|
 |
د.إسماعيل
نوري الربيعي
imseer@yahoo.com
الانكفاء
على الذات |
في سعير
السؤال حول الشأن العراقي،والذي لا يعرف
للانطفاء سبيلاً،يكون النقد الداخلي في
أشد حالات الحاجة حضورا وأهمية،حيث الرغبة
المتطلعة بكل قوة نحو التأسيس لرؤية
قوامها الوضوح والتكامل،حول هذا الكم من
الاضطراب الذي جاء ليتعالق وينتشر ويبث
آثاره الى الواقع.وإذا كانت الأسئلة تفرض
بحيرتها على هذا التعالق الكثيف الذي جاء
ليقلص مساحة الوضوح الى أقصى ما يمكن،فإن
البحث في التفاصيل التي يعوزها نظام
العلاقات،حيث الانفراد الفاضح للعناصر
التي تغيب القدرة على تحليلها،باعتبار
غياب التعالق مع العناصر الأخرى،وحالة
التشظي التي تفرض بسطوتها على مجمل
العناصر،هذا مع أهمية الوقوف على قيمة
العنصر الذي يستمد هويته من طبيعة
العلاقات المتقابلة مع العناصر الأخرى.
هاهي ذي
الأشكال المختلفة والمتنوعة،تفرض بحضورها
على الواقع العراقي،حيث الانغماس في تحديد
الهياكل التي غدت أصلاً رئيساً،على حساب
المضمون الذي يفترض فيه أن يكون مادة
الصياغة التي تشكل الوعي السياسي لعناصر
الفعل المباشر داخل النظام الاجتماعي
وعلاقته السائدة.وإذا كان الدرس البنيوي
يؤكد على أهمية النظام الشامل المحتوي على
الكلية التي تتيح القدرة على تحليل
العناصر الفاعلة داخل الوسط
الاجتماعي،فإن منطلقات الشمول يكون
مستندها اعتمادا على البحث داخل العلاقة
القائمة بين العناصر،وليس حالة الانعزال
والانفراد الذي يمكن أن تظهر عليه العناصر.ومن
هذا الواقع يكون التطلع نحو فكرة النظام
الذي يتم من خلاله الولوج في إمكانيات
التطبيق على المجمل الواسع والكبير من
الظواهر.حيث التوجه نحو الخلاص من حالة
الاضطراب الذي يمكن أن تحدثه حالات
الانكفاء على الذات والإيغال في الانعزال.ومن
دون الانشغال الانهائي في التوزيعات
القائمة على الكلي الشمولي،بازاء الفردي
المعزول،لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار
توجهات منهجية استند في مسعاها المعرفي
نحو الاستناد الى ترصد الوحدة ذات السمات
الخاصة والعمل على التمعن والتبحر داخل
العلاقات الداخلية الفاعلة فيها.ومن هذا
المعطى يبقى التوصيف البنيوي،يمكن إمعان
النظر في تعالقات الظاهرة العراقية،لا
سيما على مستوى توزيع عناصر الفعل
الاجتماعي انطلاقا من أنساق العلاقات
السائدة فيه،حيث البحث عن نظام كلياتي
شامل وموحّد،يتم من خلاله النظر الى
المجتمع العراقي بوصفه جهازا قادرا على
الفعل والتأثر والتأثير.وإذا كان التذرر
يفرض بقسماته على الراهن الذي يشي بالعتمة
المقيتة،فإن استشراف مجالات الضوء تبقى
أصلاً لا يمكن الحياد أو التنازل
عنه،باعتبار إرادة الوجود والإصرار على
البقاء والحياة.ومن هذا الشد والجذب الذي
يقود العلاقات في مناخ ملؤه الاحتدام
واللاجدوى وانعدام الاستقرار،يكون الخاسر
الأكبر وسط هذه اللجّة التي لا تني من
توسيع مجال صخبها،المواطن الذي بات يشكل
وحدة خاصة تعمل على تحديد مسار العلاقات
الداخلية المتعلقة بها.
التحدي
الثقافي
في الدرس
الثقافي لم يتردد مفكر من وزن إدوارد سعيد
عن الإشارة الى أهمية اكتناه التاريخ
واستجلائه كبديل عن حالة القمع والإنكار
المتخشبة على واقع التفاعل المباشر معه.وبالاقتراب
المباشر الى مرتكزات الوعي التاريخي
السائد في المجتمع العراقي،يكون الوقوف
الى هذه الحدة العميقة وردة الفعل المغمسة
بالانفعال والاستهجان والرفض الشديد من
مختلف الشرائح،إذا ما طرحت المسألة
الطائفية.لكن التداولات الفرعية وأحاديث
المجالس الخاصة تكشف عن تداولات من نوع
آخر،قوامه الكشف المباشر والتوزيع العميق
للعلاقات السائدة بين الأطراف.وإذا كانت
ذائقة التلقي العراقية قد استقبلت أبيات ((المستحيلات))
للشاعر المُلاّ عبود الكرخي بأريحيّة
وانسجام.
فإن ردود
الأفعال بازاء طروحات عالم الاجتماع
الكبير علي الوردي،قد وجدت أنواعا شديدة
الاختلاف من الاستجابات والتلقيات.حتى
ليكون السؤال حول أثر جنس الكتابة في
الذائقة والمزاج العراقي،حيث التفريق ما
بين الشعر والنثر.أم أن مدى الخرق للمسكوت
عنه،كان أشد إيغالاً عندما تصدّى له
الوردي،بمبضعه التحليلي الناقد للظواهر
الاجتماعية.وإذا كانت سخرية الكرخي قد طغت
على نصّه،فإن الوردي بسهله الممتنع،كان
يعي جيدا عمق المأزق الذي ولج فيه،لكنه
التحدي الثقافي الذي آثر الخوض فيه،الى
الحد الذي تحمل عواقبه عزلاً وإقصاءً
وتهميشاً.
نعود هنا
لنسأل عن مدى المأزق الذي يحيط
بالبلاد،حتى ليكون السؤال؛متى يكون
العراقّي طائفيا،ومتى يكون سياسياً،وأين
هي مساحة الثقافي والتاريخي والتحليلي
والنقدي.وهل العراقي متديّن بطبعه،أم
علماني بالفطرة.ومن أي كوّة يمكن استحضار
مشاعر الوطنية،وما الذي يجعل من مفاهيم
مثل ؛ ((التحرير،الاحتلال،المقاومة،الانتماء))
في غاية الاضطراب والتداخل،الى الحد الذي
يتنادى البعض بأهمية عقد مؤتمر وطني من أجل
تحديد المفاهيم والمصطلحات.
لقد تنادى
العراقيون جميعاً وتوحدّوا ذات يوم،حول
إنكار القمع ونبذه وأهمية الخلاص منه.لكن
الوقائع التي تترى في راهنهم تفصح عن
تداخلات شديدة التعقيد،ومن دون الإفراط في
التشاؤم،أو حتى الانغماس في التفاؤل
المنفلت،لا بد من التنبّه الى سيل
التداخلات الجارف الذي يحيط بهذا
الشعب،الذي عانى من الويلات والحروب
والتجويع والتقتيل.وليس من البطر أن يكون
من حقه أن يعيش لحظة سلام وانسجام ومصالحة
مع النفس أولاً ومع الواقع تالياً.والأمر
برمته لا يأتي من النوايا فقط أو الانخراط
في المقولات الجوفاء،بل يستدعي المزيد من
نكرات الذات والعمل على تقديم مصلحة
الوطن،الذي يعني الإيثار
والتضحية،والإيمان العميق بأن الوطن يعني
المستقبل،الذي يستوعب الأحلام والآمال
والطموحات بعيداً عن الأنا والجماعة
والطائفة.
الفعل
الاجتماعي
ما
الذي يجعل من الفعل الاجتماعي وقد تعرض
للغياب بطريقة ملفتة،هل يكمن الأمر في
غياب السلطة السياسية،ليكون التوصيف
مقرونا بهذا العامل الذي لا يتردد العرب عن
استحضاره وتقديمه على العوامل الأخرى.أم
أن الأمر يتعلق بغياب الفعل الاجتماعي
لتكون النتيجة وقد تعالقت عند الإخفاق في
إمكانية الوقوف على النسق الخاص بالفعل
الى الحد الذي يعسر فيه إخضاعه للتحليل
والدرس.وإذا كانت الشكوى تضج حول غياب
النسق والنظام الذي يميز سمات الفعل،فإن
الواقع يبقى متواشجاً مع العناصر الرئيسة
المؤلفة له.حيث إمكانية الوقوف على
الأجزاء والتي ترتبط فعاليتها بالمعايير
السائدة داخل الوسط الاجتماعي،والتي يتم
توجيهها من قبل أشخاص بعينهم لأهميتهم
الاعتبارية،المستمدة من المكانة المتحصلة
عليها،إن كان على مستوى الوجهاء أو السراة
أو الشيوخ أو موجّهات العامل الديني.ولا
يتوقف الأمر عند تأثير الموجهات الصادرة
عن السمة الشخصية،بل أهمية ((العلاقة)) تكون
بمثابة المقياس الرئيس نحو ترصد أهمية
الفعل الاجتماعي،باعتبار البحث عن قوة
الترابط مع الجماعات أو الأفراد
المؤثرين،من أجل الوقوف على الدور الفاعل.
من
هذا المعطى يبرز الواقع العراقي وقد
تغلفته جملة من الخطابات
المتقاطعة،باعتبار توزيع الأدوار
المباشرة.فمجلس الحكم الانتقالي على سبيل
المثال،بقي محصورا في الإطار الرسمي الذي
حددته جملة من المعطيات المباشرة المتعلقة
بالمبادرات الصادرة عن قوات التحالف والتي
غدت قوات الاحتلال لاحقاً.فيما يكون الدور
البارز للخطاب الديني باعتبار القدرة على
المرونة والاتصال الشديد مع الوسط
الاجتماعي.حتى أن المبحث الرئيس صار يتطلع
نحو الكشف الشديد عن القيادات المرشحة لدى
الأطراف الأخرى،بحساب لحظة الإمعان في
الفعل الذي تتم ممارسته داخل الأوساط
المتقابلة.وإذا كانت بعض الجماعات قد
تحصلت على قيادات تملك الموجه
المعياري،فإن جماعات أخرى صارت تبحث وبكل
قوة عن البديل الكامن في التراث القريب،في
محاولة لاستعادته،ليس من منطلق الحنين أو
الرغبة أو الشغف بهذا النموذج،بقدر ما
تكون عبارة عن ردة فعل بازاء الفراغ الذي
تعاني منه هذه الجماعة،حول مسألة القيادة.
معادل
الارتباط الرئيس هنا يتعلق بأهمية الإعلاء
من شأن الفعل المشترك والتطلع نحو تكريس
وحدة الجماعة،باعتبار الكليانية التي
يمثلها الانتماء الى العراق،ذلك الوطن
الذي يستوعب الجميع.ومن هذا تبرز أهمية
الوقوف على هذه الوحدات الفرعية،التي لا
ينبغي الوقوف على أهمية الانتظام الداخلي
فيها،بقدر ما يكون الاتجاه نحو توجيه
النظر الى ضرورة الانتظام فيما بينهما،من
خلال توكيد مجال النموذج والدور والجزاء
الذي يمكن أن تحظى به.وصولاً الى ترسيم
معالم النسق الذي يحدد سمات الجماعة،التي
ينظوي تحت ظلها الجميع،من دون الانزواء في
مخاضات الوحدات الفرعية.
آليات التغير
الاجتماعي
الجميع
يتنادى بانتمائه الى العراق،ويندرج بكل
قوة في تعداد فضائل التعددية التي ينطوي
عليها هذا الوطن،الذي ابتلى بحرائق أنابيب
النفط وتفجير البنى الارتكازية وتقتيل
رموزه الوطنية والدينية،وسرقة كنوزه
الثقافية،وانتهاك حرمة أمن أبنائه،وغياب
الخدمات الرئيسة فيه،فيما يتنادى البعض من
العقلاء قائلين : ((سيئات الحرية خير من
فضائل الاستبداد)).لكن الملفت في الأمر
يبقى قائماً على هذا الانطواء شديد التوقف
حول علاقات التبادل بين ((السيئات والفضائل))
من دون إفساح مجال التفكير للحظة
واحدة،حول توجيه هذه التبادلية في صلب
العلاقة القائمة بين الوحدات الفاعلة.
على أية حال
لا يمكن إنكار أفق التوقع الصادر من قبل
الجماعات الأخرى،حول فاعلية الدور الذي
يمكن أن يؤديه عنصر بذاته أو جماعة بعينها
باعتبارها وحدة فاعلة داخل نسق شامل يحتوي
المزيد من الأدوار التي يؤديها الآخرون.ومن
هذا المحتوى تبرز أهمية التتابع الذي يحدد
مجال الفعل بين العناصر والوحدات،لكن عنصر
الاستحداث يبقى ماثلاً في صلب هذه
العلاقة،باعتبار التحولات الطارئة التي
يعيشها العراق والتبدّلات الواسعة
والقاطعة التي نالت صلب بنية النظام
الاجتماعي.الى الحد الذي يتبدى فيه هذا
الوطن وكأنه أرضاً بلقعاً،لا يملك مؤسسات
أو تقاليد عمل أو حتى مرتكزات يمكن
الاستناد إليها.ومن دون الاندراج في متاهة
العلاقة بين السلطة والمجتمع،يبقى مجال
الترصد الأشد مباشرة،مرتبطا في محتوى
الفعل الاجتماعي،والذي يكمن في طريقة
الاستجابة الصادرة عن كل وحدة اجتماعية،أو
حتى البحث عن النكسات والانكسارات التي
تتعرض لها وحدة اجتماعية ما بازاء الأخرى.ولعل
هذا ما يوضحه حالة التكريس لارتباط وحدة
اجتماعية بالنظام السابق،أو تطلع وحدة
أخرى لاستثمار الحال الجديد واعتباره نوعا
من المكافأة التي يتم من خلالها الحصول على
الثواب.
الانكفاء
الراهن الذي تخوض فيه الوحدات الاجتماعية
داخل العراق،يجعل منها في الحال الأشد
نأياً عن الاتصال والتكامل والتفاعل الذي
تفترضه آليات التغير الاجتماعي،فيما يكون
الفقد الأهم وقد تكرس في مجال غياب
الحراك،والذي يتبدى في حضور ملفت في صلب
وحدات الفعل،حيث الانفاء لعامل التفاعل.بدليل
أن الانشطارات تفرض بقسماتها على الواقع
العراقي،حتى بات من المفجع أن تتصدر
المشهد العام تلك الانقسامية المريرة
المؤكدة على المزيد من الفرعية والطرفية
الموغلة في الانعزال،حتى ليشي الوضع وأن
ثمة ((كيو بتزات ))متخندقة،الواحد منها
يحاول سحب البساط عن الطرف الآخر.في صراع
حاد لكنه غير معلن.ولعل مكمن الخطر يتركز
في هذا الخفاء والسرية،حيث النتائج تكون
وقد تراكمت عند مجال توسعات
المعنى،المفضية الى غياب التوازن،من دون
الالتفات الى التغيرات وأثرها في حفز قوى
التفاعل داخل الوحدات الاجتماعية ذاتها.
|