العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

      العنقاء              

 

 

                                                    للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن                                 

ترجمة ( عن الدنماركية ) : حميد العقابي

 

فـي جنـة عدن وتحت شجرة المعرفة ، هناك أزهـرتْ شجيرةُ وردٍ ، من أوّل زهرةٍ فـقـــسَ طائرٌ حـلّـق كشعاعٍ بألوانٍ زاهيةٍ وأغنيةٍ بهيجةٍ . ولكن حينما قـطـفـتْ حـواء فاكهة المعرفة وطردت هي وآدم من الفردوس ، سقطت شرارةٌ من سيف اللهب لملاكِ الجزاء فـي عــــش الطائر فأشعلته . احترق الطائر ولكن من بيضة حمراء طار طائرٌ جديدٌ ووحيدٌ أبـــداً ، إنـه العـنـقــاء .

قيل إنه استوطنَ أرضَ العرب ، وكل قـرن يحــرق نـفـسه في عشهِ ، ومن البيضة الحمراء يحـلّـق عـنـقـاءُ آخر . طـائـرٌ وحـيـدٌ فــي الـعـالــم .

حولـنـا يحــلّـق بسرعـةٍ كـمـا الضـوء بـألـوانـهِ الزاهيـة وأغـنـيـتـه البـهـيـجـة .

حينما تجـلـسُ الأمُ عـنـد مـهـد طـفـلـها يـحـلّـق الطائـر عـنـد رأسِ الطفـل راسـمـاً هـالـــــــــة ضوئيةً تحـيـط بالرأس .

يـحـلّـق في فضاء غرفِ الفقراءِ نـاشـراً ضيـاء الشـمـسِ فـيـها تـاركاّ الخزاناتِ تـضوع بشذا البنفسج .

لم يكن العنقاء طائرَ العربِ وحدهم بل إنـه يحـلّـقُ على سهولِ لاب لانـد(1) المغطاةِ بالثـلـج مع انبعاث الضوء القادم من الشمال ، يـتـقـافز بين الأزهار الصفر في صيف كرين لاند(2)

القصير ، عند جبل النحاس في فهلون(3) ، في مناجم الفحم في انـكـلـتـرا يأخـذُ شـكلَ حشرةٍ تحـلّـق فوق كـتابِ التراتـيـل حينما يرددها العمالُ  بخشوع ، يبـحـر على ورقةِ لوتـس فــــي ميـاه نـهـر الكنج المقـدس فـتـشـع عـيـنـا الفـتـاة الهـنـدوسيـةِ حيـن تــراه .                     

أتجهلُ طائرَ العنقــاء ؟ طائـرَ الجـنـةِ  ، إوزّةَ الأغـنـيـةِ المـقــدسـةَ ؟

على عربةِ المسرحَ الجـوّالِ جـلـسَ كغرابٍ ثـرثـار وراحَ يـصـفـقُ بـجـنـاحيـهِ السـوداويـــــن القـذريـن ، وعلى الـقـيـثـارة الايـسـلـنـديـة مـوّهَ نفسـهُ بـمـنقارِ إوزةٍ  أحمرَ ،  وكغرابِ أودن (4)حطَّ على كـتـف شـكـسـبـيـر هامساً في إذنـهِ " الأبـديـةُ طارتْ فـي صـالات ورتـبــــورغ (5)حـيـنـما صدحـت الأغـنـيـات "


أتجهلُ

 طائرَ العنقاء ؟  ذلك الـذي غـنّى لـك الـ ( مارسـيـلـــس ) (6) وأنـت الــذي قـبّـلــــت الريشةَ التي سقطتْ من جناحـه . جــاءَ بـجـنـاحـيهِ الزاهـيـيـن بألـوانِ الجـنـةِ ولكـنـكَ ربـــما تشاغلتَ عـنـه بالـنـظـرِ إلـى دوريٍّ ذهـبـي الجـنـاحيــن .

أيــا طائــرَ الجنــــةِ !

يا مـَـنْ تـتـجـدد كلّ قـرنٍ مـن الزمانِ ، يا مَـنْ تولــدُ مــن اللـهــبِ وتـمـوتُ فـي اللــهـــــب ، صـورتكَ المؤطـرةُ بالذهـبِ قـد عُـلـقـت فـي صالاتِ الأغـنـياءِ ، وهـا أنـتَ تطيــرُ وحــــدك ضـالاً فـي القـفـار

لم تـذكـرْ الأسطورةُ اسـماً  لـكَ غـيـر ( عنقاء العرب ) وأنـت الـذي حيـنـما ولـدتَ مـن أول زهــرةٍ تحـت شجـرةِ المـعـرفـةِ فـي جـنـةِ عدن ، قـبـّلـك اللهُ وأعطـاكَ اسمـكَ الـذي تسـتحق ( الشعر ) .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

* في القصة يشير الكاتب إلى العنقاء بضمير العاقل المذكر .             

(1)   Lapland: منطقة ثلجية تمـتـد شمال السويـد والنرويج وفنلندا سكانها يرعون الأيائل

 

(2) Greenland :جزيرة واسعة تقع في الشمال .

(3) Fahlun  : منطقة في السويد .

(4) Odin : إله في الاساطير الشمالية ، كان حينما يمشي يرافقه غراب يحط على كتفه .

(5) Wartburg مدينة في المانيا

(6)Marseillaise  : النشيد الوطنـي الفرنسي .

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )