|
لؤي
حمزة عباس
المروحة
السوداء تدور ، لدورانها صوت يتكرر في سقف
الصفيح المضلع ، فتبدو معها كعشرات
المراوح ، يملأ ضجيجها القاعة وتشوّه ظلال
أجنحتها الموجودات .
سيصبح
الرجل ذو الملابس الرسمية آمراً : قفْ ،
صوته يتخلل ضجيج المروحة ، واضحاً ، يلصف
في ظهيرة القاعة ، فنقف صفاً قريباً من
كرسي الحديد الفارغ ، سيظل الكرسي فارغاً
حتى النهاية ، وستبقى المسافة بيننا وبينه
: ثلاثة أمتار فقط . خلف الصف سيبقى الرجل في
مكانه طيلة العرض ، كأنما ليراقبنا ، يتابع
انفعال أيادينا المسدلة إلى الجوانب وحركة
رؤوسنا اللائذة ، أو ليواجه المجني عليه ،
يتأمل عينيه وهما تتفحصان وجوهنا ، بألم
كامل وانفعال مكبوت أتحسسهما على وجهي :
رصاص فائر مصهور ، فأحدق في كرسي الحديد
أراه فارغاً وأفكر في فراغه الطويل . أسمع
المجني عليه ينشج خلال العرض بصوت مكتوم أو
أسمعه يهتف بما يملك من ألم وانفعال
بمواجهة أحد أفراد الصف ، ثم أسمع أحدنا
يصرخ بصوت حاد ، تلتمع حوافه في جوانب
القاعة وتتكرر أصداؤه : موجات من رفض قاطع
تمسح كل ما بعدها ويئن لوحشيتها صفيح السقف
طويلاً . كثيراً ما كان المجني عليه يقع
فريسة حيرة خفية تتداخل فيها وجوهنا أمامه
وتختلط ملامحنا ، فيصعّد إحساسه بالخيبة
نشيجه لينتهي العرض نهاية سريعة فننسحب
بتمام عددنا منشغلين بملامحه وبضجيج
المروحة وهو يبتلع بقايا النشيج ... يفرحنا
شعور طفيف بالنهاية السريعة ، ويمتص فرحنا
إحساس ما ، نابض ، بالوجه الحائر الكسير .
قد يحدث أن يحضر ضابط التحقيق ، فيكون لكل
شيء ، عندئذٍ معنى آخر : لدوران المروحة ،
ولوقوف ذي الملابس الرسمية ، ولفراغ
الكرسي ، ولبحث عيني الرجل ، علاقة ما ،
مبهمة ، لا شكل لها تنشأ بين الحضور
المغامر والفراغ الطويل ، وتدفع موجودات
القاعة إلى هوة من انتظار يكون لنا فيه ضرب
غامر من ترقب وانفعال ، وسنتسلم نحن أفراد
التكميل الدنانير العشرة كاملة عن عرض تلك
الليلة ، ففي العادة يكون ثمن عرض الظهيرة
الواحدة ناقصاً من دون أن نسمع لذلك النقص
مبرراً على الرغم من سؤالنا المتكرر
لمحاسب المديرية نفسه .
سنقف
طويلاً في ضجيج المروحة ، نتحسس حضور
الضابط قبل أن يخطو داخل القاعة بحذائه
الجلد ذي الرنة الصافية ، من انتظام الصف
واكتمال لوحة الكشف أمامنا ، ففي العادة
تبقى حقولها فارغة ، دونما عناية ، ممحوة
الأسماء والأرقام ، حضور الضابط وحده
يحيلها إلى لوحة كشف مكتملة ، أقرأها في
وقوفي الطويل وأفكر في عينيّ الرجل اللتين
ستتفحصان ملامحنا . سيصرخ ذو الملابس
الرسمية من الخلف : اثبتْ فنثبت ثم نسمعه
يفرك حذاءه على الأرض فنعرف أنه يستدير ،
وننتظر نزول إحدى قدميه بقوة على الأرض ،
لنعرف أنه يؤدي التحية ، وننتظر أن يصيح :
الصف جاهز للعرض .
حضور
الضابط يعني في العادة شيئاً واحداً لا
يتغير : أن للمتهم علامة فارقة حددها
المجني عليه أو أحد الشهود قد تكون ، قد
تكون العلامة ظاهرة فيُلغى عندها العرض ،
ولن نتسلم عن حضورنا شيئاً . وقد تكون
العلامة خافية ، أو أن المجني عليه أو أحد
الشهود بحاجة إلى التمييز والتثبيت ،
فتكون لحضور الضابط أهمية كبرى . سيقف أمام
الصف ، قريباً من كرسي الحديد بعد أن
يتفحصنا بدراية وهدوء فأحاول أن أتصنع
سيماء الجد والكراهية مع مجموعة حيّة من
المشتبه بهم ، منفعلة : يفوح صنان أجسادها
في الظهيرة ولن تتسلم عن انفعالها شيئاً ؟
أحاول أن أنكر وجه الضابط الحليق وشاربه
المحدد ونظراته الباردة وهي تبحث عن علامة
ما في وجوهنا ، قبل أن أراه ، منذ اللحظة
التي أسمع فيها احتكاك الحذاء ، وأسمع
القدم وهي تدق الأرض والصوت وهو يصيح : الصف
جاهز ، أشعر أن ليده البضة وهي تتحرك بهدوء
آمن ولأصابعه المرتاحة اللينة مقدرةً
عمياء على الفتك إذ يدير وجهي إلى الجانب
أو يرف بأصابعه ذقني .
كانت
الظهيرة صلبة ، أحسستُ جسامتها ونحن نتقدم
بإيقاع واحد داخل القاعة ، وكان الداخل
لاهباً ، فقد تأجل العرض أكثر من ساعة
إلتهبت فيها القاعة ، تُركنا خلالها في
الخارج ، على رصيف المديرية ، لا نملك ما
يكفي من الجرأة للذهاب إلى المقهى القريب ،
فقد ينادى في أي وقت ليبدأ العرض بعد أن
يضاف فرد جديد لعناصر التكميل . لم يكن
يتجاوز عددنا ثلاثة أفراد ، يضاف إلينا
إثنان أو ثلاثة من المشتبه بهم يسمح لهم
وحدهم بالتدخين خارج القاعة واستعمال
المراحيض ، ونكتفي نحن بحساب الدقائق في
الممر المكشوف . لم أكن أتصور أن للمروحة
السوداء مقدرة على الدوران في مثل هذا الجو
، لكنني شاهدتها تدور وسمعتُ ضجيجها يتكرر
في صفيح السقف ، وأحسستُ بظلال أجنحتها
تشوّه الموجودات ، تمسخها كائنات غريبةً
بقامات مقطوعة ، تغيّب أنصافها العلوية ثم
تعيدها بقسوة آلية ، لتغيّبها من جديد .
كنتُ
أراقب ، أبتلع لعابي وأحسه مراً بكثافة
طحلبية .
ـ
إلى الوراء ... درْ ...
صوت
الضابط يملأ القاعة بلا عناء ، واثقاً من
استجابة الآخر الفورية ، مشبعاً بإحساس
التنفيذ لأوامره ، حازماً دونما رغبة أو
حزم ، فأستدير مع الصف كأنما أستدير بمفردي
، وأرى ذا الملابس الرسمية متصلباً
باستعداد كامل وصدر مرفوع ، أرى عينيه
تتفحصان بحركة مستمرة وجوهنا ، وأرى
المجني عليه متقرفصاً بجانبه على الأرض ،
ما أن نكمل إستدارتنا حتى يرفع يده المضمدة
بيده السليمة يضعها على ركبتيه ثم يرفع
رأسه في مواجهتنا ، كأنما يرفع رأسه
ليواجهني وحدي ، فأحدق وأحس به يشبه أحد
معارفي ، أحاول أن أتذكر ملامحه وأفكر :
ربما لم يكن يشبه واحداً منهم بمفرده فقد
كان يشبههم جميعاً وبالدرجة نفسها . كان
مجموعة من عظام مربوطة فيما بينها أكثر منه
كائناًُ بشرياً ، فقد برز عظما كتفيه من
خلف ردائه المنزلي وبان مفصله مدبباً ،
وغارت وجنتاه مخافتين نقرتين عميقتين على
وجهه فامتد أنفه وفمه ، واستدق حنكه كأنما
بُرد بمبرد خشن . كانت أجفانه ترف بلا
انقطاع ، حتى تصورت ، لاستمرار رفيفها بأنه
لن يكون بمقدوره أن يرى شيئاً بعينيه
الشبيهتين بشقيين عرضيين صغيرين . هل فكرتُ
بأن يداً دقيقة الأصابع صنعتهما على عجل
ولم تعد مرة أخرى لتسوية ما صنعت فبقيا
شقين دقيقين كأنما كانا لوظيفة أخرى غير
البصر ؟
حرك
رأسه إلى الجوانب من دون أن ينظر لشيء
بالتحديد ، كان حذِراً حذَراً حيوانياً ،
وكان برفيف أجفانه وشِقي عينيه وحركة رأسه
أشبه بكائن سنجابي يمكنك أن تحمله في كيس
نايلون وتجول به في الشوارع والأسواق من
دون أن يفطن أحد من المارة إلى أنك تحمل
رجلاً في كيس . كان يتجنب النظر إلى عيوننا
كأنما يتجنب ذكرى أليمة ناغرة ، حينما نهض
بلا أمر رأيته أقص مما ظننت وتصورته يشبه
عمّاً لي لكنه كان خفيف الشعر أسوده وكان
عمي كثيف الشعر ببياض قطني . منذ أن بدأ وعي
الناس والأشياء ينمو في داخلي وأنا أرى عمي
ضعيف البنية ، قصير القامة ، خفيف الحركة
بشعر أبيض وعينين صغيرتين ، كان يحملني على
كتفيه لأقطف ثمرة بمبر ناضجة ، لكن لقصر
قامته لم تكن يدي تمس غير الأوراق السفلى ،
فيشب على أصابعه ويقول سنملأ السلال
بالبمبر ثم يطلق ضحكته فقد كان واثقاً بأنه
لو حملني مع أخوتي جميعاً على كتفيه واحداً
فوق الآخر لن يكون بإمكانه أن يتذوق ثمرة
بمبر واحدة . كنت أنسى أمر البمبر وأنشغل
بشعره حتى يصيح : أتركْ شعري يا ولد ،
فأتركه دون أن يفارقني إنشغالي ببياضه ،
ولا أذكره أجاب مرة عن سؤالي المتكرر ،
لكنني لا أذكر كذلك من أجابني عنه وأسكت
فضولي إلى الأبد ، فلم أتساءل بعدها عن سبب
بياض شعره ، أو أن أتحرى عن صدق تلك الإجابة
، فقد كان عمي يعمل سائقاً في ميناء المعقل
على سيارة شفرليت موديل 1958 ، كانت واحدة من
أجمل سيارات منتصف القرن في البصرة لشدة
شغفه بها ، لكن لم يكن يمنعه من نسيان نفسه
في لحظات الشرعة المنتشية ، فيندفع طليقاً
على جسر شط العرب ويرى الأجواء تنفتح أمامه
بلا حدود كأنما كان يقود سيارته في طريق
سماوية ، لا شيء غير الماء والسماء حتى وجد
نفسه مرة مواجهاً لمجموعة من عمال الميناء
وهم يعبرون الجسر ، آمنين ، على دراجاتهم
الهوائية ، فلم يكن أمامه غير أن ينحرف
بسرعته تلك فيصدم كتف جسر الخشب وينزل
بالشفرليت العزيزة إلى أعماق الشط . لم يطل
بقاؤه في القاع فقد قفز العمال أنفسهم
لانتشاله .. لحظة ، لحظتين ، ثلاث ، سكن سطح
الماء وانقطعت أنفاس السيارة في الأعماق ،
أُخرج بعدها سليماً فاقدَ الوعي . لم ينتبه
أحد لما طرأ عليه من تغير بعد أن استعاد
وعيه فقد نزل إلى الماء بفروةٍ فاقعة
السواد ، وانتشل منه بأخرى قطنية البياض ،
كأنما كان شعره مصبوغاً بحبر أسود ذاب ما
أن لامس الماء .
عندما
رأيت الرجل يمشي ، يده اليمنى مثنية ومعطلة
على يده اليسرى ، أحسسته قريباً وأحسست
بأننا وحدنا في القاعة الفسيحة ، قربنا
كرسي الحديد ومن فوقنا تدور المروحة
السوداء . لم أكن متأكداً مما سمعت ، لكن
أصابع أفراد الصف اللاهثة في بحثها عن
الأزرار أخافتني . سمعتُ الضابط يصيح :
ـ
إخلعْ
فبحثتُ
بأصابع عمياء عن أزرار عُمي وكان المجني
عليه قد غاب خلف الصف وبقي ذو الملابس
الرسمية بمواجهتنا ، أُلقيت القمصان على
الأرض ، تبعتها الفانيلات الداخلية ،
بعدها بوقت أحسستُ بأصابعه : لم تكن بضّة
ولم أشعر بليونتها ، عرفتُ في لمسها
المتردد أصابع عَمي .. كان الرجلُ يبحث
بأصابع يده السليمة عن علامة ما أسفل
أعمدتنا الفقرية وكان صدري يزداد ضيقاً في
جو الظهيرة فأفكر بثمار البمبر وأحس
بالمرارة في فمي وأسمع صوت الضابط مرة أخرى
:
ـ
إخلعْ .
سمعت
ذلك ونظرت إلى أسفل ، كانت شعرات وحشية
تلتف كومة صغيرة على صدري ثم تنزل إلى
منتصف البطن وأعلى العانة ، تحت السرّة ،
خلف الحزام . للمرة الأولى أسمع صوت الضابط
مشدوداً دون أن يفارقه يقين السطوة
الماثلة يكرر أمره كأنما يشدّ خيطاً من
المطاط ، يوتره بين يديه ، ثم يعيده بلا جهد
: إخلع البنطلون . أحسست بأمره موجهاً نحوي
وتأكدت من أن وحشتي في القاعة الفسيحة وحشة
لا تموت ، وخلفي يقف المجني عليه محدقاً
بمؤخرتي وهي تظهر شيئاً فشيئاً ، بشعراتها
وحصفها وقطرات عرقها من خلف الملابس
الداخلية المخلوعة ، فتلسعني نظرات عمي
بعينيه الصغيرتين ، ونظرات معارفي
وأصدقائي وأنا أحس بهم يتدافعون محشورين
في باب القاعة بلا صوت .
البصرة ـ 1994
|