العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 السيناريو... باعتبـاره شـكلاً أدبيــاً جــديداً

بُرهــان شـاوي    

    ) السيناريو - (scenario من الناحية الأكاديمية هو مصطلح سينمائي، يُلفظ في اللغات الأوربية : الروسية، الفرنسية، والايطالية بنفس اللفظ الذي تقدم، أما بالانكليزية فيلفظ ) سكريبت -   script )، وبالألمانية ( دري بوخ Drehbuch )، وهو عمل أدبي، درامي، يتضمن وصفاً لأحداث قصة، أو موضوع ما، ولشخصيات  ما، مع الحوار إن وجُـد، آخذاً بنظر الاعتبار أن هذه المحتويات يجب أن تصور  وتمثل وتقدم على الشاشة، لكن هل هذا التعريف كاف لكي يوضح ماهية السيناريو، أعتقد أنه من الإيجاز بحيث لا يوضح القصد.

في السنوات الأولى لظهور السينما كاختراع تقني، وفي بداية فترة عرض الأشرطة الفيلمية القصيرة لم يكن هناك سيناريو يكتب للأفلام ، من حيث أن الأفلام التي كانت تصور لم تكن أفلاماً بالمعنى المعروف حاليا لها، وإنما كانت لقطات قصيرة متقطعة، لكن حينما بدأت الشركات السينمائية الناشئة إنتاج أفلام طويلة نسبيا، تستمر لدقائق، اضطر المخرجون لإيجاد (حبكة) للمشهد الفيلمي، فبدأ البحث عن ( خطة) يتم فيها تنسيق القصة المعدة للتصوير، وفي أغلب الأحيان كانت خطة الفيلم لا تتعدى الصفحة الواحدة!!. لكن بعد العقد الأول من القرن العشرين بدأت الشركات السينمائية إنتاج أفلام طويلة، فصارت الحاجة لتنسيق المشاهد والأحداث والحوار، الذي كان حينها يظهر على الشاشة مكتوباً، أكبر. لكن إذا كان الفيلم يتألف من صور متتابعة ومتحركة، فأن السيناريو يتألف من كلمات.. وهنا بداية الإشكال بين السينما والأدب، باعتبار السينما هي ( فن الصور المتحركة)، بينما الأدب هو (فن الكلمات).

 

       في النصف الثاني من العقد الأول من القرن العشرين دخل (دافيد غريفت) إلى مجال السينما، فاستطاع هذا الفنان الكبير أن ينقل السينما من كونها إكتشافاً تقنياً جديداً إلى أن  تكون فناً جديداً ، ثم جاء العبقري شارلي شابلن، وشتروهايم، وأبيل غانس، وآخرون ...

ومع  بداية العشرينيات كانت السينما قد أصبحت فناً مهماً وخطيراً ، لكنها كانت ،على الرغم من ذلك، تحت تأثير الفنون الأخرى، وبالتخصيص فن المسرح وتقنياته... وكان على السينما أن تنتظر حتى مجيء منظر السينما الأكبر سيرجي آيزنشتين الذي غير الكثير من المفاهيم الجمالية في السينما، إذا لم نقل بأنه أسس لعلم جمال السينما.  

                                               سـنوات التأسيس

    طوال هذه الفترات ظل ( السيناريو )  في الزاوية الحرجة، فلا المخرجون يولونه الاهتمام اللازم، وينتبهون لقيمته الحقيقية، ولا الأدباء ينظرون إليه بجدية واحترام.

فها هو الكاتب السوفيتي ( إيليا آيرنبورغ) يكتب: (إن الكتاب يكتبون السيناريو لأنه يجب أن يُكتب، ولو أنه كان لا يكتب وإنما يُلفظ ويقال شفاهية لكان يمكننا الاعتماد على المحامين والنساء الثرثارات). (آيرنبورغ - تجسيد الفنتازيا- بالروسية(1927-  لكن السيناريو وجد من يدافع عنه  أيضا، فها هو الناقد والباحث (فالنتين توركين)، بدءاً من مقالاته الأولى التي نُشرت خلال الأعوام     1916 - 1918  وانتهاءً ببحثيه المعنونين :(الحبكة الدرامية والبناء الفني في السيناريو) والمنشور في العام 1934، و)البناء الدرامي في السينما) المنشور في العام 1938، نجده يوسع حججه، ويثبت قناعاته حول الطبيعة الأدبية ل

)السيناريو)، مستندا على الأسس الدرامية التي تحدث عنها (ارسطو) و( ليسنج).

 

   ثم يأتي ( ناتان زارخـي)  ليوسع بحوثه النظرية حول (البناء الدرامي للسينما) مدافعاً عن ( السيناريو)، معتبراً إياه أساس العمل السينمائي. لكن أهم صراع نظري في هذه الفترة كان يدور بين (آيزنشتين)  و(توركين)، حول أهمية ( السيناريو) ودوره في عملية الإبداع السينمائي.  ورغم أنهما، كلاهما، كتبا عن أهمية السيناريو إلا أن قضية الخلاف كانت تكمن في أن (آيزنشتين) كان ينظر إلى السينما ليس ك(فـن درامي) وإنما ك( فـن ملحمـي)، من حيث البناء الفني، ومن هنا فأنه كان ينظر للفيلم السينمائي ككل متجانس، وبالتالي فانه كان يسعى للابتعاد ب(الفيلم السينمائي) من ساحة (الأدب) وأشكاله الفنية، واثقاً بغنى (اللغة السينمائية)، لذلك فأنه كان ينظر إلى ( السيناريو) ليس باعتباره ( شكل) الفيلم المقبل وإنما ك(مرحلة) من بناء الفيلم.   لقد كان (آيزنشتين) يعتقد بأن (النص المسرحي) يمتلك قيمته الذاتية باعتباره (نصاً) مكتوباً بينما قيمة (السيناريو) المكتوب تتكامل من خلال مراحل أخرى هي مراحل التجسيد الفني له. لقد كان يرى مهمة السيناريو تكمن في  احتواء ( الدفق الشعوري) الذي يتم تجسيده فيما بعد في مشاهد مرئية.  بينما ظل ( توركين) على حماسه للسيناريو باعتباره( نصاً) يكتفي بقيمته الذاتية كنص أيضاً، وأن ( ملحمية) الفيلم السينمائي ليس لها علاقة ب(درامية)  السيناريو.

 

  في تلك الفترة من العشرينيات كان النقاد والمؤرخون يقفون إلى جانب(توركين)، مع مرور الزمن أعاد  (آيزنشتين) النظر بمفاهيمه حول السيناريو، ومارس النقد الذاتي لها.  ويعتقد (ستانسلاف. ن. يورنيف ) في كتابه ( آيزنشتين)، في أنه لم يكن هناك ثمة تناقض في وجهات النظر بين (آيزنشتين) و(توركين)، لكنهما كانا ينظران إلى هذه المسألة من مواقع مختلفة، من حيث أن (توركين)  كان ينظر من موقع تأسيس  (دراما سينمائية) حقيقية وأصيلة، بينما كان  (آيزنشتين) ينظر من موقع تأسيس ( فن سينما) له خصائصه التي تميزه عن بقية الفنون الأخرى، لذا فأن تحفظه على (السيناريو) لكونه يجد فيه زحفاً للأدب والمسرح على السينما. (يورنييف- آيزنشتين - المجلد 1 - بالروسية  1985).    

                   دوفجنكــو .. ولغـة  السيناريو

   لم يقتصر النقاش  حول السيناريو بين (آيزنشتين) و( توركين) فقط،  وإنما دخل النقاش كل من ( الكسندر دوفجنكـو) و( فسوفولد بودوفكيـن) أيضا.  ول(دوفجنكو) في هذا المجال آراء متميزة، فقد كان يعتبر مشكلة السيناريو واحدة من أعقد المشاكل التي تواجه السينما العالمية آنذاك. كما كان يعتبر ( الكلمة) من أهم وسائل التعبير السينمائي، ودلل على ذلك باعتماده على مذكرات وتعليقات الكتاب الروس والأجانب الذين كتبوا السيناريو، بأنهم كانوا يعيشون (معاناة إبداعية) أثناء كتابة ( السيناريو) مثل معاناتهم عند كتابة(الرواية) .  إلا أنه لم ينس بأن يضع الحدود بين (السيناريو)

و(الرواية) . فقد كان يعتبر( السيناريو) شكلاً أدبياً جديداً يقع بين المسرحية، والقصة الطويلة، والرواية.

 

   لقد كان (دوفجنكو) يفهم (السيناريو) باعتباره (المعادل الموضوعي الأدبي) للفيلم. ولقد كان شخصياً يكتب السيناريو لأفلامه بنفسه، لذا فأنه يؤكد بأن ولادة الأفكار وتجسيدها في سيناريوهات هي من أمتع اللحظات، وكان يعتبر العملية الإخراجية كإعادة للعملية الإبداعية التي عاناها أثناء كتابة السيناريو. كما أكد بان كتابة السيناريو تتطلب تلك القدرة الروحية والإبداعية، وتلك المواصلة على العمل، وتلك الأستاذية والحرفية مثلما تتطلبها كتابة الرواية والقصيدة الملحمية والمسرحية.(دوفجنكو- أنني أنتمي للسينما الشاعرية- بالروسية- 1967).

 

    لقد كان يرى بأن ( السيناريو) لا يسعى للاقتراب من النص المسرحي وإنما يتجاوزه، لأنه يمتلك قدرة الحركة وتطور الحدث في رحابة المكان وفي أبعاد الزمان، في الحاضر والماضي المستقبل، وفي جميع مراحل التاريخ، وهذه القدرة لا يمتلكها أي فن آخر، وذلك ليس من خلال تطور العقدة الداخلية للحدث فحسب، وإنما من خلال رحابة المكان والحركة ، ومن خلال تغيير المشاهد والانتقال الدائم.  

                         بـودوفـكـــين .. ومباديء السيناريو

   فسوفولد بودوفكـين ذهب أبعد من الجميع، فإذا كان من سبقه بحثوا (السيناريو) ضمن بحثهم في اللغة السينمائية، فأنه خصص الكثير من بحوثه لفن كتابة السيناريو، وبحث مفاصله كجنس أدبي جديد ، ووضع بعض ضوابطه.

 

   في العام 1920 كتب بودوفكين ما يلي: (تولد عند الكاتب فكرة لفلم سينمائي..؛ وربما هناك تصور قليل أو كثير عن مضمونها أو ربما عن مضمون بعض المشاهد، فيبدأ  بتجسيدها على الورق بشكل أدبي. إنه يكتب تصوراً أدبياً لتطور الأحداث، كما  يرسم سمات الأبطال، ثم يجعل هؤلاء الأبطال يقومون بالأحداث ويتقابلون؛ وعملياً يسمح لهذا أو ذاك لحسم الأحداث، وفي النهاية يجر جميع الأشخاص والأحداث إلى حل معين، ولكن لحد الآن لا شيء مصور، وهذا الذي يسمى لحد الآن ب(اللاشيء)هو(السيناريو).(بودوفكين- عن شكل السيناريو- بالروسية- المؤلفات الكاملة- 1967).

 

    ما كان يقلق بودوفكين ليس المسافة بين الأدب والسينما، والسيناريو كوسيط بينهما، وإنما العلاقة بين(السيناريو) و(الفيلم)، لكنه رغم ذلك لا ينسى بان(السيناريو) يعتمد على (الكلمة) التي تحمل الأفكار والمشاعر، وهي أساس (الأدب) .  وحتى عند دعوته إلى نشر السيناريوهات الأدبية، فانه كان ينطلق من أن السيناريو عمل أدبي يمكن تقييمه لحاله ومن ثم يمكن مقارنته مع الفيلم المأخوذ عنه. بل وحتى فيما يخص(السيناريو الأدبي) فأنه كان قاسياً، إذ أنه كان يرفض بشدة تلك القصص الركيكة التي يكتبها البعض، وكثيراً ما كان يذكر في مقالاته ومحاضراته بأنه من النادر أن يجد(السيناريو الأدبي) الذي يهزه من الأعماق كعمل (أدبي) قائم بذاته.، لذا فأنه كان يذكر دائما في حديثه عن السيناريو بأن (الكلمة) هي وسيلته الأساسية، لذا يجب أن يكتب السيناريو بلغة عالية تستطيع أن تهز القارئ.(بودوفكين- الابداع الأدبي في السينما- المؤلفات- المجلد1)

                          الكلام الصامت.. والحوار المكتوب

   كل هذا الجدل الفني والجمالي كان يدور حينما كانت السينما (صامتة)، أي قبل دخول الصوت إلى الفيلم . وحتى هذه القضية كانت مثار جدل من الناحية الجمالية والنظرية، من حيث أن الممثلين في السينما الصامتة كانوا يتكلمون، لكن المشاهد لم يكن يسمع ما يدور، أي أن( الكلمة) كانت تدخل ضمن حركة الممثل، أي أنها كانت جزءاً من الأداء وجزءاً من التعبير الشعوري، بينما كان الحوار ينقل كتابة إلى الشاشة. أي أن(الصوت) لم يكن محذوفا وإنما كان يعبر عنه (كتابة)، وهذا يعني أن الكلمة المكتوبة، وبالتالي(الأدب)، لم يكن بعيداً  حتى عن السينما(الصامتة)، وأن السينما(الصامتة) لم تكن أبداً(صامتة) كما يقول (كوزولوف)  في كتابه ( التعبير الفني ونمط الشخصية - بالروسية - 1980).

 

   لكن (الكلمة) في الأدب هي(العنصر الأول) كما يقول (غوركي)، فخارج(الكلمة) ليس هناك(أدب)، ومن هنا فأن العمل الأدبي هو (الواقع المباشر) للأفكار الفنية والجمالية، بينما في ( السينما) تكون(الصورة المتحركة) هي ( العنصر الأول) وخارجها ليس هناك(فن سينمائي). المهم، كان دخول(الصوت) الفيلم قفزة نوعية، وزلزالاً هز منظومات  كاملة من الأفكار والمفاهيم السينمائية، كما دثر الكثير منها، ودفع بالفنانين السينمائيين والمنظرين إلى إعادة النظر في مفاهيمهم السابقة، والتوجه إلى تشكيل تصورات جديدة، والبحث عن جماليات جديدة لفن السينما.    

                تأثير الصـوت عــلى السينـاريـو

كان دخول (الصوت) إلى السينما يعد ضربة قاسية لهؤلاء الذين ألغوا دور (السيناريو)  ولم يقيموا دوره الحقيقي، إذ أن دخول(الصوت) إلى الفيلم يعني عودة إلى الأدب والمسرح، أي أن السينما(رجعت) خطوة إلى الوراء في مجال  تشكيل ( لغة الصورة الصافية)، إذ أن دخول ( الصوت) إلى الفيلم منح البناء الدرامي للفيلم قوة تعبيرية جديدة، وضاعف من دور(الحوار) في تصعيد الصراع الدرامي للأحداث في الفيلم. ويمكن القول إنه مع دخول ( الصوت) إلى السينما بدأ (عصر السيناريو الأدبي)، من حيث أن الحبكة السينمائية اقتربت من الحبكة الأدبية، وكذا الأمر مع تحليل الشخصيات وطريقة السرد. ومن ناحية جمالية،كان دخول(الصوت) إلى الفيلم خطوة إلى الأمام في تخليص الممثل السينمائي من بقايا تأثيرات المسرح، فمع ( الصوت) اقترب الفيلم من ( الرواية).

 

    كان دخول ( الصوت) إلى الفيلم، كما يقول المؤرخ والمنظر السينمائي ( ليبدف) في مقاله(ولادة السينما الناطقة): ( ليس انقلاباً تقنياً في عملية نقل الواقع المباشر إلى الشاشة فقط، وإنما حمل معه ثورة في أسلوب وشاعرية فن السينما)( ليبدف-مسائل فن السينما- مجموعة مقالات - إصدار معهد السينما-فكيك- بالروسية-1950).

 

    ولكن من الطبيعي أن نفهم بأن إستخدام (الصوت) بشكل جمالي لم يكن في خطوة واحدة، وإنما استمر لفترة ليست بالقصيرة، كما أن الاعتراف بالسيناريو(الأدبي) كشكل جديد من الكتابة الأدبية لم يأت تلقائيا وبسهولة، فالنقاش إستمر لسنوات، رغم دخول أدباء كبار ومعروفين إلى مجال كتابة السيناريو أمثال: ميخائيل شولوخوف، ألكسي تولستوي،ونيقولاي تيخنوف، وغيرهم. لكن ما حسم مسألة اعتبار(السيناريو) شكلا جديدا من الكتابة الأدبية هو دخول مخرجين كتبوا السيناريو، وأخرجوا، ونظروا في التمثيل والإخراج السينمائيين، وساهموا في تشكيل علم جمال السينما، إلى مدار النقاش، وأعني هنا (ميخائيل روم) و(سيرجي غيراسيموف).

                           ميخائيل روم.. وجماليات السيناريو

     في محاضرة له عن(البناء الدرامي  والممثل والمخرج) قال(روم): ( إن السيناريو ليس مسرحية أو قصة ولا رواية. ورغم وجود تصور عن سهولة كتابة السيناريو، إلا أن الحقيقة الملموسة هي أن كتابة(السيناريو) صعبة جدا. تماما مثل صعوبة كتابة الرواية، إلى جانب أن (السيناريو)  يملك صعوبة إضافية، فإلى جانب متطلبات إشباع الفكرة، ودقة التحليل النفسي، ووضوح الحوار، فعلى السيناريو أن يمتلك كثافة درامية مركزة، وحبكة ديناميكية متطورة، وأسلوباً تعبيرياً قصيراً ومنسجماً ودقيقاً. إذ أن واحدة من أهم الصعوبات في كتابة(السيناريو) هو أنه يجب أن يكتب ، وأن يعبر عن الأفكار في مقاسات محددة جداً، فمثلما لا يستطيع الكاتب المسرحي أن يكتب رواية، فليس من السهل على أي كاتب له القدرة على التعبير أن يجسد أفكاره في إطار السيناريو المحدد الشروط، أن العمل على كتابة السيناريو لهو عمل صعب جدا).( روم - المؤلفات - المجلد 2 - بالروسية -1981).

 

  وفي محاضرة له في العام 1954 عن ( البنية الدرامية في السينما ومسائل البناء الفني في السيناريو والفيلم) قال:( عندما دخل الصوت إلى الفيلم لم يكن كتاب السيناريو يعرفون كيف يتعاملون معه..؛ والسيناريوهات التي كُتبت فيما بين 1930 - 1931 ، في فجر السينما( الناطقة) كانت تُكتب عادة بحيث أن (الصوت) وضمنه ( الحوار) يبوب جانبياً في مكان خاص به، وبهذا كان كاتب السيناريو يؤكد على الطبيعة الجديدة والغريبة التي دخلت عمله، فالجانب الصوتي والجانب التعبيري الصوري كانا يتواجدان في السيناريو بشكل منفصل. وبقدر ما كان حوار الممثل قد صار يدخل بكثافة في المادة السينمائية، بقدر ما صارت السيناريوهات تقترب أكثر من شكل( المسرحية)، فلحد الآن لا يوجد شكل نهائي للسيناريو الأدبي، فسلسلة تطور كتابة السيناريو لم تنته بعد)( روم - المؤلفات-ج3-بالروسية- 1981).

                       غيراسيموف .. والرواية السينمائية  

    ولكن إذا كان ( دوفجنكو) قد أكد سابقا بأن ( السيناريو) هو شكل أدبي يقع بين المسرحية والرواية، و(ميخائيل روم) أكد على اقترابه من النص المسرحي، فأن (سيرجي غيراسيموف) أكد على اقتراب (السيناريو الأدبي) من (الرواية). ففي كتابه (تربية المخرج السينمائي)، وفي الباب الخامس المتعلق بالرؤية الفنية، وتحت عنوان فرعي حول (الأدب والسينما) تحدث هو عن تجربته الأدبية والفنية في كتابة (السيناريو) قائلا:(  من المفهوم أنني لا أستطيع أن أسمي السيناريوهات التي كتبتها بأنها قصص أو روايات كاملة من الناحية الفنية..؛ لكنني شخصياً ، وفي أعماقي، كنت منجذباً لهذا الجنس من الكتابة الأدبية بالتحديد، منجذباً إلى الرواية، وهكذا كنتُ ولفترة طويلة، ولحد الآن، وبدرجة واضحة وكبيرة، مقتنعاً بأن السيناريو هو  أدب جديد)( غيراسيموف- المؤلفات- مجلد2 - بالروسية - 1983).  ومن المعروف أن المؤلفات الكاملة لغيراسيموف، والتي تتألف من ثلاثة أجزاء، قد خصصت مجلداً للسيناريوهات الأدبية التي كتبها..!!  

                         فيتالي جـــدان .. وعلم جمال السينما  

   لكن كل هذه النقاشات العميقة والطويلة عن خصوصية (السيناريو) باعتباره (أدباً)دعمها وبشكل حاسم، المنظر السينمائي،(فيتالي .ن. جـدان) في كتابه( عـلم جمـال السينما)، فقد كتب في الباب الخامس حول( السيناريو باعتباره الشكل الداخلي للفيلم)ما يلي:( قراءة السيناريو ومشاهدة الفيلم..من الطبيعي أنهما يقعان ضمن شروط تقبل مختلفة، فالقارئ والمشاهد يتعرضان إلى تأثير وسائل تعبيرية مختلفة..؛ فأمام القارئ( لوحة من الكلمات)، أي وصف كتابي، أما المشاهد فأمامه الشاشة،الصورة التعبيرية، الأحداث، والكلمات الحية.

فالحبكة، الأحداث، الجو العام، والطبائع الشخصية، تبنى في(السيناريو)، رغم أنه جنس أدبي، على أساس إمكانيات(السينما) وليس على أساس إمكانيات (الأدب)، وفي هذا التناقض تبدو(خصوصية) السيناريو كشكل أدبي جديد. فنمط الشخصيات الفنية الذي تقدمه الأشكال الأدبية الأخرى،دون اعتبار للعناصر الدرامية(البصرية)،لا يمكن أن تكون أنماطاً للسيناريو وبالتالي لا يمكن أن تكون أنماطا سينمائية).( جدان - علم جمال السينما-بالروسية- 1980).

    إن إحدى الخصوصيات المميزة لنمط الشخصية في السيناريو عما هو عليه في الأدب تنحصر قبل كل شيء في أنه( لا يعبر عنه بشكل كامل)، علما أن رسم هذا النمط يوجد في(هيئة أدبية كتابية).   إن (السيناريو) في اختلافه عن الرواية والمسرحية يجب أن يتضمن بل ويترجم هذا الإختلاف، ومن هنا اتخذ ملامحه،. إنه (السينما) في (الأدب)، أو (الأدب) في طريقه إلى الشاشة..؛ مثلما (النص المسرحي)هو المسرح في الأدب، أو الأدب في طريقه إلى خشبة المسرح، ناهيك أن كاتب السيناريو يفكر بطريقة صوتية، تعبيرية، صورية، أي أنه يعبر عن أفكاره بمساعدة الصوت والصورة.

 

   وفي رده على سجال نظري بينه وبين المنظر السينمائي (ج. فيلدمان) الذي  أكد في كتابه( ديناميكية الفيلم) بأن ( السيناريو) ليس عملاً فنيا متكاملا، لأنه لا يمتلك شكلاً محدداً، كتب (ف. جدان) :(  صحيح أن قيمة السيناريو تتضح من خلال تجسيده على الشاشة، كما كان(غوغول) في زمانه لا يعتبر (النص المسرحي) عملاً متكاملا قبل تجسيده على خشبة المسرح حيث يأخذ النص شكله النهائي، لكن وكما هو معروف فأن (العرض المسرحي) ليس هو ( النص المسرحي)، وهكذا الأمر مع السيناريو. إن (إزدواجية) النص المسرحي و(السيناريو) أبداً لا يلغي أهمية اعتبارهما أعمالا أدبية قائمة بذاتها).( جدان- م.السابق).

 

    السجال التاريخي الذي بدا في العشرينيات من القرن الماضي حسم تقريبا في النصف الثاني من الخمسينيات لصالح اعتبار (السيناريو) شكلًا أدبيا جديدا، وعلى هذا الأساس صار التعامل معه، حيث صارت دور النشر الفنية، سواء في روسيا أو في البلدان الأوربية، تنشر السيناريوهات في كتب، أو مجلات دورية متخصصة، كما خصصت الجوائز السينمائية الكبرى للسيناريو، كما صارت المؤلفات النظرية للمخرجين  الكبار تضم السيناريوهات التي كتبوها، فمن ثلاثة مجلدات تضم مؤلفات (غيراسيموف) نجد مجلداً يضم سيناريوهات بعض أفلامه،وكذا الأمر مع (دوفجنكو)و(الأخوة فاسيلفا)، و(كايلريفج)، وغيرهم، كما خصصت الكليات في معاهد السينما لتدريس فن كتابة(السيناريو)، وصار اعتبار (السيناريو) شكلاً جديداً من الكتابة الأدبية من المتعارف عليه في مجال السينما، بل ولم يعد هناك من يخلط بينه وبين الرواية، أو من ينظر إليه باستخفاف.    

                               الأوربيــون.. رينيه كلير نمـودجا

      من المعروف أن السينما ولدت في فرنسا على يد(الأخوة لوميير) في العام 1895 حينما قدما عرضاً تضمن مشهد وصول القطار إلى المحطة وما أثاره من فزع حينها، إذ تصور المشاهدون بأن القطار يتوجه إليهم، رغم أن محاولات متوازية كانت تجري في بعض بقاع العالم الأخرى في مجال الوصول إلى الصورة المتحركة، لاسيما في الولايات المتحدة من قبل(توماس أديسون)، إلا أن تشكل السينما كفن وليس كاختراع جديد فقط كان يجري في مختلف البلاد في العالم، ربما كان للسينمائيين الروس والسوفيت الدور الأكبر في بناء الصروح النظرية لعلم جمال السينما، طبعا إلى جانب جهود(بيلا بيلاز)،(جورج سادول)،(ليون موسيناك)، (كريكاور)،(ماك سينيت)،(لويس ديلوك)،(روبير رازيلاخ)،(جان رينوار)، و(رينيه كلير)، وغيرهم. وكانت النقاشات حول جماليات الفن الجديد الناشيء تأخد مساحة واسعة من النقاش والسجال الفني في العواصم الأوربية، وكان الصراع بين المسرح والسينما، والشعر الصافي والسينما الصافية، والأدب والسينما، والسيناريو الأدبي والرواية، ودور الممثل، وإشكال الصوت في الفيلم، وما شابه من موضوعات، هي المحور الأساس. ولكي لا نقع في التكرار، نتوقف عند واحد من كبار مخرجي السينما(الصامتة)، ثم(الناطقة)، وأحد المنظرين في جماليات السينما، ألا وهو المخرج الفرنسي( رينيه كلير) الذي لخص إشكالية الأدب والسينما في عدد من المقالات المهمة،إذ يكتب في مقاله( نتائج أولى) مقارنا المسرح والرواية والسينما:

( إذا دعت الحاجة لتوضيح اختلاف العرض المسرحي والعرض السينمائي بمثال جيد، فقد يكفي التذكير بأن المؤلفات المسرحية طبعت، في جميع الأوقات، بينما ندر عرض المؤلفات المعدة للشاشة أمام القارئ، ويرجع سبب هذا الشذوذ بلا ريب إلى  أن شكل كتابة الأثر السينمائي يجعل قراءته متعبة. يقرأ المرء أثراً مسرحياً، فيعلم من بضعة أسطر مكان وقوع الحكاية وزمنها،وبهذه المعلومات يستغني عن كل شيء آخر يتعلق  بالإطار أو الفصل، ويقتصر اهتمامه على شخصيات المسرحية، بينما مؤلف الأفلام يتحرك بمرونة خلال الزمان والمكان، لا يحبسه أي تزيين ولا يحدد مدته أي مقاس. حرية مؤلف الأفلام في التصرف بالزمان والمكان يستفيد منها الروائي أيضا، ففي الرواية كما في الفيلم قد تشكل سهرة محور الأثر كله، ولكن يمكن انقضاء عدة سنوات في الرواية ببضعة أسطر، وفي الفيلم ببضع ثوان، ومع ذلك فالرواية، المعدة لقارئ يغلق الكتاب على هواه وعندما يشاء يضعف انتباهه، لا يخضع لقواعد العرض السينمائي الذي يجب على المؤلف السينمائي  أن يحافظ على فائدته منذ العرض وحتى حل العقدة وبدون انقطاع. أما بما يتعلق بمراعاة هذه القواعد،فلا يختلف مؤلف الأفلام عن المؤلف الدرامي، مهما اختلفت التقنيات التي يستعملها كلاهما. ولهذا يمكن القول في تعريف طابع القصة السينمائية عن طريق المقارنة،إنها تقترب من المسرح في بنيتها ومن الرواية  في شكلها). ( رينيه كلير - سينما الأمي وسينما اليوم- بالعربية- ت: مصطفى صالح -دمشق-1967). صحيح ان ( كلير) كتب هذه الملاحظات في الأربعينيات من القرن الماضي، إذ جرت تغيرات في(تقنية كتابة السيناريو) وكان للكاتب الأميركي( سيد فيـلد) والألماني(بيتر ميترس هايمر) وغيرهم ، لكن تبقى ملاحظاته نموذجاً عن السجال النظري الأوربي في تاريخ مسيرة (السيناريو).

     

                                    السيناريو.... عربيـا  

     بعد هذه المقدمة السريعة والمكثفة في إشكالية(السيناريو) باعتباره شكلاً جديدا من الكتابة الأدبية، ادفع بالحديث إلى الزاوية الحرجة. فلا زالت النظرة إلى (السيناريو) من قبل الأدباء والفنانين في بلدان الشرق الأوسط غير جدية، وموسومة بالتبسيط، وعدم الاكتراث، والاستعلاء الأدبي، علما أن كبار الكتاب الروائيين في العالم  كتبوا السيناريو،أمثال: شولوخوف، غوركي، تيخونوف، الكسي تولستوي، وليم فولكنر، جون شتاينبك، دوس باسوس، سالنجر، سارويان، جاك بريفير، ماركيز..وغيرهم.

 

    هناك إشكالية حقيقية في النقد الأدبي العربي الحديث، ألا وهي إشكالية المصطلح النقدي، ففي معظم آداب العالم المتطورة توجد،على سبيل المثال لا الحصر،ما يسمى ب (القصة القصيرة)، ( شورت ستوري) بالانكليزية،(ايرتسيلونغ) بالالمانية، (راسكاز) بالروسية، كما توجد (القصة الطويلة) التي يتفق الجميع على تسميتها ب (نوفيل)، وكذلك (الرواية) التي يتفق الجميع أيضا على تسميتها (رومان)، بينما لا نجد مجالاً رحباً للتعامل مع (القصة الطويلة)،(نوفيل)، في النقد الأدبي العربي، ف(القصة الطويلة) تسمى (رواية) أيضا وهذا ما يقود إلى فوضى نقدية، ويمكننا أن نستشهد بالعديد من القصص الطويلة التي تحمل أسم ( الرواية).

 

     بل هناك إشكال آخر، ألا وهو العشوائية في إطلاق النعوت والتسميات، فبسبب غياب الثقافة الفنية السينمائية، وغياب النقد الفني، والسينمائي الجاد، وغياب البحوث النظرية في علم جمال السينما، وأحادية الثقافة الفنية والنقدية لدى معظم النقاد لا سيما من العاملين في مجال الصحافة الثقافية اليومية، التبست التسميات، فلو القينا نظرة متفحصة على بعض ما تسمى ب(الروايات) العربية لكتاب عرب معروفين لوجدنا أنها لا تتعدى كونها سيناريوهات أدبية جيدة. فمعظم (روايات) و( قصص) الكاتب إحسان عبد القدوس، و(روايات) عبد الحليم عبد الله، و(بعض) قصص يوسف إدريس، و(بعض) روايات وقصص الكبير نجيب محفوظ، و(بعض) أعمال مجيد طوبيا،وكذا الأمرمع(بعض) أعمال حنا مينة،و(بعض) روايات وقصص إسماعيل فهد إسماعيل، والقائمة طويلة. وليس في هذا الأمر ما يعيب مطلقاً، لكن المأخذ الأساس هو عدم تلمس الفروق الأسلوبية والاستسهال في إطلاق التسميات، ويبدو أن هذه إحدى سمات الثقافة العربية المعاصرة.

 

     وربما يعود الفضل للدراما التلفزيونية في إعادة الاعتبار للسيناريو ولكتابه، فعلى مدى عشرات السنين من نشاط السينما العربية الإنتاجي لم يعرف السيناريو وكتابه هذا الاهتمام كما هو الاهتمام الذي نلمسه اليوم، وهذا يعود بدوره أيضا إلى تألق أسماء أدبية مهمة في عالم الدراما التلفزيونية والسينمائية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أسامة أنور عكاشة، محمد جلال عبد القوي، بشير الديك، وحيد حامد، مصطفى محرم، عبد الرحمن زايد، حسن.م.يوسف، هاني السعدي، وداد عبد اللطيف الكواري، فجر السعيد، محمود عبد الواحد، محمد قارصلي، وغيرهم. فهذه الأسماء تصطف اليوم إلى جانب أسماء أدبية معروفة، ولو كان هناك تقليد أدبي وثقافي بطباعة السيناريوهات المكتوبة للأفلام والدراما التلفزيونية، لأقبل القراء على كتب هؤلاء مثلما يقبلون على روايات الكتاب الآخرين، بل ولأضاف ذلك متعة جديدة عند القراءة ألا وهي متعة المقارنة بين النص المكتوب والعمل الفني المقدم على الشاشة.

 

   إن النظر إلى (السيناريو) بجدية واهتمام، والحث على ترجمة السيناريوهات العالمية، وتشجيع الكتاب في البلدان العربية على نشر أعمالهم باعتبارها أعمالاً ادبية، وترجمة الدراسات النظرية  حول فن السينما وجمالياتها، سيعود ليس على السينما في هذه البلدان بالصحة والعافية الفنية وتمنحها العمق والشاعرية فحسب، وإنما تعود على جميع الكتاب والأدباء بالفائدة العظيمة أيضا، حتى على مستوى كتاباتهم لقصصهم ورواياتهم، وليس لي هنا سوى التوقف عند شهادة الكاتب الكولومبي المعروف(غابريل غارسيا ماركيز) الذي عمل لسنوات ككاتب سيناريو، إذ يقول:( أعتقد دائما أن السينما بإمكانياتها البصرية الهائلة، أداة التعبير المثلى، ولعل كل مؤلفاتي السابقة على (مائة عام من العزلة) متحدرة من هذا اليقين، فهي مطبوعة بتطرف الاندفاع نحو تصوير المشاهد والأشخاص، والصلة المليمترية بين وقت الحوار والفعل، وهاجس التشديد على وجهات نظري وأفكاري... ولم يجعلني عملي في السينما أدرك ما يمكن أن يقوم به الكاتب فحسب، بل ما يجب ألا يقوم به كذلك. وبدا لي أن سيطرة الصورة على عناصر روائية أخرى، ليست ميزة وحسب، وإنما هي تحديد لها، وقد بهرني هذا الاكتشاف، وأدركت أن الإمكانية الروائية غير محدودة.. من هنا أقوى على القول إن تجربتي في السينما ضخمت إمكانياتي الروائية دون ريب).( ماركيز - ترجمة ناديا ظافر شعبان -بالعربية- دار الكلمة- 1981).

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )