يقع عليها قن الدجاج.
ـ سترى
أخي وهو عار يشبه أحد الأبطال, سيقاتل
الجنية الزرقاء, قتالاً شرسآ, وسينتصر
فينسحب عنها تاركآ إياها جثة هامدة. إن
الجنيات لا يمتن بسهولة, وسترى أن الحياة
ستعود لهذه الجنية بعد قليل, فتنسل من خلل
الباب مثل الهواء. لقد رأيتهما يتقاتلان
مرتين قبل الآن. لن تستطيع أن تجابه عضلات
أخي الكاسحة. أما الآن فعلينا أن نمضي إلى
عرين الجنية. سندع نعلينا هنا ونتسلل
زاحفين كما تفعل الثعابين الشرسة. عند
الثقب, أفتح عينيك مثل فنجان وأحذر أن
يفوتك المشهد. كانت الغرفة واسعة, يصل
إليها النور من نافذة دائرية مفتوحة قرب
السقف, أما النافذتان الأخريتان فقد كانتا
مغلقتين, وبدت الغرفة لسعتها وللأثاث
القليل, عارية تمامآ. تغرق في ذلك الضوء
الأصفر الشاحب. سرير ضيق يلتصق بالجدار,
مكتبة صغيرة, منضدة, كتب مبعثرة, حذاء, جورب,
منفضة سجائر, ساعة منضدية, صورة رجل عجوز في
إطارها على الحائط. وكانت كل هذه الأشياء
قد أكتست بطبقة خفيفة من الغبار, كان ينهال
ببطء شديد ويزداد سرعة مع حركة الكتلتين
على السرير...
ـ لقد بدآ
يتقاتلان.
(
الدجاجات في السطح بلعت ألسنتها, فجحظت
عيونها وتيبست أعضاؤها ورقابها. الجدران
تحركت فيها الحفر وخربشات الحروف الدقيقة
ولطخات الأقذار وبقع الطلاء المتآكل
واستحالت إلى حشرات وحيوانات فقرية. آلاف
الحشرات الفقرية السوداء والملونة قد غطت
الجدران. الستارة الممزقة الساكنة بدت مثل
رجل عجوز إتكأ على الباب بكل جسمه خشية أن
ينفتح فجأة. ما من حركة. الناس في الأسواق
توقفوا بأوضاع مختلفة مثل تماثيل من الشمع..
الشمس, الظلال, الثعبانان الجنيان
الصغيران قرب ثقب الباب.. كان كل شيء قد
توحد واستحال إلى حاسة حجرية واحدة فائقة
القدرة.. تنصت وتترقب..)
ـ آه آآآه..آه..آآآه.
كل شيء
يتحرك داخل الغرفة بتناسق: بطن الجنية
الزرقاء, ضفيرتاها, رأس
البطل, الأذرع, الأقدام, الأكف, الأصابع,الشفاه,
حركة واحدة.
ـ أترى واضحآ؟
ـ جداً..
ـ ألا تشبه شخصآ ما؟
ـ تعني الجنية؟
ـ نعم.
ـ هذه
الجنيّة الشريرة.. أتقصد أنها تشبه أمي؟
ـ بالضبط.
ـ لا أعتقد أنها تشبه أمي فكل
شيء فيها مختلف.
ـ وأنا كنت أقول لنفسي ذلك.
...................
...................
...................
ـ وأخوك...
ـ ما به؟
ـ لا يبدو طيبآ أيضآ.
ـ أتعلم.. أعتقد أن الجنيّة قد
سحرته.. كانت المرة الأولى.. بعد أن عدت من
المدرسة, طلب مني أخي أن أذهب إلى الفراش
على غير العادة. فدخلت فراشي لكنني لم أنم.
ـ وبعد.
ـ لم أتحرك.. بقيت ساكنآ في
فراشي.. سمعت خطوات أخي وهي تقترب من باب
غرفتي وأحسست به وهو يُدخل رأسه كي يتأكد
من نومي, ثم يغلق عليّ الباب من الخارج.. كنت
أرى ذلك بشكل واضح على الرغم من أنني أطبقت
جفنيّ وكتمت
أنفاسي.. أحسست حينها بأن روحآ شريرة قد
دخلت البيت.. في المرة الثانية وجدت باب
غرفة أخي مغلقآ, وحينما وضعت عيني على هذا
الثقب, اكتشفت الجنيّة الزرقاء..لقد فكرت
أنها ربما تشبه
أمك.. كرهت أمك.. هل تصدق ذلك.. أنت صديقي..
كرهتك أنت نفسك.
ـ هه!!
ـ غير
أنني قلت إنها لا يمكن ان تكون سوى الجنيّة..
ماذا يفعلان الآن؟
ـ إنه يعضها.
ـ دعني
ارى..
ـ أنتبه
لهذا الصوت.
ـ نعم.
ـ آآه آه
آه آه آآه.
تبعثرت
حشية الفراش وطارت قطع الأثاث الصغيرة في
فضاء الغرفة: صور الأب الميت, دفاتر جامعية,
المنضدة, الساعة المتوقفة عن العمل, قطع
النقود المعدنية, زجاجة الخمر, حبوب
التنويم, أعقاب السجائر ورمادها.
ـ ماذا ترى؟
ـ ما زال يعضها!!
ـ لم أكمل قصتي..وقلت لنفسي
لماذا لا يأتي صديقي بنفسه ويتعرف على
الجنيّة الزرقاء.
ـ ألا زلت تشك بأنها امي.
ـ... بقي شيء واحد, حينما نمت
في فراشي تلك الليلة, يوم رأيتهما لأول مرة,
أخذ المشهد يمر أمام عينيّ كما يحدث الآن,
حينها أحسست بشيء ما, شيء رطب في سروالي.
ـ حدث
مرة لي ذلك أيضآ.
انفجرت
الحاجيات وأشياء الغرفة
الصغيرة في الفضاء, علت ذراع الجنيّة
الزرقاء وانفتح
فمها, لقد خارت قواها أخيراً.
ـ ماذا يفعلان الآن؟
ـ لقد
سكنا ميتين!!
ـ
تعال للننسحب..انسحب بهدوء.. من هنا.. من هنا..تحركت
الحياة من جديد, علت قأقأة الدجاجات في
السطح, تحرك الهواء, تحركت سعفات النخلة
وعادت الحيوانات السوداء والملونة إلى
أشكالها السابقة, واختبأت في هيئتها
الكاذبة تلك على شكل بقع وخرابيش
علىالجدران. وابتعدت الستارة عن الباب
لتخبئ ( الصبيين ) خلفها من جديد!
1974
|