|
عبدالله صلاح الانصاري
كم
يومٍ
مر..كم سنة..كم مائة عام..!
انتظر
هنا..انتظر سأعود..كم
حب ضاع..كم عشق..كم حلم..!
قالت:هو ذا العنوان تعال هناك.. ساحة
فليك.. شارع 14 .. وذهبت.
قطعت
الشارع بعد يوم..سنة..مائة
عام..اسأل عن ساحة فليك. قالت تعال هناك
وذهبت...يا أنواع
المدن المجهولة
وشوارع مبتلة
وساحات وأزقة, عبرت
الشارع سألت رجلاً هل تعرف ساحة فليك شارع
14؟ لم يجب..لم يكن يدري.. وذهب.
كم
مئة رجل سألت..كم
مئة رجل لم يجب..وعبرت الشارع.
قالت
لا يمكن أن
تتبدل أزهار
البنفسج..لا يمكن أن
يتغير عبيرها..لا يمكن أن
يتغير لون الأرض..لا يمكن أن
يذهب ضوء القمر..قالت أشياءً
جميلة..قالت
لا يمكن أن
يتبدل ذاك العشق.. وتعال إلى
ساحة فليك..وذهبت.
ساحة
فليك..شارع 14...أعبر آخر شارع , تعبر في رأسي
ذكرى كل الأعوام الفارغة السابقة..ذكرى
أيام
السجن في زاوية منسيه في عالم ما تحت الأرض
ونافذة في السقف وحالات الانفصال..انفصال
الجسد عن الجسد والروح عن الروح. لا أدري
لماذا وضعوني في جحر الأرض..يبصق
علي..أشتم..أتحول
إلى
منفضة سجائر..ولا أدري
ما جرمي..أتخلى
عن وعيي..عن جسدي..وبعد عام أو
عامين لم أكن
أدري
كم زمن مر..أخرج..أعبر
شارعاً ما ..وأسقط..أتخلى
عن هذا العالم..أفتح
عيني.. شيء
آخر..أمكنة
مغتربة أخرى..
مستلق على سرير حديدي وشرشف أصفر ..أحاول أن أصرخ..تهدئني
الممرضة القريبة
مني..أهدأ..أنت
في مستشفى الفردوس..يا ذاك الفردوس الضائع..كم
يوم مر !.
خطواتي
تدوس حتى الذكرى .. لا أريد
أن أتذكر أيام
الموت..لقد قالت تعال هناك.. وذهبت.
قالت
لي في يوم لماذا سجنوك.. قلت لماذا سجنوني..؟
قالت لماذا سجنوك..؟ قلت لها لا أدري..ظنوا
أني
اسماً
آخر..شخصاً
آخر..واستعملوني منفضة سجائر وبالوعة
لمياه القاذورات.. سنة..سنتان..ثم اعتذروا
لي, وقالوا نأسف
على أعقاب
سجائرنا في جسدك وعلى مياه القاذورات..وابتسموا
لي وتركوني..كانت تبكي..وكنت أنا ألثم
قطرات الدمع المتساقط من عينيها كندى
الصبح على أزهار
الجوري..قالت لن أتركك
أبدا,
سأخبئك بين ضلوعي..وطمرت رأسي بين ذراعيها,
قلت لها: هل سيتبدل يوما هذا العشق..قالت: لن
يتبدل لون الورد ولا ضوء القمر الأبيض..وكذا
هذا العشق.. بعد يوم ..سنة..
مائة عام..لا أدري, تبدلت كل الأشياء
..الطرق المبتلة..الأشجار..
ضوء القمر.. وذاك العشق.. وتعال إلى ساحة
فليك وذهبت.
عبرت
من مكان آخر.. شارع آخر..محطة أخرى..أنفاق..ساحات..كانت
تعبر معي كل اللحظات السابقة المدمية
حزناً وبكاء..لحظات الموت..لحظات العشق..ولحظات
الحب المجنون..في أول
يوم رأيتك فيه..في أول
صوت..في أول
جلسة عشق..غلفنا ذلك السحر اللامرئي..ذلك
الشعور بالانفصال عن العالم..نطقنا بأول
حروف تعلمناها من يوم الميلاد..كان كل شيء
فينا ابتدائياً يولد لأول مره. علمتها
موسيقى قصة حب ..جلسنا معاً إلى
مقعد البيانو..أحسست
برعشة تتملكني وأصابعي
تلامس أصابعها
لأول مرة..كان
ذلك العشق يشعرني بالبكاء..البكاء في كل
شيء.. على كل ما ضاع..على كل أيام
التعذيب وأيام
السجن..كنت أبكي
وأنا
أقبل أصابعها..عينيها..فمها..جنوناً
كان ذاك العشق..جنون هذا الجري اللامجدي.
أين ولدت ..؟ أين
منازل قريتنا..؟ في يوم
ما ..في زمن ما.. أقطع
آلاف
الساحات..آلاف
الشوارع والطرق.. كان عذاب سنتي السجن أقل
وطأة من هذا السير الأعمى
والبحث الخائب..كم يوم ضاع..كم سنة ضاعت.. كم
مرة هطل المطر..كم مرة لم يهطل..كم مرة بلل
سطوح منازلنا..كم طفل جاء إلى الدنيا..كم
طفل بكى..كم حب ضاع أو حتى انتحر.....!
كانوا
يضعون الكماشات المتصلة
بأسلاك
الكهرباء على جانبي رأسي ..يضغطون عليها
بقوه, بينما يدير الحارس الآخر مفتاح
الكهرباء..أفقد
نفسي.. أحس بانفصال خلاياي ومساماتي عن
جسدي.. أحس بدمائي تخرج شلالات لا تتوقف..
أفقد رؤياي .. سمعي.. ألبط
على المائدة ككبش مذبوح.. يطفىء الحارس
المفتاح, لا يلبث النفس يدخل رئتي حتى أحس
بالانفصال مرة أخرى...
كيف
يموت الإنسان
آلاف
المرات في يوم واحد ..في ساعة واحدة..في
لحظة واحدة..
في عمليات التعذيب بلا سبب.. في عمليات الإعدام
بلا موت.. في الجري على أرصفة
الطرقات.. في البحث الخائب..فيك..آنآ
كلارسيا هول...آنآكلارسيا هول...شارع آخر...مكان
آخر...تاريخ آخر.
استوقفتني
مغنية غجرية
تستجدي خبز الليلة
بأغنية باكية, يعزف قريبا منها عازف كمان
رث.
واقفة كانت لا تتحرك سوى شفتيها
باللحن الباكي...
أحزان
العالم لم تكن في يوم سوى أغنية
أغنية
غجرية
وطيور بحار العاج لم تبطل يوما ذاك
غناء
غناء
الأغنية
الغجرية
وأنا في قارب صياد مكسور
في وسط بحر العاج المجنون
في
رأسي لا أسمع
شيئا..
سوى
ترانيم الأغنية
الغجرية
على
مد البصر الممتد إلى
اللا أرض.. ولا يابسة.. ولا أمل في شيء
لا
شيء
هناك سوى طيور لا تبطل ذاك غناء
أغنية
غجرية
أحزان
العالم كله لم تكن في يوم
سوى أغنية
أغنية
غجرية.
كانت
تغني وقطرات دمع ساخنة تنحدر على خديها,
وكنت أنا
أبكي...أبكي
كل ضياع العمر والأحلام المذبوحة...
قلت
لها: اعذريني يا صغيره فأنا لا أملك في
جيوبي شيئا, أنا مثلك مقذوف من صحراء أو من
تيه إلى
عالم مثقل بالفقراء والمستجدين والباحثين
عن المأوى .. وعن وطن ضاع.
ومضيت
سنينا أخرى
...أينك يا ساحة فليك... أينك يا وطني الضائع
مني.....
في يوم ما.. في زمن من تاريخ ما.. كنت
هناك..ساحة فليك شارع 14
سألت
رجلا واقفاً
لا يتحرك كالأشجار المهملة منذ سنين: هل
تعرف آنا كلارسيا هول؟
أجاب
نعم ..تركت لك رسالة..
فتحتها, كانت كل كلماتها قد مسحت بعد كل
سنوات الجوع ولم يكن سوى : أنتظر هنا.. أنتظر..
سأعود....آنا كلارسيا هول.
كم
حلمٍ
مر.. كم حلم ضاع..!
أنتظر هنا .. أنتظر... وبقيت بقرب الرجل
الواقف كشجرة
سألته
منذ متى وأنت هنا؟ لم يكن ليتحرك.. لم يكن
يتكلم.. ووقفنا أشجاراً
مهملة في طرقات مهملة.. كم رجل جاء.. كم شجرة
صرنا..!
سنوات ضائعة من عمر ضاع.. كم مرة سقط المطر
هناك.. كم مرة لم يسقط.. وضوء القمر الأبيض
كم مرة جاء.. كم مرة لم يظهر..!
آنا كلارسيا هول.. يا خلاصي وخلاص الجوع الأبدي..
يا بكاء خلايا جسدي.. وبكاء مساكين العالم
وفقرائه ومجانينه والمحكومين فيه بالنفي
أو بالإعدام..
آنا كلارسيا هول .. أنتظر هنا .. أنتظر..
كم
يومً
مر.. كم سنة.. كم مائة عام !!.
***
*هذه
القصة كتبت في بغداد/1991 ولم تنشر في أية مجلة, وفي
عام 1995 شاركت بها في مسابقة القصة
القصيرة
للأدباء الشباب التي أقامها
اتحاد الكتاب العرب في سوريا فرع اللاذقية, وقد
فازت بالجائزة
الثالثة,
وكنت وقتها أكتب
تحت اسم أدبي هو عبد الله
المهاجر .
|