العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

"عن الملائكة" أهم دواوين الشاعر رافائيل ألبرتي: تاريخ أزمة وإبداع*

 باهرة محمد عبد اللطيف/ مدريد

   يذكر الشاعر التشيلي بابلو نيرودا في مذكراته المعروفة " أعترف بأني قد عشت"- وقد ترجمها إلى العربية الدكتور محمود صبح بعنوان " أشهد بأني قد عشت" -أن ألبرتي هو: ألق الشعر المكتوب بالأسبانية. فهو ليس شاعراً مجبولاً على الشعر فحسب بل متضلع في أشكاله. إن شعره أشبه بوردة حمراء تزهر بأعجوبة في برد الشتاء، فيها ندفة ثلج من غونغورا، وجذر من خورخه مانريكه، وتويج من غارثيلاسو، وعبق حزين من غوستابو أدولفو بيكر. أي في كأسه البلورية تمتزج ضروب الغنائية الأساسية في أسبانيا".

والحق أن تجربة ألبرتي الشعرية قد مرت بمراحل متعددة، مما جعلها فعلاً تحمل خصائص الشعر الإسباني الممثل بأهم شعرائه على مر العصور.

 

   ففي عام 1929 أصدر ألبرتي ديوانه " عن الملائكة" الذي يعد من أهم أعماله الشعرية التي عبرت عن الصراعات الداخلية للإنسان المعاصر والتناقضات الحادة التي مزقت هوية إنسان القرن العشرين. وقد افتتح الشاعر بهذا العمل مرحلة جديدة من شعره، بعد سلسلة من الدواوين امتازت فيها أعماله الثلاثة الأولى: " بحار في اليابسة" و" الحبيبة" و"فجر أزهار المنثور" بانتمائها إلى النمط القائم على العنصر الشعبي، لا بمعناه المشتق مباشرة من الشعب – كما هو الحال مع  شعر لوركا- بل من الأسلوب المستلهم من تراث عميق في الشعر الشعبي الأسباني معاد إنتاجه من خلال الحس الطريف والذكي للثقافة. وفي هذا الصدد يقول أوكتابيو باث إن: " لوركا وغوروستيثا وألبرتي وخيراردو دييغو وموليناري وشعراء آخرين من ذلك الجيل، في أسبانيا وأمريكا اللاتينية، وظّفوا الأشكال التقليدية على نحو متألق. وقد علّمنا أولئك الشعراء أن الحداثة ليست في حالة خصام مع التراث. بل ويمكن أن نضيف أن الأصالة الحقيقية هي باستمرار، عودة إلى البداية: أي أن الفن هو عود متصل للبدايات"(1).

   وقد امتازت هذه المرحلة أيضاً بموسيقية البيت الشعري وطرافته فضلاً عن التوظيف البارع للعناصر الشعبية. 

   أما عمله اللاحق "جير وغناء" فقد تميز بتأثير أسلوب غونغورا فيه، بسبب من الإهتمام الذي أبداه ألبرتي وجيل الـ 27 عموماً بهذا الشاعر المنسي وسعيهم لإعادة الإعتبار إليه.

 

   إلا أن المرحلة التي تلت ذلك كانت هي فترة السريالية، إذ راح الشاعر يقدم لنا عوالم مضطربة تزخر بالقلق عبر قصائد ديوانه " عن الملائكة". وهو عمل لا يمت بصلة لأعماله السابقة –كما ذكرنا- ذات النفس الغنائي الشعبي. كما أنه لا يشبه أعماله الشعرية اللاحقة ذات النفس الثوري الملتزم الذي سيشرع به، بتأثير من الحرب الأهلية التي نشبت عام 1936, وذلك انطلاقاً من ديوانيه " الشاعر في الشارع" و" مدريد عاصمة المجد"

( 1936) أو ديوانه " من لحظة لأخرى"(1937) أو أعماله التي أصدرها في المنفى وهي أعمال استثنائية بلا شك منها: " بين القرنفلة والسيف" (1941)، "إلى فن الرسم"

 ( 1950)  وسواهما من الدواوين اللاحقة.

 

   عن قصائد الديوان

   لقد رأى النقاد في ديوان "عن الملائكة" أهم أعمال ألبرتي قاطبة لما انطوى عليه من جدة ومن تفرد في الصوت. فألبرتي يطرح موضوعات تخص النفس البشرية وعبر عنها من خلال جوقة من الملائكة الأرضية-  ملائكة لا علاقة لها بالدين- مجهولة المصدر هي رموز لقوى خارجة عن سيطرة الإنسان تبقى أبداً تعذبه, وتجعله يفقد الثقة بالأشياء والمفاهيم وبكل ما يمنح الحياة معنى، لتخلف إحساساً عميقاً بالخواء والعدمية. وهذه الملائكة ضاجة بالانفعالات والأحاسيس، بالمساوئ والعيوب، يبرز من بينها: الملاك الحربي، الملاك الغاضب، الملاك الكذّاب، الملاك الحسود، الملاك المنتقم، الملاك الأحمق، ملاك المدرسة، ملاك الرمل، ملاك المناجم، الملاك الطيب، الملاك الملاك،..إلخ.

   والكتاب بمجمله يؤلف قصيدة واحدة طويلة مقسمة إلى ثلاثة أقسام بعد  قصيدة- مدخل يطرح فيها ألبرتي موضوعة "الفردوس المفقود"، وبهذا فهو لا يقدم للكتاب فحسب بل ويعطي أيضا موجزاً له. وتتصدر كل قسم عبارة مكررة، مقتبسة من الشاعر بيكر، وهي:" نزيل الضباب". وبهذا يوحي لنا الشاعر بفكرة العجز عن الخروج من حالة التخبط، والنزوع إلى الشر الذي يجد نفسه أسيراً له. وهنا يجئ اختياره موفقاً للشاعر بيكر، المعروف بمشاعره وأحاسيسه المضطربة المعذبة في ديوانه الذائع الصيت " قوافٍ".

ألبرتي في هذا الديوان يجد نفسه محاصراً بالموت، وبهاجس " تهاوي الموت على الهيكل العظمي للعدم"، لأن " كل دقيقة تدفن جثتها بلا  اسم ، ولأن "للريح طعم الكبريت/ وللأفواه الليلية مذاق العظام والزجاج والأسلاك"، وحيث " الليالي التي تغدو فيها الساعات من حجر/ وتجف فيها القرائح/ والصمت ينتصب قروناً وآلهة قادمين". وهو يتوصل إلى استنتاج مفاده أن لا حاجة بالمرء إلى تغيير مكانه أو موقفه ليتعرف الجحيم، لأن الجحيم موجود في روح وعقل كل امرئ، حيث تتصارع جميع الخطايا، وهو لا يستثني من هذا أحد حتى نفسه، لأنه حين يتأمل ملياً أعماقه فإنه يصوره بمثابة هبوط إلى قبو عميق "في ذلك اليوم نزلتَ إلى روحك المتكلِّسة الرطبة" كما في قصيدة " ملاك الأقبية". فضلاً عن هذا، فإن عالمه يزخر بمفردات مثل الوحل والطين والروث والقطران الخرائب والأنقاض.. حتى أن الشاعر المعروف لويس ثيرنودا – من جيل ال27 أيضاً- تحدث عنها بوصفها رموزاً "لعشق ألبرتي للخرائب" في تلك الفترة من حياته.  

 

   من هنا فإن قصائد هذا الديوان إنما هي صوت واحد في حقيقتها وقد تم التعبير عنها بأشكال مختلفة ومنظورات متباينة، بخلاف دواوينه السابقة التي كانت تخلّف انطباعا بوجود مجموعة من الأصوات، إلى جانب احتفائها بالعالم الخارجي ورموزه وشخصياته وأمكنته، إذ استدعى رموزاً تاريخية وشخصيات عامة كالملك الفونسو، أو البابا، أو مصارع الثيران المشهور  " النينيو دي لا بالما" وآخرين سواهم، وكذلك أورد أسماء بعض أصدقائه ( فديريكو غارثيا لوركا، جان كاسو، كلاوديو دي لا تورّي..) واستدعى أمكنة متنوعة منها: غواداراما، نيويورك، بالوس دي موغير..وهذا بحد ذاته جعل من شعر ألبرتي الأول مسرحاً ضاجاً بالحيوية والتنوع في الشخوص والأمكنة. في حين اختفى هذا الهاجس الجغرافي وشخوصه من قصائد " عن الملائكة" ليحل محله توغل عميق في الذات بوصفها هدفاً للتأمل والتركيز، لكأن عالمه الشعري قد فقد طمأنينته وقضى على توقه للاكتشاف خارج الذات.

   ويعزو النقاد أيضاً نجاح ألبرتي في هذا العمل الشعري إلى براعته في توظيف المعادل الموضوعي، وفي تحويل هذا الكتاب إلى مشهد درامي واحد ذي خلفية متماسكة لتطوير موضوعات قصائده. وكذلك في جعله وثيقة احتجاج على العالم وعلى تردي قيمه. البرتي في هذا العمل "يبوح باكتشافاته بحتمية المعاناة من أجل العيش، وبأن واقع الموت والتفسخ أقوى من وعد الحياة الخالدة، وأن الجحيم يُرى ويلمس اكثر من النعيم، وان الدنس والخيانة قد أقصيا البراءة إلى الأبد".(2)

 

   " عن الملائكة".. الأزمة الخلاقة

   كان الناقد الإنجليزي سي.أم. باورا أول من أشار إلى الأزمة الخلاقة التي فجرت إبداع البرتي في هذا الديوان. ولعل هذه السطور من مذكرات ألبرتي نفسه تعيننا على تلمس معالم تلك الأزمة التي عصفت بالشاب ألبرتي:" ما كان ليتبعني أحد. فقد كنت شاعراً منفِّراً، جارحاً، لاذعاً لا يطاق، وفقاً للإشاعات التي كانت تردني. كنت أشعر بالكره والحسد لوضع الآخرين، السعداء جميعاً تقريباً، فالبعض ينعم بأموال ذويه، في حين أن البعض الآخر كان يمتلك مهنة تعينه على العيش بهناءة: أساتذة جامعات، رحالة يتنقلون ما بين جامعات العالم، وأمناء مكتبات، وموظفو وزارات ودوائر سياحة...وأنا؟ ماذا كنت؟ لم أنل حتى شهادة الثانوية ، أحيا في بيتي أشبه بحيوان منعزل، على عداوة مع ذويـيّ، هائماً أسير على قدميّ إلى جميع الأمكنة، أتدحرج كورقة  وقد تسربت مياه المطر إلى باطن حذائي الممزق".(3)       

   في عام الأزمة تلك كان ألبرتي يمضي أياماً بلا نوم، مسهداً عليلاً يكتب بآلية غير متعمدة، وباندفاع تلقائي. وقد بلغت به الحيرة والتمزق والعوز واليأس حد انه طلب إلى بعض أصدقائه المعماريين أن يبحثوا له عن أي عمل، وإن كان عامل بناء. لقد كانت أزمة روحية وفكرية، حياتية وعاطفية معاً، وقد أورد في مذكراته سطوراً عن التجربة العاطفية الممزوجة بظلال الخيانة التي ربطته في تلك الأيام بالرسامة الإسبانية السريالية المعروفة ماروخا مايو. بل، وعلى حد قوله، أن واحدة من قصائد الديوان، قصيدة " الملائكة الميتة"، تصلح أن تكون نسخاً لواحدة من لوحاتها:

 

" ابحثوا، ابحثوا عنها:

في أرق المواسير المهجورة

في المجرى المقطوع بصمت الأزبال

غير بعيد عن البرك العاجزة عن إيواء نجمة

أو عيون تائهة

أو خاتم مكسور

أو نجمة مسحوقة.

لأنني رأيتها هناك:

في تلك الأنقاض الوهمية التي تتبدى خلل الضباب

لأنني لمستها:

في منفى آجرة ميتة

سقطت إلى العدم من برجٍ أو عربة ما.

غير بعيد أبداً عن المداخن التي تتهاوى

أو عن تلك الأوراق الملتصقة بعناد بالأحذية

إنها تكمن في كل ذلك

بل في تلك الشظايا المشردة المتآكلة بلا نيران

في تلك الغيابات العميقة التي تعانيها

قطع الأثاث المتداعية،

غير بعيد جداً عن الأسماء والعلامات

التي ترتجف برداً على الجدران.

ابحثوا، ابحثوا عنها:

تحت قطرة الشمع التي تدفن كلمة في كتاب ما،

أو التوقيع في إحدى زوايا الرسائل

التي تستدرج الغبار.

ابحثوا عنها قرب سدادة ضائعة لزجاجة ما،

 قرب نعل  ضال في الثلج

أو قرب موسى حلاقة مهجورة

عند حافة هاوية ما".

 

 ولعل كلمات ألبرتي نفسه تفصح عن تلك الأزمة الطاحنة التي تعرض لها :

"لم يكن بوسعي أن أنام، كانت تؤلمني جذور شعري وأظفاري، وكنت أنسفح مرارة صفراء، أعض الوسادة من آلام ممضة. كم من الأشياء الحقيقية ما بين الجلاء والعتمة راحت تدفعني لأسقط، كشعاع صاعق، في تلك الهوة السحيقة! الحب المستحيل، المطعون والمغدور في عز ساعات العطاء والثقة، مشاعر الغيرة الهوجاء القادرة في هدأة الليل على نسج الجريمة الباردة المحسوبة، والظل الحزين للصديق المنتحر يرنّ كمطرقة صماء في جبيني، الحسد والكره غير المعلنين والصراع من اجل الخروج، للانفجار كقنبلة مكتومة بلا منفذ، والجيوب الخاوية التي لا تصلح حتى لتدفئة اليدين...، الأسرة..، المخاوف الطفولية...، عدم الرضا عن أعمالي السابقة...، كل هذا وأشياء أخرى كثيرة، متناقضة، متشابكة كمتاهة عصية على التفسير." (4)

 

   " عن الملائكة" والنقاد

   يؤكد الشاعر لويس فيليبه بيبانكو، صديق الشاعر ألبرتي والمطلع على ظروف ولادة ديوان "عن الملائكة"، أنّ " موضوع الحب وأسباب أخرى كانت وراء التحول المفاجئ في الأسلوب، فضلاً عن عدم الرضا عن الأعمال السابقة ورغبته في كتابة شعر آخر أكثر جدية وطموحاً، إلى جانب إحساسه بتجاوز مرحلة الشباب، وفقدان الإيمان بالدين."(5)

 

   وهو الشيء نفسه الذي أكده ألبرتي في مذكراته " الغابة الضائعة": "كنت قد خلفت ورائي قصائد دواويني: " بحار في البرّ" و" الحبيبة" و"فجر أزهار المنثور" وكانت قصائد ديواني " جير وغناء" أيضاً قد أخذت تختفي من أمامي, لأن "الملائكة" راحت تضرب روحي بشدة بخفق أجنحتها. إلا أن ملائكتي لم تكن قادمة من السماء بل كانت تظهر لي على وجه الأرض أو من الأعماق السحيقة. فيحدث ذلك لي أحياناً بينما أنا أخط ببصري فوق الأراضي الموحلة أو الوعرة أو وأنا أتطلع إلى مشاهد الخريف بأوراقه الغارقة في مياه الغمر. وهكذا اعتلت صحتي وغرقت في موجات من الضباب الدخاني وأخذت تنتابني حالات من الأرق والكوابيس كانت تجعلني أصل الفجر أحياناً وأنا مهدم متكوم على أرض الغرفة."(6)

   إن عمل ألبرتي هذا ,ككل الأعمال الكبيرة التي تبقى منفتحة على القراءات المتجددة، يحمل الكثير من التأويلات التي تصل حد التناقض أحياناً، ولو أنها بمجملها تكشف عن غنى نصوصه. وفي هذا السياق  الأخير تأتي تأويلات الناقدين ريكاردو سينابري وف. خ. ساريّا لقصيدة " ثلاثة تذكارات من السماء"، ففي حين يرى الأول أن القصيدة تشتمل على:" شبكة من العلاقات التي تشي بإرادة بناءة تنأى بعيداً عن الآلية النفسية"، فإن الناقد سارّيا يؤكد على أن القصيدة ذاتها تتضمن نماذج " ثورة لغوية" تجعله يتحدث عن" صور سريالية". ولا يهمنا هنا أيّ من الإثنين أصاب أكثر في تحليله، بل إن ما يهم هو أن الشاعر البرتي بموهبته الفذة استطاع أن يحلل عبر الشعر تلك القوى المتصارعة التي كادت تطيح به، وذلك من خلال طاقات تصويرية شديدة الاستثنائية.

   ومع أن الشاعر نفسه اعترف في أكثر من مناسبة بدوافعه الشخصية التي كمنت وراء هذا العمل، فأن بعض النقاد أصر على المضي بعيداً في تأويلاته, ومن ضمنهم كوهن في كتابه الصادر عام 1959 في لندن بعنوان " شعر هذا العصر" حين أشار إلى وجود انشغال وهم اجتماعي عميق لدى الشاعر، وإنه بهذا كان يستشرف نهاية عصر:" إن ملائكته ليست محض تجسيد لمشاعره الخاصة وحالته النفسية، بل إنها تعمل على مستوى اجتماعي. لقد أدرك ألبرتي أن ثمة كارثة قادمة، وأن يأسه نفسه ما كان إلا صدى، ليأس عالمٍ كان يتقدم بخطى حثيثة صوب الأزمة" (ص 192).

   أما الناقد س. ب. موريس فقد عزا الدافع الكامن وراء هذا العمل إلى فقدان الإيمان الديني وذلك في دراسته المعنونة: "عن الملائكة: ردّة شاعر"، إذ سلط الضوء على تجربة ألبرتي طالباً في مدرسة القديس لويس غونثاغا بنظامها الديني الصارم.

   إن ديوان "عن الملائكة" كتاب شديد الإحكام، يستعصي على أي محاولة للتحليل، من هنا فإن عدداً كبيراً من النقاد المحتمين خلف مصطلح " السريالية" تحاشوا تقديم تحليل مفصل له. ولعل ألبرتي، في بحثه عن منظومة جديدة للقيم، كان فعلاً قد اقترب من شعراء الدول الأوربية الأخرى أكثر من اقترابه من الشعراء الإسبان، وخصوصاً من الشعراء السرياليين الفرنسيين، وذلك رغبة منه في جعل الشعر أداة فاعلة، على حد قول الناقدة سوليتا ساليناس دي ماريتشال " لتحويل فنه إلى وسيلة للدعاية السياسية. إذ كانت أعمال بريتون وأراغون وبول إيلوار مثار نقاش وتحليل في الأوساط الأدبية الإسبانية...وسيكون ألبرتي في عام 1929 الشاعر الإسباني الوحيد الذي سيسلك هذا الطريق. إذ سيكتب عن الظلم الإجتماعي وسيعود البحر إلى الظهور في أشعاره، لكنه بحر من المياه الكدرة التي تصلح لأن تكون خلفية للإنسانية الجائعة والمستغلَّة".(7)

   مع ذلك فقد أعلن ألبرتي في عام 1959 أن ديوانه " عن الملائكة" إنما هو كتاب أسباني صميم" والدليل على ذلك الجذر الأسباني الطاغي لمصادره التي شملت: الشاعر بيكر والتوراة ولويولا ولارّا وكيـبيدو والأغاني الشعبية الإسبانية وأسبرونثيدا والصحف المعاصرة".(8)

   غير أننا لم نعدم ناقداً يرى في هذا الديوان نفساً روحياً صوفياً، يذكّرنا في بعض قصائده بالقديس سان خوان دي لا كروث وعمله الشعري " النشيد الروحي"، ونعني به الشاعر والناقد ليوبولدو بانيرو الذي يجد أن ألبرتي في كتابه " عن الملائكة" كان يبحث عبر الشعر عن مخرج روحي متسامٍ، أي أنه كان يمارس عملية تصعيد شعري يسمو به عن واقع إنساني مغرق في يأسه وترديه.

   على أية حال فقد انطوى هذا العمل على مجموعة كبيرة متنوعة من المصادر التي إن دلت على شئ فإنما دلت على قدرة ألبرتي على تمثل قراءاته وتجاربه وكشفت عن قدرته الخلاقة على إتقان مختلف أنواع القوالب الشعرية عبر تفاصيل لغته الشعرية الثرّة.

ومهما تكن دوافع الشاعر التي حرضته على كتابة قصائد هذا الديوان، وبصرف النظر عن كل ما قيل وما كتب من مقالات نقدية ودراسات-وهو كثير جداً – وما سيكتب في المستقبل، فإن ديوان " عن الملائكة" سيبقى واحداً من أهم الدواوين الشعرية المكتوبة باللغة الإسبانية في القرن الماضي وإشارة شعرية مضيئة على مدى تاريخ الأدب الإسباني والإنساني بوجه عام.

 

* كرست الدوائر الثقافية الإسبانية عام 2003 للاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لولادة الشاعر الكبير رافائيل ألبرتي وذلك من خلال إقامة العديد من الأنشطة والفعاليات الثقافية والإصدارات المتعلقة بالشاعر وأعماله في كافة أرجاء إسبانيا، والدراسة - وضعتها بالأسبانية وهذه ترجمتها- تأتي في هذا السياق.( الكاتبة)  

هوامش:

 

1-Paz, Octavio: Sor Angela de la Cruz, o las trampas de la fe. Barcelona, Seix Barral, 1982, p.405.

2- Morris, C. Brian: Sobre los angeles. Madrid, Catedra, 1984, p.24.

3- Alberti Rafael: La arboleda perdida. 1 parte, Barcelona, Seix Barral, 1977, p.247.

4- La arboleda perdida: pp. 268- 270.

         5- رافائيل ألبرتي:" الغابة الضائعة"، الجزء الثاني، ترجمة باهرة محمد، ص47، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1992.

6- Vivanco, L. F.: Introduccion a la poesia espanola contemporanea. Madrid, Ediciones Guadarrama, 1958, p.238.

7- Salinas de Marichal, Solita: “Los paraisos perdidos de Rafael Alberti”, p.61, El escritor y la critica, Manuel Duran, Espana, Tauros, 1984.

8- Bodini, Victor: Il poeti surrealista spagnoli: Saggio introduttivo e antologia, Turin, Einaudi,1963. p. civ.

 

   

 

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )