|
قراءة
في ديوان غزل عربي للشاعر هاشم شفيق
زهير
كاظم عبود
ترى هل
يصنع الشاعر كلماته من تراب أوروك ،
ويجففها بشمس لارسا ثم يعمدها بمياه براتو
وأدجنا ( أسم دجلة
والفرات كما ورد في الأساطير ) ؟؟
من أين يأتي بالشكل
والتفاصيل التي يملأها إطار ومحتوى الكلمة ؟
ترى كيف يستطيع أن يلف بنا الشاعر يسرد كل هذه التفاصيل
مروراً بشبعاد التي تستحم تحت رذاذ مياه بيخال ( شلالات في
شمال العراق ) ولن
تتوقف إلا على أبواب خمارة شعبية في
الباب الشرقي حيث يسكر ( يوسف عمر ) حتى الثمالة يردد
مقاماته البغدادية فيصفق
له الجميع بانتشاء
.
كيف يتمكن هاشم شفيق
هذا العراقي الهوى والقلب أن يستلنا من
محنة العراق يدلق على مسامعنا وهج من الجمر
والكلمات الغارقة بالوجد والعطش الشبقي
ويبقى يردد لنا كلمات كانت تنام في
أحاسيسنا قبل أن يقتلعها الجلاد فتحن
إليها ذاكرتنا وأرواحنا التي تيبس زمانها
فصارت أحوج ما تكون لكلمات هاشم شفيق .
التجربة الشعرية
التي يسطرها الشاعر ( هاشم شفيق ) ليست
بالتجربة العابرة أو التي تمرق علينا مرور
السحاب ، فهو
يغزل خيوط كلماته من نشيج روحه ، ويبحر
معها في تلافيف القصيدة ، وقصائدة جديرة
بالاهتمام والتأمل ، أنه
يوقظ فينا الأحاسيس الغافية والسبات الذي
غلف الروح .
مضى دهر علينا ونحن
ندور في فلك الكلمات المتيبسة العروق
والعبارات التي يطغى عليها الموت
والإغتيال والغربة والحزن والمعارضة
والزمن الأغبر والشعارات السياسية
والأحزاب والنصر والهزائم وقبور لم نتعرف
على من فيها وموتى لم نتعرف على قبورهم .
فديوان الشعر ( غزل
عربي ) الصادر عن دار رياض
الريس – لندن 2001 يمكن أن يشكل التفاته
لما نسيناه في مجامر وجع الروح الذي يلفنا ، لكنه الغزل الذي
يكمن في الروح وقد أستفزه هاشم شفيق ليجيش
ويطفو بل ويطغي على كل كلمات القهر والظلم
والحرب ، فيحولنا نحو جرف خرير الجسد
المفعم بالشهوة والعطر والالتواء وتفاصيل
الجمال التي كادت تشح من قواميس لغتنا .
( تعال أقترب
بلني
ببليل البياض
ثم أنحدر
تحت هذي الرياض
انتهل جسدي
مثلما تشتهي
.... )
ويقول له بعد أن فز من
غفوة النائمين العديد من الناس : ولكنك تفعل
المستحيل فأحلامنا مؤجلة وعواطفنا مؤجلة
وأحاسيسنا مؤجلة !! غير
أن هاشم شفيق يومئ بالرفض لكل هذا ويقول
أنها راقدة في لبنا وفي قاعنا وتحت جفوننا
وغافية تحت ضمائرنا ووسط
أرواحنا ، أنا لم أخترعها فقط
ناديت على الكلمات فتقاطرت قصائد الغزل
العربي دافئة مثل دفء الغزلان والأرانب
والقطط فسبحت
بها وغمرني عطرها وغفوت في فروها ، وأنتم مدعوون
لشمها والتنعم بعطورها وتلمسها فنحن لا نلغي
الأحاسيس ولا نؤجل الحياة رغم كل محنتنا .
( حنيت يدي
ورسمت عليها
عينا بالحناء
وحنيت الشعر
وزندي ،
حنيت القدمين
تلونت برائحة نافذة ،
ودلقت الحناء
على خشب المنزل
وستائره
فاصطبغت بالحناء شرا
شف .... )
ويبحر مثل ربان قارب
مقتدر فوق بحر من الموج السماوي والغيم
الغافي فوق نهود الكون ، قصائد ممتلئة
بالشبق والجرأة التي يستحيل أن تخبئها
الكلمات ويستحي منها الشعر ، غير أن الشاعر
مهووساً بالصدق لا يستطيع أن يكتم أنفاسها
فيقولها في هذا الزمن المليء بالمرارة
والعلقم ، يقولها كما هي دون تورية أو تحوير
يحرص على عريها وشبقها .
( يهتز الليلة
في لحظة الاحتراق
احتراق الزفير
والشهيق )
فهاشم شفيق يبدأ
كلمات ديوانه بكلام الفيلسوف أبن عربي من
أن المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه ، وعلى
مدى زمن مليء بالغزل والمجون تتداخل
تفاصيله بين هبوط وصعود وبين زفير وزفير
ونفثات تتوزع بين ثمان وثمانين قصيدة
احتواها الديوان فكان تجربة في الولوج إلى
عوالمنا المؤجلة يستفز فيها الشاعر الجميل
هاشم شفيق كل أحاسيسنا وخجلنا ونزواتنا
الخجلة والمنزوية وراء الوقار وهي تجربة
ثرية وجديرة بالاهتمام حين يتفرد هاشم
شفيق بهذه التجربة في زمن مر .
وتختلط الصلوات
بالشهوة والدعاء بالأمنية والحاضر
بالمستقبل وتطوف فوق كل الكلمات أسرار
الكون ونشيد العشاق والكلمات المبرقعة في
حدائق العمر يقدمها لنا هاشم شفيق على طبق
من اللغة الممتلئة بالطعم الحلو .
وهاشم شفيق الذي كان
قد أصدر عام 1978 في بـــغداد ديوان ( قصائد
أليفة ) وعام 1980 في دمشق ( أقمار منزلية )
وشموس مختلفة 81 ونوافذنا ونوافذهم 82
وأوراق لنشيد ضائع بيروت 86 وطيف من خزف
بودابست 90 وصباح الخير بريطانيا بيروت 995
وأعادة نظر دمشق 96 ومشاهد صامته دمشق 97
وورد الحناء بيروت 99 وغزل عربي 2001 لندن
في ديوان ( مشاهد
صامتة ) ثمة معالجات شعرية جريئة حين يخلط
النثر المركز بالقصيدة ففي قصيدة أعشاب
حميد كاظم يقول :
( من رائحة
القصب القروي تحدر ، ناحلة عيناه ، خطاه
الملكية قدت من حجر في أور ، وأور طوت في
سحنته شمس مهاة نامت في أهداب كحلاء ، سنين
من حناء وصدى وعواء بــشري ، قادته الى
أيام يشغلها طيف مخمور ، ودخان تبوغ من خدر
، وجلا كان ، كدوري أسرته الظلمة في زاوية
حبلى بوطاويط الليل – مخالب – أسنان واثبة
– ماسورات – نظرات سود – تدافع صوب ملاك
قمحي منحدر من رائحة البردي وخيطان الخيش
– الشلب اللدن – الغرب المهزول نما في
سيرته الخضراء
أكان
حميد
له منزل
من خمور الرطب أم
شراع
أتى فيه محتلماً
من جنوب العراق
ولما أستفاق هنــا
لقي الأرض
معصوبة باللهب )
ويعود إلى نفس
الأسلوب في قصيدة الطنطل وهو أسطورة
عراقية لها ما يماثلها في البلدان العربية
، وتعد القصيدة من أجمل وأطول قصائد
الديوان وكان الشاعر قد كتبها في نيقوسيا
في حزيران 1985 .
وفي ديوانه ورد
الحناء الممتليء بمشاهد الطبيعة التي طرزت
أكثر القصائد فمن البحر إلى الأشجار إلى
الخشب والجيرانيوم والعطور إلى الصحراء
والنار والكستناء والقلاع التي يوزع فوقها
روحه لعله يدرك الليل الذي غادره .
( لوحة في الجدار
أكمامي
تباغتني بالمياه
التي أنفلتت
من أطار الخشب
عادة في الصباح
أنظف شكل الأطار
لأقصي الطحالب
والموج والريح
لكنني دائماً حين
يأتي المساء
أفاجأ بالبحر
مستلقياً
فوق هذا الجدار ! )
هاشم شفيق يأتينا مع
القصائد بباقات من الورد وأخرى من الحناء
ووجه ملاك وفانوس من الضوء في وضح شمس
النهار .
الكلمات المتراقصة
بين كفية نستطيع أن نميزها فلها عبق الورد
وطعم الحناء ويغلفها بجرأة كنا قد
أفتقدناها بين جمهرة الشعراء .
هاشم شفيق يعيدنا
للقصيدة العربية التي لا تنمو تحت الظل
ولاتنبت في الظلمة ، ولهذا يقول عنه الشاعر
عباس بيضون ( أن تجربة هاشم شفيق هي من
التجارب القليلة التي لا تتصدى للموروث
الشعري فقط ، بل تتصدى لتراث الحداثة نفسها
، شعر هاشم شفيق يرسم لنفسه موقعاً مختلفاً
، فالشاعر يبتعد ليكون في لحظة من العالم ،
يصف ، يستعيد أنفعال الفرجة الأولى أو
يبتكره ، نبضة عين وعصب . )
هاشم شفيق يرسم
الكلمات بالألوان ويعجنها بماء مقدس لم
يزل جارياً منذ أن خلق الله الطبيعة والناس
، ويحرص أن يغمسها بروحه ويوزعها مع قنديل
زيتي ونبيذ عتيق من زمان كلماته العربية
يسقيها من دمعه ، ويفرح حين يمتعنا بجمال
القصيدة ودهشة الأبيات الشعرية وجمال
إلتواءات الحروف العربية .
ليست فقط الجرأة هي
التي ميزت كلمات قصائد هاشم شفيق وليست
حالة التفرد التي دعته إلى عدم تأجيل
الأحاسيس أو تخدير المشاعر فقد كان لا
يتوانى من البوح بكل أسرار عمره وقدرته
الشعرية في هذا الديوان .
|