|
عزيز التميمي
قصة قصيرة
(..
قم فانذر …) ، رسالة
بعثها الروح لأهل الأرض ، إسرافيل تاه في
أرض بابل ، قالت مدينة الملائكة ، مزحة سمجة
، صاروا ثلاثة وهو رابعهم ، أكدت مدينة
الملائكة : لم يفق قبل ارتداد الشمس عن
اللعب في حضرة القمر والنجوم ، لم يفق قبل
ذبول الأجساد وانطفاء سكائر الكاوبوي ، لم
يفق قبل تمزق عباءة الراهب بطعنة خنجر
مسموم ، تثائب اليعازر ، عزفت موسيقى
السماء لحناً جنائزياً، طأطأت الرؤوس لحظة
التأبين ، أكّد المتحدث باسم المدينة :
مدينة الملائكة نادت أهلها ، كان النداء احتفالاً
، دخلوا قلبها ، تنفسوا هوائها ، تكلموا
كلامها، الريح
الشتوية برت رؤوس الفِكر وحراشف الأقدام ،
فكانت الأشياء معلقة من جذورها ، تصدعت
ذاكرة نيوتن ، إسرافيل ظلّ غايته ، سافر مع
سيقان تلم عُريها مع شظايا الفجر شاهد
صدوراً تتكوم بأثدائها في قارورة عطر سندي
، وهناك ، في رقاب اليتامى تعلق كارتات
السمر الموعود ، لحظة الفجر ، تدخل المدينة
في أجساد سكانها ، الشوارع تتخفى بالصمت،
حاسرة الرأس ، ينغل في ذاكرتها، سكون طفل ،
طنين ذبابة منفية
يشرخ مخيلة الشاعر المزعوم، ينقطع التيار
الكهربائي فيتوقف المتحدث باسم المدينة عن
الكلام .
*****
حدث نسيان ،
اثنان ، رأسان مقلوبان ، يجوسان المكان ،
إلى مقدمهما المدينة تسعى ، إلى قفاهما ،
الساحة ابتعاد متواصل.
ملاحظة :( في المدينة ساحة كالأنف
السائب فوق مساحة الوجه )
في
وقت غير هذا ، نزعت الساحة بنطالها ، اختلست
من عريها نظرة، انخطف
إلى ذهنها هدوء ، هدوء ممزوج برغبة شبقية ،
ارتمت بين يديه ، انزلقت الزجاجة الملساء
تجر خيبتها بين ساقيه ، بعد سبات الجميع
كانت له وحده ، يمرر يده على امتداد قامتها
المطروحة ، جلده ينكر دبيب أصابعه المخلوعة
من رسخه ، مساماته اغتصبت عطش أنوثتها ،
حينما يصحو رجل المرور المخمور يبصق بين
فخذيها ، هي الساحة المنسية ، وهو الشاعر
المهجور ، يرفع رأسه ، بنظراته يكنس عري
الشوارع ، الضوء المتفلّت من قمة عمود يمضي
الوقت جمود ، يلسع هامته المفضضة ، تهزه
رعشه ، بين فخذيه روائح متعفنة ، بين ساقيه
زجاجة دبقة تتدحرج ببطء مع الريح ، يهمهم
بصوته المنطفئ (اعطني حقنة مورفين ) ،
الساحة إلى سمعه سكوت ثقيل والأشياء معلقة
من جذورها ، فيتجمد داخل صمته المأتمي ،
تأمل : ( هناك تمثال يجثم في قلب الساحة
مثلما الوشم ) ، إنها حكاية لم تمت ذكراها ،
قلب أوراقه ومضى يقول : في الفضاء الممغنط ،
هبطت على الأرض مدينة الملائكة الخرساء،
ومعها إسرافيل سار حافياً، في الفضاء
الممغنط ، رقد اليعازر دون حراك، ثم استلقى
شارع ونام ، وانقطع حديث الناطق الرسمي
باسم المدينة….بغتة .
*****
السنة تلتحم بأخرى ، إسرافيل يتوسل
أهل بابل شربة ماء ، صمت ، سكوت خفيف ، إنها
واحدة من تلك الأسفار المرتبطة بالحكاية ،
إليكم التفاصيل : ذبابة طنّت قرب أذن المذيع
المسائي لتلفاز المدينة ، هز رأسه ، ثم أردف
/آسف واستطرد يقول : إنها لحظات ، الوجه صمت
وابتهال ، اليعازر دون حراك يقف أمامه رجل
راهب وامرأة شعثاء الرأس ، طوقت كتفيها
ملاءة سوداء ، وقفة تأبين، اقتربا منه ،
تبركا بنظراته الماسية ، أوقدا شمعة ذهبية
اللون فأضاءت المكان ، أتاهما صدىً، (ليهجركما الشيطان )
، فكانت لحظة مباركة ، السنة بكر ، الساحة
نقطة منسية لم تؤرشف بعد ، الأنظار تمر
بالرأس كل يوم ، لحظة مخنوقة ، اليعازر راقد
دون حراك ، اثنان من كلاب الحراسة ، اقتربا
منه ، علق أحدهما : إنه يفكر ، انه نائم الآن
، بل يتظاهر بالنوم، أجابه
الآخر : دعه يفكر .. مجرد تفكير ، كيف ؟ ، ماذا
تقول يا هذا ؟ حتى وان كانت أفكار عقيمة لا
تثمر ، طلقة دون بارود تصدع ، انفجر الهدوء
في هيئة أحدهما، قاطع
يديه بعصبية ، تشنجت كلماته ، نظراته طفحت
بالغضب، بصق في وجه الساكن ثم ابتعد مسرعاً
، يتبعه الآخر مكتئب الملامح ، دقت الساعة
وظهرت إشارة نهاية البث على الشاشة
المقابلة للمذيع الذي ابتلع لعابه بصعوبة
وقال إلى اللقاء.
مــذكرة
:
أحد
الباحثين في آثار المدينة كتب مذكرة قال
فيها : رأس تتكور في دماغه أسئلة مرفوضة ،
رجل مخبول ، عاش حياته غلطة ، أراد أن يقول
شيئاً ، ساعة ضحىً ، صفق له الجميع فنسي ،
وتوقفت أفكاره، السنة بكر، والبرد يسفع
الوجوه ، نداء الله اكبر يملأ القلوب رضاً ،
تمر به سيارات الموكب ، في وقت كان يرتب
أكياس النفايات مثل أعوامه السالفة ، اليوم
الخميس ، يلتقي نصفا الدين ، بصق في برميل
القمامة ، مسح أنفه بكم قميصه ثم رمى الموكب
بنظرة متأملة ، عبر خلالها الوقت والصمت
والسكون ، فكان بهيئته تلك حتى صار دمية .
السماء
لم تهبط بعد ، سفينة نوح لم ترحل ، مقال وصفي
نشرته إحدى صحف المدينة جاء فيه :
النوم في الرأس بطاقة دعوى ، ثمة صوت
ينهر من بعيد ، كانت تلك حكاية ، أقسم لك .. لم أسمع … كذاب ..
تتظاهر بالنوم ، حكاية وحسب تمر في ذاكرته ،
دون شهود ، لا يفصح عنها لأسباب ذاتية ، على
أثرها دخل مراكز الشرطة وثبت اسمه في ملفات
القضاء، حكاية كانت، تدور في مخيلته كل
ليلة، كل لحظة ،
أراد أن يقول شيئاً ، ساعة ضحىً ، فضاع صوته
في وهدة عميقة، لملم
حطام كلماته وانسحب بعيداً إلى داخله
الراكد المتحجر ، المتوقف عن الحياة لسنين
خلت ، بعيدا إلى سكونه الطفل المذبوح بشفرة
كلمة سباب بذيئة ، ذلك المتأبن بأجراس
نورسة أثكلها البحر يوماً ، في ذالك الوقت ،
ذكر أن حوذياً انهزم في مشاجرة خاسرة في
إحدى ساحات المدينة ، تمتم اليعازر لحظة
الفجر ، اهتزت شفتاه ، أراد أن يقول شيئاً ،
أحس بالبرد يخذل جسده فارتجف ، أراد أن
يحاول ، مازحته الكلمات. ربتت على جدران
حنجرته من الداخل ، فحضر الخجل ، وحضرت
الساحة المتآكلة ، فانداحت الكلمات
جانباً، طرق صدىً
:
( قم فانذر … يا ابن آدم … السنة بكرٌ ) .
لم
يعلق ساد هدوء حذر ، بغتة انفجرت طلقة جافة
، فاندثر السكون البرعم،
وحضر المشهد ، ويختم المقال بعبارة :
إنها مجرد حكاية وحسب ، عذراً للإطالة .
*****
يوميات
الوقائع الرسمية ، ملاحظات ، لمحات نقدية ،
إشاعات ، احتمالات، حضر
المشهد ، أقدام تدوس الساحة ، موكب رسمي ،
احتمال ، دورية حراسة ، احتمال آخر ، لصوص ،
احتمالات واحتمالات ، في غفلة تصرخ براعم
العشب تحت سنابك الخطى المشدوهة أبداً ، لم
يقفوا ، لم ينتظروا، يطاردون لعاب العملة
الصعبة، بين جلودهم والعظام يرقد أرق عجوز
، إنفرش جسد الساحة ، آخر ما تبقى من عيون
الليل ، ثلاثة ، أربعة
موكب صغير ، أقداح تغسل ، طاولات تستبسل
حتى آخر السمر ، الشاي بالحليب يفاوض معدة
خاوية كل ليلة ، تمر بالساحة ، دورية حراسة
ويبقى الرأس وحده في الخواء ، دون فكرة تجر
بقايا الخدر ، يجوسه البرد فيرتجف ، في لحظة
، ينفض رأسه ويباغت الأشياء بنظرة شبقة ، ثم
يبتلع مسافة صمته ويمضي ، يمارس اغماضة
جديدة ، يرى نعليه ، جروح راحتيه ، يلوح
بعباءته دون أن يراه أحد .
*****
في
وقت غير معلوم ، تأتيه كلاب الحراسة ،
تمازحه ، تتنفس روائحه ، تتفرس في ضباب
عينيه الغائمتين ، ترتب شاربيه الكثين ،
بحراب البنادق تمشط شعره الأشعث ، تفتش
جيوبه ، جلده المخربش بمخالب العناكب ، تدس
في بطانة سترته إصبع بارود أحمر، كل يوم ، تحتفل
الساحة ، ساعة ضحىً ، يحتسي إسرافيل قهوته
في السماء السادسة ، الرأس مثخن بالصور، حينما استحضرته
الأخيلة نهض والت دزني من على كرسيه وانحنى
بقبعته امتناناً، مرّ به متسول، دس كفه في
جيبه فالتوت أصابعه في فراغ رطب ، فملأ
الغضب شدقيه واحتشد في تجويف فمه لعاب لزج ،
انقذف ، رشقة أمطرت الوجه الجامد الملامح ،
انساب اللعاب ، مثلما الوقت قطرات تمسح
الزجاج.
*****
نداء خفي
تردد في سماء المدينة ، اخترق سكون
المساءات الهادئة ، (
قم فانذر ..قم … ) ، تتمات الأعمدة
الناقصة ، ذكرت الصحف ، المكان / ساحة نصف
عارية ، المجلس / قنفة،
مقصلة باردة ، الكلمة الأخيرة /ضوضاء
حذرة ، عندما تنفجر طلقة تمطر السماء
صمتاً، وفي الوقت الذي أتى وجد إسرافيل
نعليه.
تقرير الشؤون
النفسية :
وحده
يتمنطق بكسله حد الرقبة المنخورة ، يتمترس
بصمت مزيف، لاتراه
يدخن ، إلاّ أن بطانة ملابسه محشوة
بالسجائر ، لا تشعر أن له رئة تعمل ، النوم
في رأسه بطاقة دعوى ، عيناه إلى الأفق
انشغال دائم، يحتسي
خمرته في الظل ، يناقش من موقعه مسألة فلكية
، ينام مع النساء العاريات دون ترخيص
قانوني ، وفي آخر الليل يصلي ، يبكي ،
يتذكر، يعبر بنظراته حاضر الأجساد، يتراجع بين سطور
المعاجم ، يتأرشف بين أدراج المكتبة
القديمة ، في لحظة يقهقه ، يسخر ، ربما يلعن
لحظة تتمسح بقامته بائعة هوىً منبوذة ، انه
باريس الزمن الآخر ، ثم يلعنها في نفس
اللحظة ، سامد في تجهمه ، يتبادل الرسائل
والطرود البريدية ، يستلم برقيات الفاكس
بلباقة خاصة ، يعقد برنامجه ، بالشمع
الأحمر يختم مراسلاته، لم يغمض يوماً عينيه
، يرى العالم بين رموشه ، فقاعة ساخنة تصارع
لحظات النهاية ، يتحدث مع أجساد غير مرئية، تهمش الهواء بحركتها
، خاطفة تمرق في سكون ثمل ، تتابع شرود
ظلالها الهاربة ، وقبل أن يختفي يركل
الساحة بكعبه، ملاسة جلدها تدهس راحتيه، برودتها تندغم في
مساماته الثائرة فيتأفف
ويمضي .
*****
يوميات
المدينة الملائكية :
تجوال
، مشاهد يومية ، في الظلام الرطب تهجع
البيوت ، في صحوة الليل البارد ، ينمو
المشهد اليومي ، تنام المدينة ، إسرافيل
يتذكر بوقه ، الحاويات عند الأبواب ،
ماركات مسجلة ، تستر قيح الحضارة ، الكلاب
البوليسية كلاب حراسة ، ترتشف الشاي
بالحليب ، نساء ملونات ،
يتحسسن ملاسة سيقان غضة ، تبتلعهن في
المساء محفظة ثري أعور ، اللافتات تطرز
واجهات الأبنية ، المحلات تتزين بتاج
الشرفات، كارتات
السمر الليلي مختومة بالشمع الأحمر ، يرن
الجرس، تتقيا
النوافذ نوراً هشاً ، قندس يتكور في هيئة
بواب ناحل ، يتهدل لسانه ، تسيل منه نتف
لعاب كثيفة ، يرن الجرس ، إشارة البدء ،
ترتجف أطراف ، تحك أفخاذ ، هو/ يرفس الباب
بكعبه ، القندس يتابع من الثقب ، يتأفف
اليعازر ، يختض بدنه، مارد
يشق صدره ، ينفلت كالسيل، يلوث الستائر
المخضبة ، باندثار حبيبات ضوء خافت ، يرى،
يحترق ، يتبول في صندوق الشكاوي القريب من
مكانه ، يرى جلجلة رحيل المدينة إلى مخدعها
، باتت الشوارع عارية الا من بقعة ظله
المتأرجحة هنا وهناك ، يتابع اختناقات
النور في الزوايا ، تستقبله البراميل حبلى
بالأشياء ، في صندوقه دفقة أنفاس مضطهدة ،
هكذا يشعر بها ، وصرح أكثر من مرة بها ،
السماء لم تهبط بعد ، إسرافيل نفخ بوقه ،
رفع اليعازر رأسه ، دون كلام ، اغتالت صمته
حكمة المسيح ، صفقت أصداء الخطى الذاهبة
إلى مكائن تقليص العمر،
قرب أذنيه ، عبث فتح عينيه ، فرأى
السماء لم تهبط بعد ، والأشياء معلقة من
جذورها ، تذكر نيوتن ، سمد في تجهمه ، من
وراء ملامحه الضبابية ، مارس اغماضة جديدة
، لملم المذيع أوراقه وودع الناس بابتسامة
يافعة .
*****
عزيز التميمي
afa1@hotmail.com
|