العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

عن تحقيق ديوان ابن المقرَّب

 

صلاح نيازي

 

قبل صدور ديوان ابن المقرّب العيوني وشرحه بجزأيْن بتحقيق الدكتور أحمد موسى الخطيب

 (عام 2000)كان ثلاثة من الباحثين الخليجيين، قبل ذلك، قد أكملوا العدّة لنشر الديوان. ومن

 الرسائل المتبادلة بيننا، وما أطلعوني عليه من وثائق، وما كتبوه، تيقنتُ أنْ ستكون بين أيدينا، طبعة معتمدة من ديوان ابن المقرّب، لأوّل مرّة.

         نشر هؤلاء الباحثون، وهم : عبد الخالق الجنبي، وعلي البيك، وعبد الغني عرفات في العدد 35 لشهر يناير في مجلّة "الوثيقة" البحرينية،  بحثاً مفصّلاً عنوانه : "في سبيل إعادة طبع ديوان ابن المقرب"، مبيّنين أهمية شرح هذا الديوان لأنه احتوى على معلومات تاريخية، ولا سيّما تأريخ القرامطة، ومن ثمّ تأريخ العيونيين، قد تكون فريدة من نوعها.

       ذكر الباحثون، معلومات مهمة أخرى، منها أنّ بحثهم عن مخطوطاتٍ جديدة لهذا الديوان، هداهم إلى "ثلاث نسخ مشروحة نادرة لهذا الديوان، يرجع أقدمها إلى عام728 هـ بحلب، وناسخها يدعى إبراهيم الحنفي نَسَباً ربّما وهذا يعني أنّها كُتِبتْ بعد قرنٍ واحد فقط من موت الشاعر"

      بالرغم من دأب هؤلاء الباحثين الأفاضل، وتضلّعهم من الموضوع وانهماكهم في التحقيق، فوجئنا بنشرة الدكتور الخطيب وكأنه لم يقرأ ما عزم عليه هؤلاء الباحثون الثلاثة. هل كان في عجلة من أمره؟

       على أيّة حال، لأنني أحد المعنيين بابن المقرّب شعراً وتحقيقاً وتأريخاً، فقد ألزمتُ نفسي بكتابة بحث مطوّل، عالجتُ فيه طريقة تحقيق الخطيب، وكيفيّة فهمه للنصّ. (نظراً لضيق المجال هنا، نستلّ من البحث جزءاً يسيراً جدّاً).

        المحقق الموثوق مَنْ يؤمن أنّ الناسخ، أيّ ناسخ، غير معصوم من التصحيف نتيجة الإرهاق من النقل. الشك في هذا المجال سبيل قويم لكلّ محقق جادّ. من ناحية أخرى، إذا تيسرت للمحقق أكثر من مخطوطة واختلفت هذه المخطوطات  فيما بينها في رسم كلمة أو مصطلح، فعلى أيّ منها يعتمد؟ يظنّ بعض المحققين أنّ المخطوطة الأقدم هي الصواب، أو هي الأكثر صواباً وربما هذا ما ظنّه الدكتور الخطيب، وهو ظنّ تدحضه التجربة تماماً، كما سنرى. العاملان الحاسمان في التحقيق هما، أولاً إذا لم تكن المخطوطة هي الأم فما المخطوطة الأخرى التي كانت تستنسخ منها؟ وثانياً ما دقّة الناسخ؟

         على الرغم من أنّ الرجوع إلى القواميس المتخصصة، مهم للغاية، إلاّ أنّ ذلك ليس الحكم الفصل. إذ إنّ الشاعر الأصيل كثيراً ما يعطي للكلمات معاني مبتكرة ذات بلاغة غير قاموسيّتها. لا بدّ للمحقق من إيجاد تلك المعاني البلاغية التي كثيراً ما تكون خفيّة لأنها من بنات العقل الباطن والتناصّ اللاواعي. لا بدّ من إيجاد العلاقات البنيوية بين أجزاء النص مهما بدا مفككاً لأوّل وهلة. ولا يتمكن المحقق من ذلك ما لم يتعرف على قاموس الشاعر الشخصي، ولا يتسنى له ذلك، ما لم يتمثّلْ نتاج الشاعر بقراءته مرّات ومرّات. بالإضافة إلى معرفة تقنيات التأليف في المادّة موضوعة البحث.

        لنضربْ بعض الأمثلة، لتوضيح الفكرة. المعروف أن ابن المقرّب نُسِبتْ إليه أكثر من قصيدة في هجاء الدبيثي وهي عموماً مشكوك في أمرها أيْ في نسبتها إليه، ولا عجب. لم يفرّق المحقق في الظاهر، بين الدبيثي المتشاعر، وهو عامل  واسط وقد فرض على تجارة الشاعر في الحديد مكوساً عالية، وبين ابن الدبيثي المؤرخ المشهور وهو من سَكَنة بغداد. الأول صابئي من حيث المعتقد، بينما الثاني مسلم. كتب المحقق في الحاشية رقم (1) ص 875 ما يلي : "والدبيثي لعلّه يقصد محمد بن يحيى الدبيثي من أهل واسط وهو مؤرخ يحفظ الحديث، توفي عام637 هـ (وفيات الأعيان1-521 )" الغريب أنّ المحقق لم ينتبه إلى أنّ الدبيثي المعني هو: محمد بن سعيد الدبيثي كما جاء في فهرس الأعلام الذي أدرجه هو على (ص 1293).

 المهم جاء في القصيدة التي ذكرها المحقق البيت التالي :

                                   " وساعة الوضع جئتَ تيناً

                                     غادرتَ وجعاءها كليمهْ"

 يفسّر الشارح معنى التين : "الولد تخرج رجلاه عند الولادة قبل رأسه". كيف قبل المحقق بهذا التفسير؟ لا بدّ أنّه  اعتمد على تصحيف الناسخ فأخذه بلا تمحيص. ينقل المحقق في الحاشية ما ذكره عبد الفتّاح الحلو(وهو أحد محققي ديوان ابن المقرّب) : "جئتَ بثناً". يقول الحلو : ولم أجدْ هذا فيما بين يديّ من معاجم اللغة".

       الصواب في قراءة الكلمة هو : "يتناً" وعلى هذا  يُقرأ صدر البيت كالآتي :

                                      "وساعة الوضع جئتَ يتناً"

جاء في لسان العرب : اليتن الولاد المنكوس ولدته أمّه، تخرج رجلا المولود قبل رأسه ويديه، وتُكرَه الولادة إذا كان كذلك، ووضعته أمّه يتناً، وقال البعيث :

                                  "لَقَى حملته  أمّهُ  وهي  ضيفة

                                    فجاءت به يتن الضيافة أرشما"

وفي حديث عمرو : "ما ولدتني أمّي يتناً".

        

           لنأخذ مثلاً آخر. قال ابن المقرّب مادحاً، (البيت55، ج الأول ص174) :

                                   "يوماه يوم ندىً   ويوم وغىً

                                   لا يوم كأسٍ رنوناة ولا طربِ"

 ينقل المحقق ما ذكره الشارح دون أن يلتفت إلى ما وقع فيه الأخير، من أخطاء شائنة. قال الشارح : "وقول العرب : أين (كذا) نرنو؟ يكنون بذلك عن  الرجل الدليل(كذا)". ثمّ نقرأ في الحاشية رقم (4)، ما يلي : "وفي مخطوطة (ب)يكنّون بذلك عن الرجل البخيل اللئيم، وفي الأصل : أين (كذا) ترنا؟"

          يمكن الاستنتاج أنّ المحقق مقتنع في الأكثر بأنّ : "أين نرنو" مصطلح يعني به العرب: الرجل الذليل. ثمّ ذكر في الحاشية أين ترنا كخطّ رجعة. ربّما.ولكنْ كيف جازت هذه الأخاليط؟

        جاء في شرح مخطوطة المتحف البريطاني رقم ( Add.7598 ) : "وقول العرب ابن ترني (كذا) يكنون به عن الرجل اللئيم". وفي لسان العرب تفاصيل وافية عن ابن تُرنى، لم يرجع إليها المحقق للأسف.

قال اللسان، قال أبو ذؤيب :

                              "فإنّ ابن تُرْنى إذا جئتكم

                              يدافع  عنيَ  قولاً  بريحا"

  قال ابن برّي : قال أبو العباس الأحول : ابن تُرْنى : اللئيم.. قال عمرو ذو الكلب :

                               " تمنّاني  ابن تُرْنى أن  يرانبي

                                فغيري ما يمنّى من الرجالِ"

            قلنا لا بدّ من إيجاد العلاقات البنيوية ما بين أجزاء النص، وإلاّ سنعرّض أنفسنا إلى أخطاء لا تليق.

 قال ابن المقرّب مادحاً،(ص 748) البيت22:

                               "كم فارسٍ أردى بطعنة ثائرٍ

                                 تدني من الأدبار حقّ المقتلِ"

البيت في وضعيته هذه مرتبك ولا يفيد معنى. يذكر المحقق قراءات أخرى : حدّ المقتل وجدّ المقتل، بالإضافة إلى أنه رسم  : الأدبار بفتح الهمزة كجمع لدبْر . ولكن ما العلاقة البنيوية لهذا المعنى في البيت؟ ولماذا فضّل المحقق، "حقّ المقتل" على القراءتين الأخرييْن؟ وما معنى حقّ المقتل؟

       ربّما القراءة الأقرب إلى المنطق، والأكثر تأثيراً هي :

                                "تدني من الإدبار جد المقبلِ"

الإدبار من أدبر، والجدّ بمعنى الحظ. أيْ أنّ وقوع الفرسان من جرّاء الطعن، يجعل حظّ المقبل على الطعان لا أكثر من النكوص على عقبيْه. أيْ أنّ الهرب بالجلد هو غاية الطلب.

جاء في البيت الثامن والثلاثين من نفس القصيدة :

                                 "وقع الصفيحة والقناة بمتنها

                                  وقع الحفاة وريشة من أخيلِ"

كيف استساغ المحقق ، الحفاة في هذا البيت ؟ ما علاقة الحفاة بطائر مشؤوم؟  وما علاقتهم بالصفيحة والقناة؟

الظاهر أنّ الكلمة الأقرب إلى الصواب هي :"الختات" ، جمع خاتية وليس الحفاة. جاء في لسان العرب : "الخاتية من العِقبان : التي تختات وهو صوت جناحيها".

 هذه مجرّد اقتباسات سريعة، الغاية منها التنبيه بتواضع. ولكنّ الكثيرين سيهيبون بالدكتور أحمد موسى الخطيب، لو انه وجد الوقت اللازم ، لتحقيق الديوان ثانية بجدّ حريص، لتكون الفائدة من الديوان حقيقية لهذا الجيل وللأجيال المقبلة.

               

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )