العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

  علاء الدين محسن / طفلُ الحروب

           

                     فاروق علاء الدين محسن

 

انتقل علاء الدين محسن - جودي التميمي - إلى الرفيق الأعلى قبل حوالي التسعة أشهر و عمره ست و أربعون سنة. لذلك فأنني لم أستطع أن أكتب سيرة ذاتية أو بحثا أدبيا عنه بموضوعية أو على الأقل بشفافية روحانية دون أي هاجس نفسي حاد. كتبت مثلا خصيصا لكم بحثا اسمه - الجنس و السياسة في "طفل الحروب" - و لكنه اتجه بسرعة إلى اشتباكات و تخبطات مع نفسي و مع الله و مع الأدباء العراقيين و مع العالم أجمع حقيقة, و فكرت في النهاية أن علاء الدين محسن لم يكن ليعجب بالنص الذي كتبته...

سأقوم إذن بذكر بعض ما ورد في آخر أحاديث لنا قبل رحيله.

يتبعه قصتين من "طفل الحروب" بقلم علاء الدين محسن.

 

***

آخر ما تحدثنا عنه كان عن أشياء متفرقة جدا. كان آخر عام دراسي لي و كنت أود - سرا - أن أترك فرنسا و أذهب للعيش في العراق, للتدريس في الأهوار. لم أود أن أفاجئ أبي بما كان يدور في عقلي فطرحت عليه بعض الأسئلة عن أصولنا العائلية و عن الناس الذين أستطيع أن أتكل عليهم في المستقبل إن ذهبت إلى العراق. فأخبرني أننا من أبناء تميم قضاء الحي, قرب الكوت. ثم قال أن للقبيلة موقعا عالميا (!) على الإنترنت أظنه بنو تميم دوت كوم تستطيع أن تزوره كي تستشفي معلومات أدق عن القبيلة و تاريخها و أشياء من هذا القبيل. و بالفعل ذهبت و اكتشفت أن تميم - مؤسس القبيلة - هو مواطن - ربما يمني ؟ - عاش قرابة الستة مائة سنة ! عاشر خلال كل هذه السنوات إبراهيم, و ملكة الصابئة, و بعدها يسوع المسيح... فانفجر علاء من الضحك عندما أخبرته بما قرأته على موقع قبيلتنا الرسمي.

و كنت - من جهة أخرى - حائرا فيما سأدرسه بعد البكالرويس إن بقيت في فرنسا و لم أذهب للعراق أو بالأحرى إن ذهبت للعراق و لم أجد فيه حبا عطرا من العراقيين. فسألته ما رأيه بالفلسفة ؟ فقال لي أنه لا يحبها كثيرا لأنها مملة. و في إطار الحديث عن عائلتنا و عن طفولته قال لي أيضا أن أباه - أي جدي - كان يشرب العرق, ربما بكثرة. و أنه كان أميّاً و تعلم الكتابة و القراءة بنفسه و توج تعلميه الشخصي بكتابة مجموعة قصصية لازلت في مكتب أبي في الرباط. أما جدتي التي انتقلت هي الأخرى إلى الرفيق الأعلى قبل خمس أو ست سنوات فكانت أمية و لم تتعلم القراءة و الكتابة. و كان - يقول - خلال طفولته يذهب إلى بغداد مع باقي الأخوة و الأبوين لزيارة مدن الألعاب الكبيرة التي كان يفرح بلعبها. و كان يحب أن يلعب لعبة الشرطي و لدي صور كثيرة لأبي في سن مبكرة و هو متنكر و يحمل مسدسا و يلعب لعبة الشرطي و السارق مع أخته إيمان. و قد بدأت تظهر ميوله الفنية في تلك الفترة فقد اخترع بنفسه آلة عرض شبه سينمائية بدائية في البيت - في الكوت! - مستعملا مصباحا و قنينة ماء أو شيء من هذا القبيل. ثم يذهب إلى السينما و يأخذ من صناديق القمامة  ما قد قطعته السينما من الأفلام التي تعرضها, و في البيت يقوم بعرض هذه الأجزاء المقطوعة مستعملا آلته التي صنعها. دهش أباه و أمه بإنجازه الصغير. و بعد سنوات عدة ترك العراق و ذهب لدراسة السينما في مصر, حيث أنه لم يكن منتميا لحزب البعث - و لا لأي حزب - فمنعوه من دراسة السينما, ثم طرد من مصر بعد معاهدة كامب دافيد .

فأكملت ما بدأه أبي و أخرجت فيلما عن العراق عرضته عليه قبل أن يموت في الرباط. قال إن فيلمي "قاس" فقلت له إن تاريخ العراق كذلك و ما قمت إلا بعرضه بطريقة شخصية... فقال تابع و ادرس سينما. فقلت له أحب الفلسفة. فقال الفلسفة مملة. فقلت لا هل تعلم ماذا قال أفلاطون ؟ و بدأت أسرد له ما حفظته في الفصل.

ثم تحدثنا عن الصيف القادم. و اتفقنا أننا سنذهب للعراق ريثما يسقط النظام. فقال لا أريدك أن تبقى هنا - معه - ولكن أن تذهب لتكمل دراستك و تنجح في الباكلرويس. فقلت لا أريد أن أبقى هنا معك و لكنه قال لا اذهب. اشتريت قرصا مدمجا يتضمن أغاني خليجية و كنت في الحقيقة أبحث عن أغنية واحدة فقط هي "ليلة" لعبد الرب إدريس. فقال أبي أنه يحبها أيضا, كثيرا. فهو في الحقيقة لم يكن يسمع إلا لسعدون جابر و أنا لا أسمع له, و كانت نقاط الاشتراك بيننا في الموسيقى هي الساهر و المقام و المدفعي و عبد الحليم و فيروز. في ليلة من الليالي اشتريت أيضا قرصا مدمجا يتضمن فيلما لعادل إمام - بداياته... فيلم مع فاروق الفيشاوي لا أتذكر اسمه - و أردت أن نشاهده مع بعض ولكن أبي لم يرد. و في الثانية صباحا اشتد عليه السعال و الضيق و الاحتضار طلب أن أذهب لأشتري له منوما من أي صيدلية. فدرت على كل صيدليات الرباط دون جدوى.

و ظل أبي يتضور من الألم لأسبوعين آخرين. وصلت إلى فرنسا و دخلت غرفتي الصغيرة في حي العرب شمال المدينة و استمعت لأغنية فيروز أعطني الناي و غني و بكيت طويلا. مات أبي بعد أسبوع.

أتذكر أننا تحدثنا أيضا عن التصوير الفوتوغرافي. و سألته مرارا إن كان يريد أن أفعل شيئا ما بخصوص مجلته إبداع ولكنه لم يجب. و رحل و تركني حائرا في ما أفعله بشأنها فقررت أن أعيدها إلى الوجود و أن أديرها. و أمضيت قرابة الشهرين أبحث في كل ملفاته عن كلمات السر التي تسمح بالدخول إلى لوحة تحكم المجلة. و عندما وجدت الكلمات التي لم تكن كالكلمات نهبت الشركة السعودية التي تستضيف الموقع كل شيء. قلت لهم ضاحكا أنني أعرف الملك فهد شخصيا و أن عبد الله ابنه صديقي و أن شيخ بني تميم عمي و أنني يعني راح أخرب بيتهم و هددتهم بالقضاء و الهداية إلى الله و الحسنى و لكن دون جدوى : نهبوا كل شيء و باعوا اسم الموقع.

و لكن كما يقول أبي :

لن تكتبوا أي شيء:

هذا هو الفرق بيننا

أن تملك كل شيء...

و لا شيء.

***

مواساة

 

علاء الدين محسن

 

عندما وضعت قدمي على أول سلم الميناء الطالع من البحر إلى المدينة، من الزرقة إلى القهوي الباهت للأسوار التي تحيط هذا العالم الذي أطأه لأول مرة، التقيت بمليكة. كانت تودع أو تنتظر عزيزا رحل أو عزيزا على وشك الوصول، ففي عينيها كان ثمة فرح مشوب بالحزن. سألتها عن الطريق إلى وسط المدينة فقالت إنها ذاهبة إلى هناك، فسرنا معا.

- أنت هنا لأول مرة؟

- نعم.

- يظهر عليك إنك أستاذ؟

- نعم.

- هل تكرر كلمة نعم كثيرا؟

- نعم.

اذكر أن حسن يوسف الشاب الخجول في احد الأفلام المصرية القديمة تبادل الحوار نفسه مع الصبية التي يهواها، ولكن حواري مع مليكة لا علاقة له بذلك الفيلم، لأنني عندما التقيتها لم أكن قد شاهدته بعد، وهي ليست صبية، وأنا لست خجولا وهي ليست فتاة أحلامي. ولكن الحوار الأول دار بيننا بهذا الشكل لأنني كنت متوترا، وهي حالتي عندما أكون مقدما على مدينة جديدة وبلد غريب علي للمرة الأولى. كانت لدي لحظتها رغبة غامضة في مشاكسة أول شخص ألتقيه هنا. وهي كانت جميلة ولا تستحق هذه المشاكسة، إلا أن اللعبة استهوتني فمضيت بها، وكل أجوبتي لم تكن، صادقة. فأنا لست أستاذا، ولكنها هذه اللحية اللعينة التي تعطيني وقارا لا استحقه. كنت مجرد عاطل عن العمل منذ زمن طويل. أما قبل أن أكون عاطلا فلم يكن لي عمل محدد، لأنني اشتغلت في كل حرفة تيسرت لي. نلت شهادة في الأدب، لا احد يشتريها في الغربة ببصلة. سألتني مليكة هل أنا جائع فأجبتها بنعم أخرى، ودخلنا مطعما للأسماك في الميناء. ونحن هناك ننتظر السمك المشوي الذي طلبناه مع نبيذ فرنسي ابيض سألتني لم لم اسألها أي سؤال حتى الآن. فقلت لها إنني أفكر فعلا بسؤالها عن اسمها ولماذا هي في الميناء ولماذا هي مبتسمة وحزينة في الوقت نفسه.

- اسمي مليكة لأنني ولدت بعد سبعة أولاد وأراد أبي أن أكون ملكتهم، ولكنني لم أكن ملكة عليهم في يوم من الأيام. لأنهم كانوا يضربونني كل يوم ويقولون إنني الجن الأسود الذي سيكون عارهم إلى الأبد. ولم أصبح ملكة إلا بعد أن تزوجني رشيد. لم يكن أول شاب أصادقه. عرفت شبانا كثيرين قبله، لأنني أحب الحياة. الم يخلقنا الله كي نحيا حياتنا؟ ألا تحب الحياة؟ أنت هنا لأنك تحب الحياة، أليس كذلك؟ أردت أن أجيبها إنني هنا بسبب الرئيس، ولكن النبيذ الفرنسي جعلها لا تسمع شيئا غير صوت رشيد وحكايتها معه، لذا واصلت دون ان تنتظر إجابة مني:

كنت ملكته. كان يحزن إذا حزنت ويضحك إذا ابتسمت ولا يخرج من الدار إلا إذا وافقت. كان يدخن ويشرب كثيرا ومنعته من التدخين والسكر فتوقف. كان يقول إنني خمرته التي تسكره طول الحياة. ثم طردوه من العمل وما عدنا نستطيع العيش على حبنا فقط، فقرر السفر إلى فرنسا. كنت هنا اليوم لتوديعه. قال لي وأنا اقبله انه سوف لن يغيب طويلا، سيعود غنيا وسوف يعود ويفتح شركة للنجارة ويعينني مديرتها. ماذا أقول لك أيضا؟ عندما أخذته السفينة بعيدا عني اكتشفت انه كان ملكي وإنني كنت جاريته.

ثم أخذت تبكي فطلبت زجاجة ثالثة من النبيذ كي اخفف حزنها، وبعد الزجاجة الخامسة قالت: لا داعي لان تذهب إلى الفندق، فبيتنا كبير وهو بعد رشيد موحش وأخاف الليلة أن أبقى فيه وحيدة. وأضافت: ثم إن الفنادق هنا قذرة وغالية. وهكذا قضيت ليلتي الأولى في هذه المدينة على فراش رشيد أواسي ملكته وأبدد وحشة الدار. وخلال عام لم يعد رشيد ولم تخفض فنادق المدينة أثمانها، والدار الكبيرة مع مرور الأيام أصبحت موحشة أكثر، وكان ضروريا ان أظل فيها، هكذا قالت مليكة، وأضافت إنني يمكن أن أظل هنا حتى لو عاد رشيد لان في سطح البيت غرفة يمكن بعد إصلاحات بسيطة أن استأجرها، وسيرحب رشيد بذلك، وحتى لو مانع فسوف تقنعه لأنه لا يرفض لها طلبا أبدا، وقالت جازمة حتى لو غيرته بلاد الفرنسيس ومانع فسوف تتركه وتذهب معي لأنها أحبتني.

وقد تعودت كلمة الحب في الروايات والأفلام، وكانت هذه هي أول مرة تقال لي شخصيا، لذا أجبتها كما في الأفلام والروايات إنني أحبها أيضا، ولن يقف ألف رشيد في وجه حبنا. ولم أكن ادري لحظتها هل أنا أحبها فعلا أم لا؟ ولكن هكذا كانوا يقولون في القصص والأفلام. الم يقلها عمر الشريف لفاتن حمامة؟ وهند رستم، ألم يقتل أحد الأخوين أخاه من اجلها؟ هذا في الأفلام أما مع مليكة فكنت كلما قبلتها وداعبت جسدها تقول إنني رقيق وان رشيد لم يكن يفعل ذلك بل كان يفعل ذلك الشيء مباشرة، ولهذا هي تحبني. وخلال حبنا اشتغلت في الميناء. كنت احمل مئات الأكياس على ظهري وأعود منهكا آخر اليوم لتتعبني مليكة أكثر. كانت لذيذة تعرف كيف تجعل جسدي المتعب يشتعل من جديد ونتبلل بالعرق وننطفئ معا.

ولم يرفض رشيد إقامتي في الدار الموحشة، لأنه لم يعد أبدا ولم تفاتحه مليكة بالموضوع. رغم ذلك لم أظل في البيت الكبير لأبدد وحشة غيابه، فقد عاد صديقه من فرنسا حاملا لها خمسمائة فرنك، وليبوح لها وبتردد إن رشيدا قد تزوج هناك، وإنهم جميعا يتزوجون فرنسيات ليحصلوا على الإقامة والعمل. قال لها أيضا إن لدى رشيد الآن طفلا أشقر اسمه ميشيل وزوجته اسمها فراسواز، وهي غنية لذا لا يحتاج رشيد للعمل وهو الآن يقضي أوقاته بالسكر. وقالت مليكة إن رشيدا لا زال يحبها لأنه عندما يسكر في بلاد الفرنسيس - كما قال لها صديقه - يناديها بإسمها فتغضب فراسواز وتضربه وتذهب لتقفل الغرفة عليها وتنام وحيدة. لكن فراسواز عندما تيقنت إن رشيدا لم يعد قادرا على مضاجعة ذبابة بسبب سكره، صارت تنام مع صديقه الذي هو للأسف مسلم ومن بلده ورغم ذلك لم يجد حرجا في النوم مع زوجة صديقه.

عندما سمعت مليكة كل ذلك غضبت وبكت، ولكنها لم تضربني كما ضربت فرنسواز زوجها، ولم تكن بحاجة لان تفعل ذلك لأنني لست زوجها، ولأنني لم أهاجر إلى فرنسا، ولم أعدها بالثراء وبمصنع للنجارة تكون مديرته، ولم أنجب ولدا اسمه ميشيل. لذا اكتفت بطردي من البيت وهي تصرخ وتنتحب بأن الكلاب أحسن منا نحن الرجال لأنها وفيه.

ذهبت إلى فندق المسافرين بعدما غادرت فراشها، وهناك اكتشفت إنني أحبها، وإنها ملكتي وجسدها هو الذي يعطي لأيامي رائحتها. ومع كل امرأة كانت تندس في فراشي كنت أتذكرها. فهي المرأة التي وضعت بين يدي جسدا ومدينة وبلدا، وكانت اللذة والدليل والمفتاح. وكنت ككل الغرباء أتوق إلى سرير دافئ وجسد يطمئن إليه ويعرف طقوسه وخرائطه بدل الوطن الذي ضيعه. مليكة كانت امرأة يظل عطرها وشهقات نشوتها عالقين بذاكرتك إلى الأبد.

**

هذا الصباح رأيتها في الميناء. أنا راحل إلى بلد آخر، وهي تودع أو تستقبل شخصا ما. شهقنا لرؤية بعضنا. قالت إنها هنا لوداع زوجها المسافر إلى فرنسا. وقالت إنني أعرفه فهو صديق رشيد الذي جاءها بخبر زواجه. انه ليس مثلك أيها الغريب الذي قلبه من حجر والذي لم يسأل عني لمجرد إنني غضبت منه في لحظة يأس من الدنيا والناس، فهو استمر يواسيني ويعالج وحشتي بعد صدمتي برشيد، حتى تزوجنا. مسحت دموعها وأضافت إنني يمكن أن أعود إلى البيت لان حياة الفنادق القذرة لا تليق بي والبيت سيكون موحشا ابتداء من الليلة.

 

 

همبرغر  

علاء الدين محسن

2030/3

ترك لي شقة من غرفة وحمام وأوصاني أن ادرس الحقوق ومات. كان حلمه أن يرى اسم ابنه المحامي معلقا على باب تلك الشقة الصغيرة وسط البلد. أقنعت نفسي إن من المهم للكاتب والصحفي أن يتمرس في مكر القوانين، لذا درست الحقوق كما أراد، ولم أدرس الأدب كما كنت أريد. شعرت بالارتياح لأنني نفذت الشق الأول من وصيته، ولكنني لم أصبح محاميا. علقت يافطة على باب الشقة يبرز فيها اسمي بحروف كبيرة وتحته كلمة باحث. لم أتمرن في مكتب للمحاماة بعد إكمال دراستي ولم أسجل نفسي في نقابة المحامين، لذا لم يكن بإمكاني أن انتحل صفة المحامي لإرضاء ذلك الرجل الطيب في قبره. باحث؟ نعم! كما تقول اليافطة المعلقة على الباب. ولكنني لم أكن ابحث في شئ أو عن شئ. اكتب أربعة أو خمسة مواضيع في الأدب أو المسرح أو السينما وأرسلها إلى جريدة المساء، وتأتيني آخر الشهر عشرة أوراق صفراء بالكاد تكفي لسداد إيجار غرفتي وثمن سجائري وبنزين دراجتي. ولكن محاسب الجريدة كثيرا ما كان يسهو عن تحويل مستحقاتي، فأجد نفسي لعشرة أو عشرين يوما وليس في جيبي ما يكفي لشراء ساندويتش صوصيز. وفي حالات كهذه تتدخل نادية لإنقاذي. تعمل نادية ممرضة في مستوصف للأطفال، خلال فترة الراحة مابين الثانية عشرة والثانية تركب دراجتها وتأتي إلى المكتب. تجدني جالسا خلف ذلك المكتب الخشبي الضخم الذي اشتراه المرحوم من محل للأثاث العتيق، اكتب شيئا ما أو أقرأ شيئا ما. تذهب إلى الحمام مباشرة لدقائق، ثم تأتي وتتسلل تحت المكتب مثل قطة، تصل إلى هناك، وتدس أصابعها...

في الثانية عشرة وعشرة دقائق تدخل نادية المكتب. ويجب أن لا يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة، لدينا بعد ذلك ربع ساعة لأكل الهمبرغر الذي تجلبه معها. بعد ذلك لديها عشرة دقائق أخرى للاغتسال، ثم تركب دراجتها لتكون في الثانية تماما في المستوصف. نحن هكذا منذ عام، هي حريصة على اخذ حصتها اليومية من الحب، وأنا أتلذذ بألاعيبها السحرية وبالهمبرغر، واكتب مقالاتي عن الأدب والسينما والمسرح.

2030/10

لم تأت نادية اليوم وحيدة. جاءت معها صديقة قالت إن اسمها سميرة وإنها طبيبة انتقلت إلى المستوصف حديثا. عندما دخلت نادية إلى الحمام أومأت إلي كي التحق بها. أغلقت الباب وهمست في أذني أنها حدثت سميرة عن الهمبرغر الذي نتناوله معا، فطلبت أن تذوقه. قلت لها: والعمل؟ قالت إنها ستسبقها أولا وتتركها معي وتغادر، لأنها طبيبة ويمكن لها أن تتأخر عن العمل إذ لا احد يحاسبها.

- ألا تغارين؟ سألتها.

- ولماذا أغار وما بيننا مجرد لعب في لعب؟ أجابت ضاحكة. وأضافت:

- العب معها جيدا فهي لم تعرف رجلا من قبل.

عندما خرجنا من الحمام غمزت نادية لسميرة وأشارت لها إلى غرفة الحمام. ذهبت سميرة إلى هناك وأغلقت الباب، وتسللت نادية تحت المكتب مثل قطة كما هي عادتها.

قبل أن تغادر انحنت لتقبلني فهمست في أذنها أن جيبي فارغ. فتحت حقيبتها وأخرجت ورقة دستها في جيبي. دقت باب الحمام، وودعت سميرة وغادرت إلى دراجتها.

خرجت سميرة من الحمام سكرانة. أصواتنا أسكرتها. رجوتها أن تجلس وترتاح. أعطيتها مارلبورو. آخذت منها نفسين وكسرتها في المنفضة بعنف وقامت. فتحت أزرار صدريتها ونزعتها. رمتها على الكرسي. يا إلهي. لم تكن تلبس شيئا تحت الصدرية.

- بسرعة. قالت بشفتين ناعستين.

قبلتني قبل أن تخرج. قالت إن الهمبرغر لذيذ جدا، وإنها ستعود. فتحت حقيبتها وأخرجت ورقة ودستها في جيبي.

عادت بعد يومين ومعها شابة تلبس الجينز.

- كريمة، قريبتي، طالبة سنة رابعة أدب إنجليزي.

- تشرفنا.

- تشرفنا.

لم تذهب كريمة إلى الحمام ونحن نأكل الهمبرغر. ظلت في الغرفة تراقبنا ونحن نلعب. لم العب أنا كما ينبغي، فقبل سميرة كانت هنا نادية، ومزاجها اليوم كان مفتوحا للآخر لذا لم تكتف بهمبرغر واحد. غادرت سميرة وبقيت مع كريمة. لم يظهر عليها إنها متعجلة أو مستثارة، لذا تحدثنا عن ت. س. اليوت. قالت إنها لا تحب شعره، فأجبتها: وأنا أيضا. قلت لها ذلك رغم إنني لم اقرأ الكثير من الشعر الإنجليزي، لأن معظم قراءاتي كانت للأدب الفرنسي. وقالت أنها لا تحب قراءة الشعر العربي لأنه معقد وغامض ولا تجد فيه تلك الومضة السحرية المدهشة التي يجب أن تتوفر في كل قصيدة جميلة. اختلفت معها هنا وقلت لها إن هناك أشعارا عربية في منتهى الجمال ربما لم تطلعي عليها لأن اهتمامك منصب على الأدب الإنجليزي. كانت قد انتقلت قربي وجلست على زاوية المكتب. فجأة قالت:

- أين الهمبرغر؟ هل سنظل نتحدث عن الأدب؟

باغتني سؤالها، وقبل أن أجيب كانت قد تمددت على المكتب وشفتاها فوق شفتي. سحبت لساني وأخذت تمصه بتلذذ. دفعت نفسها أكثر وصار رأسها في حضني.

- هل قرأت رواية الوردة البنفسجية؟ سألتني.

- لا.

- أنا سأرويها لك. وفتحت أزرار قميصها. كانت خبيرة بكل ما يجعل الجسد يرتعش ويتلذذ.

- هذا هو الفصل الأول من الرواية. قالت.

ثم انحنت على المكتب وقد أعطتني ظهرها.

- هل اقرأ لك الفصل الثاني أم تؤلفه بنفسك؟ تقول انك كاتب أليس كذلك؟

زجاج المكتب كان باردا، أو هي ادعت ذلك، لذا طلبت مني أمد كفاي تحت نهديها لتدفأتهما. بهذه الحركة، أصبحت وراءها تماما. الفصل الثاني من رواية الوردة البنفسجية كان طويلا، وفيه تقلبات كثيرة، وعنف ووضعيات لم أكن اعرفها ولا كنت مستعدا لها، فبعد المكتب تمرغنا على غبار ارض الغرفة، ذرعناها طولا وعرضا، مسترشدا بفطرتي أو منفذا إرشاداتها، أو بالأحرى إرشادات ذلك الروائي المجهول الذي لم أعرف أسمه بعد. وعندما همدنا معا سألتها وأنا ألهث:

- كم فصلا في هذه الرواية اللعينة؟

- أوه. إنها طويلة جدا. 600 صفحة تقريبا، ولكننا سنقرأها على حلقات. لنترك الفصول الأخرى إلى الأيام القادمة. أجابت.

2031/3

أصبح أمر الهمبرغر بحاجة إلى تنظيم. اشتريت ثلاثة هواتف نقالة، كل واحد منها له تخصصه، وأصبحت ارتب مواعيدي. لم يعد الأمر مقتصرا على ممرضات وطبيبات المستوصف وطالبات الجامعة. خبر الهمبرغر وصل إلى الموظفات والزوجات التعيسات. لم اعد أكتب شيئا إلى جريدة المساء ونسيت القوانين التي درستها. كل واحدة منهن تفتح حقيبتها قبل أن تخرج وتدس ورقة في جيبي. كنت أتجنب المتزوجات ما استطعت لان مشاكلهن كثيرة. الواحدة منهن تريد تعويض جوع عشر سنين من الزواج البائس في نصف ساعة، والعلاقة معهن، إذا وقعت مشكلة، لها تبعات قانونية كبيرة، بالإضافة إلى أن أزواج بعضهن قد يكونوا من العاملين في الشرطة. الشابات العازبات والعوانس والمطلقات والأرامل اسلم. عندما أغادر مكتب أبحاثي على دراجتي البخارية متوجها إلى غرفتي على البحر، أمر ببار السعادة واخذ زجاجتي نبيذ، اشربهما وأنا أصغي إلى صوت البحر، ثم أنام في مكاني مهدودا.

2031/9

مجلة "كل ما يحدث" نشرت تحقيقا عن ظاهرة أسمتها "الهمبرغر في المكاتب" قالت فيه إن مشكلة البطالة ازدادت استفحالا في بلادنا، وان الشباب العاطل بعد أن انتظر طويلا ودون جدوى قيام الحكومة بتوفير فرص العمل، قرر أن يحل مشكلة بطالته بنفسه. قاموا في البداية ببيع دمائهم إلى المستشفيات الخاصة، ولكن التبرع بلتر من الدم يتطلب راحة وتغذية جيدة، وهم ليس لديهم ما يسدون به الرمق، لذا وجدوا حلا أفضل: أن يبيعوا فحولتهم.

2031/11

جمعية "امرأة العصر" نظمت ندوة لمناقشة ظاهرة "الهمبرغر في المكاتب". فوجئت عندما قرأت أسماء المشاركات فيها ووجدت بينها اسم سميرة الطبيبة التي لم أنس عطر زهرتها الباريسي الفواح. سميرة قالت في الندوة إن في بلادنا الكثير من النساء التعيسات المحرومات اللواتي فقدن الأمل بالزواج لان الشباب عاطل ويائس ولا يستطيع أن يضع تكوين أسرة ضمن اولوياته. سميرة قالت أيضا إن ظهور ما أصبحنا نسميه بهمبرغر المكاتب هو حيلة لجأت إليها جميع الأطراف لتلبية مطلب إنساني ملح لديها: الإشباع العاطفي والاكتفاء المادي. ضحكت وأنا اقرأ ما يدور في الندوات وما تكتبه الصحف. لم أكن أتصور إن لعبنا أنا ونادية وصديقاتها سينتشر، وسيتلقف الفكرة شباب يائسون ونساء تعيسات، وتصبح متعتنا السريعة ظاهرة ومهنة ويصبح لها اسم حركي ووصف وتحليل.

2032/2

اجتمعت الحكومة لمناقشة ظاهرة الهمبرغر في المكاتب بعدما كتبت جريدة المعارضة عن تفشي الرذيلة في البلاد. في بداية الاجتماع ذكّر الرئيس الوزراء بأن الأمر لا يتعلق بتقاعس من جانب الحكومة في معالجة البطالة لأن الميزانيات السنوية زاخرة بفرص العمل، وفي برنامجنا اننا سنقلص نسبة البطالة إلى اقصى حد خلال عشرين سنة، وهذا معدل قياسي بالنسبة لبلد مثل بلدنا وظروفنا القاهرة. وقال وزير الشرطة إن الأمر يتعلق في الحقيقة والواقع بشرذمة من النساء والرجال المنحرفين. وقال وزير المجتمع إن الأمر لا يتعلق بمشكلة البطالة المزعومة، فالنساء المتزوجات والموظفات لسن عاطلات. ردت عليه وزيرة شؤون النساء: ولكنهن تعيسات ومحرومات. رد عليها رئيس الوزراء بعنف: وماذا تفعل لهن الحكومة؟ نصدر قانونا يجبر الأزواج على تدليل نسائهم؟ وزير الألعاب كان يتمتع بروح رياضية لذا قال انه خلال وجوده في المكتب يتصل بالبيت أكثر من خمسين مرة ليطمئن إلى أن زوجته هناك. رد عليه وزير الثروات: أنت لا شغل لك غير الإتصال بزوجتك ولهذا بلدنا يخسر كل مبارياته الرياضية. ثم اختلف الوزراء حول التكييف القانوني لظاهرة الهمبرغر. وزير المحاكم قال إنها ليست دعارة، فليس هناك قوادون ولا عاهرات. وقال الرئيس: الدستور يكفل حرية المواطن ولا نستطيع أن نمنع مواطنة من زيارة مواطن في مكتبه، ثم إن ما يتم داخل المكتب يتم برضا أطرافه لأن مراكز الشرطة لم تتلق أية شكوى تتعلق باغتصاب أو ما شابه. وطالب وزير تراث الأمة بتأسيس شرطة خاصة لمحاربة الظاهرة. ورد عليه وزير الترويح عن الشعب قائلا: أمركم عجيب يا إخوان. مواطنون يأكلون الهمبرغر بطريقتهم، لماذا تدس الحكومة انفها في هذا الأمر ونحن بلد ديمقراطي؟ وزير محاربة الأمية الذي ظل صامتا طوال الاجتماع طالب بفرض ضريبة على همبرغر المكاتب لدعم اقتصاد البلاد. وزير الكومبيوتر قال إن الأمر مهم ويحتاج إلى دراسة علمية واقتصادية وسوسيولوجية وقانونية متأنية، واقترح إحالته إلى لجنة مختصة تدرسه من جميع النواحي. صفق الوزراء للاقتراح واسندوا إلى الرئيس مهمة تشكيل اللجنة. وعلى غير العادة لم تبث الإذاعة ولا التلفزيون بلاغا يخبر المواطنين بما دار في هذا الاجتماع.

2032/3

لم تعد شقة المرحوم تسع أعمالي، لذا احتفظت بها للذكرى وانتقلت إلى شقة اكبر في الحي التجاري بالمدينة. وضعت على باب الشقة يافطة مكتوب فيها اسمي بحروف كبيرة وتحته صفتي الجديدة: باحث واستشاري في الصحة العاطفية.

في الشقة الجديدة خصصت غرفة للإنتظار وغرفة للإستقبالات. في الثانية تجلس كاتبة تسجل المواعيد على الكومبيوتر وتتلقى الاتصالات، وتنظم الدخول إلى مكتبي حسب الدور وتعد الشاي والقهوة والعصير والكابتشينو. وفي الأولى موسيقى رومانسية هادئة وعدة نسخ من رواية الوردة البنفسجية بلغتها الأصلية الإنجليزية وبترجمتها الفرنسية. وفي مكتبي أيضا نسخ أخرى من الرواية، فهي بمثابة دليل للخدمات التي يقدمها المكتب، فبعضهن يحببن الهمبرغر على المكتب، وبعضهن يحببنه على الجدار، وبعضهن يفضلنه على الأرض. إنها عشرون دقيقة يمكن لهن اختيار ما يعجبهن خلالها. وجبة عاطفية سريعة حسب الذوق والمزاج. ومنذ وقت مبكر حميت نفسي من الأمراض، لذا في أدراجي هناك دائما علب من الأغشية الواقية المختلفة الألوان، ويمكن لمن ترغب أن تختار اللون الذي يعجبها. كثيرات كن يخترن اللون البنفسجي، ربما بتأثير اسم الرواية. كذلك وضعت أسعارا محددة لمختلف الاستشارات، وخاصة تلك التي تتطلب وقتا أطول أو مجهودا اكبر. خدمة واحدة بقيت مصرا على عدم تقديمها وهي توصيل الطلبات للمنازل. بالإضافة إلى شقتي القديمة احتفظت أيضا بغرفتي على البحر ولم أبدلها أبدا. في احد الأيام زارني في المكتب صديق لي من أيام الجامعة. باعدت بيننا الأيام والسنين وانقطعت عني أخباره، ولم يعد بالنسبة لي سوى زميل قديم من فترة الدراسة. اخبرني إن جميع خريجي دفعتنا افتتحوا مكاتب مشابهة في العاصمة والمدن الأخرى. لا تزال في رأسه بقايا أفكار يسارية من مخلفات فترة الدراسة لذا شتم الحكومة الفاسدة وعصر العولمة اللذين أوصلانا إلى هذه الحالة. ثم اقترح علي أن ندمج مكتبينا، لنستفيد معا خاصة وإننا نعمل في مهنة ليس فيها تقاعد أو ضمان صحي، وشرح إن الدمج سيجعلني أعوضه أو يعوضني فيما إذا مرض احدنا أو رغب في اخذ عطلة، وقال إننا في المستقبل يمكن أن ندعو آخرين للاندماج معنا ونؤسس مكتبا اكبر وربما شركة عملاقة للاستشارات العاطفية، ويكون لها فروع خارج البلاد. طردته. قلت له أنا لست عاهرة، واقتراحه يعني، عمليا، أن نفتح بيتا للدعارة. وكدت أضربه عندما أجابني: وماذا نحن الآن؟ لولا إن سكرتيرتي دخلت عندما وصلها صوت شجارنا وجرته إلى خارج غرفتي. إلا إن واحدة من أفكاره بدت لي معقولة عندما تأملت فيها بعد ذلك بهدوء وهي تأسيس نقابة لشباب الهمبرغر. وظهر لي الاقتراح مغريا، فنقابة مثل هذه لو تأسست ستكون أقوى من كل النقابات والأحزاب في البلد، وخاصة إذا كان قانونها الأساسي يسمح بعضوية المستفيدات من خدماتنا أيضا. وقررت أن اتصل به لاحقا وبعد أن تهدأ الخواطر لمناقشة الاقتراح بتعمق.

الأعمال الكاملة لعلاء الدين محسن :

http://www.alladdin-mohsin.net/

 

 

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )