العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

"وداعاً أيها الطفل" مجموعة "جبار ياسين" القصصية

       كتاب يندب الطفولة والخراب ويهجو العنف الأعمى

 

                                                    سلام إبراهيم

 

تمتاز النصوص العراقية المكتوبة بالمنفى بميزة جوهرية كونها مكتوبة في مناخ من الحرية والتأمل بعيدا عن ذلك اللهاث الذي فرضته ظروف القمع والخوف. الكاتب حينما يجلس إلى طاولة الكتابة لا يخشى من شيء. لذا جاءت النصوص في غالبيتها واضحة لغة ورؤية، تسجل تجربة حية للكاتب بهذا الشكل أو ذاك. أي إنها تبدو كفصول في السيرة رغم اختلاف جنسها بين قصة ورواية  وسيرة ذاتية. وهذا النمط من الكتابة رفد الأدب العراقي الحديث بنصوص تتميز بصدقها وحرارة تجربتها يضاف إلى قولها الصريح ولغتها التي أكسبها الاحتكاك بالثقافات الأجنبية والبيئات الجديدة التي يعيش فيها الكاتب طلاوة متأتية من كثرة التأمل في لغة لم تعد لغة التعامل اليومي، لكنها تزحم الروح والوجدان والذاكرة. ومن هنا نجد أن ثمة تجديداً في لغة النص من خلال تطويع العامية العراقية في بنية الجملة السردية مع الحرص على حفر مفردات اللهجة ذات الأصول الفصيحة والمفهومة في أنحاء الوطن العربي، والحرص على انتقاء جميل المفردات التي تفرضها في الغالب طبيعة المادة الخام ولا سيما في نصوص النوستولوجيا المفعمة بأجواء الطفولة والمكان الأول. من هذه النصوص "وداعاً أيها الطفل" لجبار ياسين الذي سوف أتناولها بالتحليل في هذه المقالة.

يكثف عنوان الكاتب ثيمته الجوهرية ألا وهي رؤية الكاتب لتلك الطفولة البعيدة التي ودعها إلى الأبد، هذا ما يفعله الإنسان عندما يغادرها إلى مراحل العمر الأخرى، لكن راوي "جبار ياسين" ينسج حكايات النص بهاجس المنفي قسراً عن أمكنة حبيبة مزقها العنف الذي رسخ بنفس الطفل بوقت مبكر. كما أن عنوان الكتاب "وداعا أيها الطفل" هو أول نصوص الكتاب الثلاثة وأطولها. بنية النص تعتمد على تراكم سبع حكايات كان قد سمعها الراوي في طفولته من أمه، جدته، أبيه، يرويها لنا بطريقة يداخل فيها بين وجهة نظره ووجهة نظر سارد الحكاية الشفوية، فجسد الحكاية المروية بأحداثها الغريبة يدخل في تناص مع موروث الحكاية الشعبية المتداولة بين عامة الناس شفاهيةً والمستقاة من حكايات ألف ليلة وليلة. لكنها تكتسب في نصوص "جبار" أبعاداً معاصرة تشي بزمن النص الخارجي ونكهة بيئته وأحداثه المحلية فقيام بدرية من الموت في الحكاية الأولى "حمى" والتي يتكرر في قصص الليالي يأتي هنا في طبيعة شخوصه العراقية المحلية، فبدرية العانس صديقة أم السارد والتي لم يرها بل يتخيلها تشبه أمه ترفض الزواج حتى تزوج أخاها الجندي المساق إلى حرب الشمال حيث تجرى الإشارة إلى قتلى تلك الحرب الطويلة من أبناء الجنوب العراقي المساكين وقود تلك الحرب وضحاياها، والتي تضرب بطنها بجرة عندما تعيّرها الجارة لعدم زواجها. فتموت لتستيقظ في مساء اليوم التالي وأخوها "إبراهيم" نام قرب قدميها بعد أن أهلكه اللطم والبكاء من لحظة عودته من الشمال بعد وصول برقية إلى وحدته العسكرية. بدرية وإبراهيم شقيقان لكنهما مقطوعين من شجرة. يتكرر الموت في سبع حكايات من حكايات النص الثمانية. ففي الحكاية الثانية نجد الشيخ "زيني" يغفو في قارب يسرح به في النهر فيعتقد أنه مات وهو الآن في الجنة، فيستيقظ في الضفة الأخرى على موكب قوارب العشيرة الباحثة عنه. الحكاية الثالثة تمزج ثيمتين هما الموت والغربة، فالخال "حسين" الذي قصد مكة للحج ثم ضاع في البحر، ليعيش في جزيرة وحيداً فيعثر على حاجة مسلمة هي الأخرى أضاعها البحر، فيتزوجها ويعود بعد سنوات بحيث لا يتعرف عليهما أحداً في القرية، ويفقدان في عرض البحر طفلين من أطفالهما، في حكاية أخرى نجد أن الجدة تسرد حكايات لطفلة دخل عقرب إلى دماغها عن طريق أذنها كي تخفف ألمها، في حكاية أخرى ينسج حكاية متداولة بين عامة الناس عن كون "أسد بابل" ما هو إلا ملك قديم زنى بأخته فمسخه الله إلى حجر، كما مسخ كل المدينة، وحكاية أخت الجدة التي تزوجت مرتين وفقدت ستة أبناء في الكوليرا التي تفشت في عشرينات أو ثلاثينات القرن الماضي في العراق، وحينما أخبرها بموت إبنتها الوحيدة وهي تكفن أبناءها على النهر ألقت بنفسها في النهر، فأنقذوها وربطوها إلى شجرة ثلاثة أيام حتى قالت الشعر، لتصبح ندّابة كل عمرها. حكايات تتضافر لتنسج حزن الجنوب العراقي وطقوس ندب الموتى الراسخة في بلد النهرين، اللطم تمزيق الملابس العويل غرز الأظافر في الوجه والصدر، هذه الحكايات التي سردها الراوي بطريقة آسرة وفي بنية تنشد بتأملات السارد وتعليقاته وبذلك خلصها من السرد التراكمي التقليدي للحكايات. ومقاطع الشد موزعة بدقة بين ثنايا الحكايات وفي متنها، وفي الفاصلة بين حكاية وأخرى بالتنقل بين زمن الحكاية ووقت سردها وما يجري من مصائر الساردين، فمثلاً يمزج بين الموت في حكايات الجدة وموتها وتعليقاته أورد مثلاً "في المساء عادوا من دفنها في النجف بعدما دفنوا معها حكاياتها. نسيت أمي حكايات جدتي ونسي الآخرون بقية الحكايات. استبدلوها بحكاياتهم كما استبدل الآن حكاياتهم بحكاياتي" (ص27). وكي يواصل سرد حكاية جديدة يعلق على ذلك في المقطع الذي يليه " لكن حكاية أخرى لجدتي ظلت تلهب خيالي بالصور التي مرت فيما كانت تبتسم وتروي حكاية زواجها"(ص27). تشغل الحكايات حتى الصفحة (40) من النص وكأنها بطقوسها الحزينة وما تكتنز به من مأساة تتراوح بين الغربة والموت مقدمة لما سوف يرويه السارد بعيني الطفل ذاك حول استشراء ظاهرة العنف في المجتمع العراقي متجلية بالصراع الدموي بين قواها السياسية بتياراتها القومية واليسارية والجيش الذي تمزق بين هذا التيار وذاك وذلك من خلال خمسة مشاهد متوالية تؤدي إلى بعضها وترصد مرحلة محتدمة من ذاك الصراع الدموي والذي أدى إلى الخراب العراقي في اللحظة الراهنة. يؤرخ للمشهد الأول بالأول من أيار 1959 حيث يشاهد وهو يلعب في الشارع رجالاً معقلين بكوفيات بيض يشدون على أكمام قمصانهم قصاصات قماش خضراء. سيرى هلع ابن خالته الراكض نحوه مردداً " القوميين.." ثم تصحبه أمه إلى ساحة المتحف حيث يشاهد مرعوباً تفاصيل قمع مظاهرة العمال السلمية من قبل قوات الجيش والقوميين (ص41). يخلط سرد المشاهد بمظاهر زيارة الأماكن الشيعية المقدسة وطقوس العزاء في عاشوراء. في المشهد الثاني يصور تفاصيل انفجار قنبلة يدوية بيد "حبيني" بائع النفط و "أحمد البعثي" وموكب تشيعهم والهتافات المناوئة لعبد الكريم قاسم، في المشهد الثالث  يصور عملية أعدم أعداد كبيرة من العسكريين المتهمين بمشاركة في محاولة الطبقجلي الانقلابية، في ساحة رمي أم الطبول، والمشهد يروى بعيني طفل مرعوب من مظاهر العنف التي أعقبت أحزان حكايات طفولته، سيفصل في المشهد الرابع تفاصيل انقلاب 8 شباط وما جرت بعده من تصفيات جسدية في الشوارع ذاكراً الأمكنة التي سيطر عليها الانقلابيين وقتها، ثم ذكرياته المريرة التي تروعه كل العمر وهو يرى العنف بليغاً في مشهد يعرضه التلفزيون " .. لكنه سيخاف أكثر في مساء ذلك اليوم حينما سيرى صورة الزعيم تتكرر في التلفزيون. سيرى القتلى المعدومين في الشاشة الصغيرة. سيكره العسكري الذي يبصق على الجثة المرمية على كرسي ويبقى خائفاً مدى العمر مما رآه"(ص49). ثم يمزج في المشهد الخامس والأخير كل مشاهد العنف وطرف من حكايات النص بطقوس زيارة كربلاء في أربعينية الحسين واللطم العنيف على الصدور ليختتم النص بقصيدة عامية من قصائد رثاء قتلى عشرة عاشوراء على لسان أم تندب ابنها القتيل وكأن هذه الذروة توجه اللوم لكل من سبب في ذاك العنف الذي ألتهم فلذات الأكباد.

في النص الثاني المعنون "أيام الحمى" يكثف السارد تجارب طفولته في نصوص من نمط "القصة القصيرة جداً" في أربعة وعشرين عنواناً جانبياً. وهذا النمط الصعب من القص شديد الحساسية ولا يحتمل أي حشو أو ثرثرة من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يحبط النص حال عدم دقة أختيار المادة الخام وطريقة عرضها. الطريقة التي يروى بها السارد أقاصيصه المكثفة ممتعة بلغتها المنتقاة والمحسوبة بدقة، ففي بعضها ينتقي لحظة هي بين الحلم واليقظة فيختلط المشهد بعيني الطفل المتأرجح على حافة النعاس أو المصاب بهلوسة الحمى كما في أول نص "الحمى" أو الطفل الذي يشاهد من على الرصيف مواكب العزاء في عاشوراء فيتجسد له الأئمة في النعاس يمشون على الأنهار والفارس القتيل يقف وسط النهر. أو يرتقي في التفصيل اليومي من حياة الطفل ليغور في مخيلته والكيفية الخرافية التي يرى بها الأشياء كما في "ذكرى سوداء" حيث يسرد زوج خالة الراوي أحداث قديمة عن تجسد الطنطل وهو كائن خرافي في الحكايات الشعبية لجندي من جنود حاميته ذهب في إجازة ليلاً وانعكاس ذلك على مخيلة الطفل، وفي "الغزالة " فالصبي الذي يصيد الدعسوقة التي تعيش في حفرة بالرمل يتخيل بعد حواره مع رفاقه، قطعان من الغزلان الحقيقية تهبط من سماء ذلك المساء. وفي بعض النصوص يكثف النص تجربة حياتية كاملة بطريقة شعرية تأتي غنائيتها وغناها من عمق ثيمة النص وكثافتها الجديرة بنص روائي، ففي "عودة" يخيب الأخ المشتاق لأخيه الغائب والذي يعود بعد سنين لكن ذاك الفراق خرب العلاقة وأبهت بريقها. في المقابل وجدت العديد من النصوص القصيرة جداً تفتقد إلى ذلك العمق والدلالة بحيث تبدو الأحداث واللغة والموضوع في مستوى الكلمة بمدلولها المباشر، أي بمعنى آخر ليس للتفاصيل المنتقاة أي المادة الخام ما يجعلها تشترك بالهم الإنساني العام. فبدت مثل ذكريات دلالتها تخص الكاتب وحده مثال على ذلك " الخرنوب"، "ضجيج المطحنة"، "عرس ابن شمسه"، "ظهيرة صيف"، "زيارة"، "العرجون". ومع ذلك يختفي هذا الوهن في هذه النصوص لسبب بسيط هو أن مناخها يعمق المناخ العام لنصوص المجموعة المعنية أصلا في تفاصيل الطفولة في المكان الأول الذي تحول إلى حلم وكلمات.

النص الثالث والأخير من نصوص الكتاب "وداع" مقسم إلى ثلاثة أقسام الأول وله أسم النص أيضاً يصور الراوي مرحلة أخرى من حياته في وطنه وهو الآن شاب ينوي السفر إلى الخارج فنعيش ليلة سفره وسهره مع الأصدقاء في بيت أهله القديم، ثم طقوس البكاء والنحيب من الأخوة والأخوات في الصبيحة التالية وملامح الأب الذي لن يراه أبداً بعد تلك اللحظة. في "البيت الأول" يعود الراوي في رحلة متخيلة وهو في دوامة أحلام يقظته في الريف الأوربي إلى بيته الأول في بغداد، فننزل معه في مطار بغداد ونسمع حواره مع سائق التاكسي، ثم يتسلل إلى غرف البيت الخالية إلى لحظة دفعه إحدى الأبواب حيث يشاهد خلفها عائلته مجتمعة، في تلك اللحظة نجده وحيدا بمواجهة نافذة تطل على ريف غريب. في "العودة إلى مدينة الآجر الذهبي" خاتمة الكتاب يكرر حلم العودة ويمعن في وصف الأمكنة والجسور المحطمة، ويرى أخته تبحث عن حطب للوقود في إشارة إلى حرب الخليج الثانية، تخاف عليه وتلومه على عودته في مشهد مسرود بلغة الحلم

" ـ ما لذي جاء بك إلى هنا؟، تبقى تنظر وسواد عينيها يزداد لمعاناً. تبقى على مسافة مني وأنا أحاول أن أتقدم دون جدوى، فالمسافة بيننا تظل كما هي كلما تقدمت

ـ سيأخذونك!."(ص140)

ثم تريه بيتهم وقد تحول إلى حطام. وتطلب منه العودة من حيث أتى وألا سوف يأخذونه. ويختتم النص في غياب البيت والطفل الذي كان والأخت من المشهد. فيبقى ذلك الغريب يصرخ: "لم يعد هناك بيت"(ص141). ليكمل طقوس الندب والحزن العراقي منفجرا في بكاء  من أحشاء تحترق في ليل طويل.

 

 

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )