|
نحت
أمكنة الطفولة وحكاياتها في اللغة
سلام
إبراهيم
مع
طول فترة النفي، وابتعاد أمكنة الطفولة في
الزمن يحاول كتاب المنفى العراقيون نحت تلك
الأمكنة القديمة المغروزة في النفوس لغةً،
عبر نصوص تنشغل في تفاصيل صغيرة، البيت
الأول، الشارع، الحقول المجاورة، شخصيات
شعبية باعة متجولين، أصحاب دكاكين، مطاعم،
مطاحن، وأحداث يومية صغيرة تكتسب دلالتها
حسب خبرة الكاتب وثقافته وموهبته، يضاف إلى
العديد من الحكايات الشفوية التي سمعوها من
أفواه الجدات والأمهات والجيران والأباء
ورجال المضايف والزوار، منهلين من نبع
الطفولة التي تعد من أهم منابع إلهام
الكاتب بشكلٍ عام، فالأدب العالمي والعربي
والعراقي يزخر بنصوص تستلهم مرحلة الطفولة
مرحلة البراءة والنقاء في عمر الإنسان، قبل
النضج ومواجهة صعاب الحياة في المجتمعات
المستقرة. أما في الزمن العراقي المعاصر،
فالموضوع يأخذ أبعاداً مختلفة، فالمجتمع
عصفت به الصراعات والحروب بشكلٍ عنيف
خصوصاً في الخمسين سنة الأخيرة. فأصيبت
الأمكنة والنفوس بالخراب أو الهجر كما حدث
للكتاب الذين اضطروا إلى الهرب جراء العنف
والقمع الأعمى. وبعد مرور السنين الطويلة
وجد أولئك الكتاب أن أمكنة الطفولة وتفاصيل
المكان البعيد تكاد تتلاشى فعمدوا بإصرار
على تدوين الأمكنة بظلالها وبشرها
الدارسين في نصوص تفوح بالحنين والألم ولذة
التذكر. وهنا سأتناول بالتحليل نصوص "سالمة
صالح" في كتابها " زهرة الأنبياء"
المكرس لهذا الموضوع.
في
النص الأول الافتتاحي من نصوص الكتاب
الثلاثة والثلاثين القصيرة والمعنون "ما
من طريق يسلكه المرء مرتين" في إشارة
واضحة إلى ما يفعله الزمن في الإنسان
والمكان، تقول الساردة بضمير المتكلم إنها
ستعود يوماً تبحث عن تلك الأمكنة وسوف لا
تجدها، مثلما فعلت عندما كانت هنالك بعد
سنين من فراق مدينة "زاويته" الجبلية
فوجدتها مدينة أخرى بأرض أخرى، فغابة السرو
التي ذهبت تبحث عنها وجدتها تحولت إلى
شوارع، أما الأطفال الذين لعبت معهم فقد
شاخوا. وهنا تسأل الساردة نفسها سؤالاً
جوهريا:
ـ
لماذا أعذب نفسي بحثاً عما لا عودة له؟!.
لكنها
الذاكرة تجيب الساردة نفسها وتلك الحياة
العادية لطفل يكتشف العالم خطوة.. خطوة،
فيحرز في نفسه تلك الروائح التي ستعاشره كل
العمر، رائحة رغيف خبز من حلق التنور،
رائحة أزهار برية، صدر الأم، تغرق في
الذاكرة، معلنة أنها طفلة اللحظة لكن دون
ذلك المكان المندثر وتلك الروائح والأشجار
لتخلص إلى الحكمة اليونانية "المرء لا
يستحم بالنهر مرتين". فيعقد السارد
اتفاقا مع القارئ كي يرحلا معاً في تلك
الذكريات التي من الممكن أن يكون القارئ قد
عاشها هو الآخر في طفولته لكن هذه الرحلة
ستتم من خلال اللغة عبر السرد القصصي.
الرحلة تبدأ من معصرة السمسم . في "المعصرة"
نراها تهبط السلم إلى رحى المعصرة لتلتقط
حثالة السمسم المتبقية من عملية العصر.
أقراص داكنة منبسطة لا يجدها الأطفال في
الدكاكين. فتصبح تلك الحثالة من بقايا
السمسم من أعز أشياء الذاكرة كلما تقدم
العمر. في "الاكتشافات الأولى ينتقل
السرد بقفزات في تلك الذكريات، لحظة مراقبته لطفل
أسمه "محمد" يحاول التوازن في السير
على الشريط الحجري بين الشارع والرصيف،
وكيف أحب السارد الخروف العنيد الذي رفض
عبور النهر، وتعدد حكايات أخرى سمعتها في
الطفولة وأحبتها، وعن المدرسة والتلاميذ
الصغار الذين يتبولون على ملابسهم في الصف،
فتبدو بنية النص أقرب إلى الخاطرة المدرسية
منها إلى بنية النص القصصي القصير جداً. في
"يراعات" يتكثف السرد حول رغبة السارد
في اصطياد يراعة تضيء في ليل الحقول
المحصودة، فتفشل في كل مرة. وتظل تحاول
وتحلم ولا تتخلى عن ذلك الحلم في مساءات
البيت الأول. في "الجبل" تصف زيارة
مدرسية إلى دير قرب قمة جبل وهنالك تنتاب
السارد رغبة في بلوغ القمة، فينفرد عن
الجموع ويختفي بين الصخور العالية سامعاً
الأصوات تناديه.
تتراكم
النصوص في حكايات يومية عن تفاصيل طفولة
وصبا السارد في مدينة "الموصل" فيجري
وصف أمكنتها بدقة ، أسماء أبوابها وأسواقها
والحقول المحيطة بها، ففي "أبواب
المدينة" يعدد السارد أبواب الموصل باب
الحديد، باب البيض، باب لكش، باب الطوب، ثم
يعرج على أسواق المخضر والأقمشة (ص113)، وتعج
النصوص بوصف أشكال أزهار الحقول وروائحها
وأكداس القمح أبان الحصاد، وتفاصيل عما
يجري في المدرسة والصف، كما يجري إعادة سرد
الحكايات الشفهية التي يسمعها السارد من
أفواه الناس، الأم، الأب في ليالي الشتاء
الباردة وليالي الصيف الصافية، هذه
الحكايات الجميلة ذات الدلالات الإنسانية
تضفي على النصوص أبعاداً توسع من ضيق
عالمها المحصور في ذكريات الطفولة في شأنها
اليومي العادي. ففي "شجرة التوت" تكثف
لنا حكاية الزوجة التي تطلب من زوجها أخذها
في نزهة فيسألها: عما تجده خارج البيت.
فتقول له العشب أريد أن أنام على العشب.
فيجلب لها بكيس يحمله حمال عشباً يفرشه على
السطح، تكثف هذه الحكاية الشعبية صرامة
التقاليد الاجتماعية وتوق المرأة إلى
الحرية، وفي حكاية ثانية نتعرف على حكاية
"لعبة الصبر" الجميلة. فالصبية
المسكينة المضطهدة من زوجة الأب تتيه في
قصر وتعثر في إحدى غرفه على الأمير النائم
لتمكث جواره سبع سنوات تحرك المروحة.
فتساعدها في يوم السنة السابعة الأخير
امرأة، فيستيقظ الأمير ويراها فيتزوجها،
وتطلب الصبية منه لعبة الصبر التي تظل تحكي
لها حكاية السنين السبع فتطق لعدم قدرتها
على احتمال صبر الصبية، وغيرها من الحكايات
الصغيرة الجميلة المنقولة شفاهية بين
العراقيين في الخمسين سنة الأخيرة والتي لا
يجدها المرء في كتاب يبحث في شأنها، أو على
الأقل لم أطلع على كتاب كهذا معني بتلك
الحكايات العراقية الشفهية الكثيرة
المتداولة في أنحاء العراق، والتي سوف
نجدها في نصوص كتاب المنفى بكثافة والتي
تحمل عبق مكان الكاتب
وطبيعته، فالحكايات الواردة مثلاً في نصوص
"زهرة الأنبياء" والتي تنقل ما يتداول
بين سكان مدينة "الموصل" في شمال
العراق تختلف في طريقة الروي والتأويل عنها
في نفس الحكايات التي يرويها سكان جنوب
العراق.
في
نصوص معدودة يطل القارئ على حياة السارد في
المنفى، فتبدو تلك الحياة متسقة ، هاجس
نصوص الكتاب الرومانسي في بعده المسترخي
بعيداً عن تلك الصراعات العنيفة التي
تناولها كتاب المنفى العراقيون الآخرون،
في "أرض ليست لي" يخلط السرد بين لحظة
قدوم صاحبة النزل في المنفى لتقلع أزهار
زرعتها الساردة في حديقة المنزل وبين جمعها
للزهور من الحقول المحيطة من أجل معلمة
المدرسة في طفولتها البعيدة.
يطغى
على نصوص "زهرة الأنبياء" نفس
اليوميات والذكريات الأقرب إلى الخاطرة
منها إلى بنية الأقصوصة، وذلك يعود لأسباب
عديدة تبتدأ من طبيعة المادة الخام لتنتهي
برؤية السارد ووجهة نظره، وبين هذا وذاك
يتجلى أسلوب الكاتب وجنس الكتابة. فالسرد
التذكاري يتشتت في غالبية النصوص مما يولد
لدى القارئ حالة من عدم الاكتفاء والتي
عادة ما تولدها النصوص الأدبية التامة
البناء حال الفراغ من قراءتها بغض النظر عن
طبيعة الأسلوب سواء أكانت قصة حدث بحبكتها
التي تشد القارئ أو قصة حبكتها لغوية أي
شعرية تعتمد على إثارة شجن الحالة
الإنسانية المتأملة في النص أو شجن التذكر
كما هو الحال بنصوص "زهرة الأنبياء"
ولكي يبدو التنظير النقدي واضحاً لنأخذ
مثلاً نص "الطاحونة" فنمط الأقصوصة لا
يحتمل تشتيت السرد المرتبط عضوياً
بالعنوان، فمن المفترض أن يتركز السرد على
كينونة الطاحونة كونها شاهد التذكر وحولها
تنسج الأحداث الصغيرة والهموم والمشاغل،
لكن السارد وبعد أن يقوم بذلك في ثلاث صفحات
من (ص63) إلى منتصف (ص65) يستمر في السرد بوصف
الحقول المجاورة والمقبرة البعيدة وذكريات
أخرى لا تمت بصلة للطاحونة عنوان وموضوع
النص، مما رهل البنية وولد حالة عدم
الإشباع الجمالي التي أشرت إليها. وهذا
يتكرر في غالبية النصوص أورد منها، "كلب
بدران"، "موت دانا" وغيرها. من جانب
آخر بدت نصوص عديدة أقرب إلى بنية المذكرات
الممزوجة بالخواطر منها إلى بنية القص كما
بدت مثلا في "إشارات" وهي تراكم وصفي
أخباري عن دكان المحلة وصاحبة وزوجته بائعة
الحليب التي تغشه بالماء، وعن كنائس ثلاث
وظهور مريم العذراء، فلا توجد ثمة مركزية
في السرد، ذلك أيضاً نجده في "فاطمة تقرأ
القرآن" وهو سرد بسيط عن فتاة تجوّد
القرآن في الصف بشكل مؤثر تعلمته من عمها
الذي مات. أوردت هذه النماذج كعينات على هذا
النمط من السرد الأقرب إلى الخواطر. وهذا لا
يعني عدم وجود نصوص لها بنية الأقصوصة
المكتملة، ففي "أصوات" يتركز السرد
المكثف على الأصوات التي تسمعها الساردة في
الطفولة في بنية نص تتوافر فيها مواصفات
النص الجميل تام البناء.
وأخيراً
لابد من القول إن هذا النمط من الكتابة
القصصية تسعى لنحت أمكنة في فترة تاريخية
محددة مرت بمدن العراق التي تعرضت لتغيرات
بنيوية عاصفة منذُ خطة السلطة الانفجارية
في أواسط السبعينات وما ولدته من تطور
اقتصادي اجتماعي مشوه تمثل في هجرة مكثفة
من الأرياف إلى المدن التي اكتظت بالفلاحين
فالتبست القيم والأعراف نصف المدنية نصف
الريفية مروراً بالقمع والحروب، ثم الحصار.
ما صورته " سالمة صالح" يعود إلى فترة
سابقة لهذه العواصف. ومن هنا تكتسب هذه
النصوص الأدبية أهميتها.
|