العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

      ثنائية أسد بابل

 

                             حيدر الكعبي

 

                         ـ 1 ـ

 

 

هِزَبْررررررررر

 

من الظلال المتماسكة

أمتشقُ جسدي

وأوقظ الأدغال

 

كلا ، كلا

أنتنَّ لا تشبهنني

لبداتُكنَّ مستعارة

وأنيابكنَّ خلّب

يا ضباع :

أنا الهِزَبْررررررررر

معي

لا أحد يلهو

وبغيري

يطمعُ المروضون

الغابة حديقتي

لا أمي

وأنا ، وحدي غابةُ أسماء

فأنا الهِزَبْررررررر

وأنا الغضنفرررررررر

وأنا القسْوَرررررر

 

وأنا الملك

تاجي البرق

وسقف إيواني السماء

عرشي تلّ الأتاوات

وحاشيتي الرررررعب

 

هيّا

فضحاياي تنتظر .

 

أُنهض الأشجار

وأضيءُ الثمار

ثم أبدأ نزهتي

 

هزبرررررر

أتفحص الأفخاذ

وأروز الأكفال

وأزنُ الأليات

وأزأررررررر

وأزأررررررر

وأزأررررررر

 

قلوب الوحش طعامي

وأكباد الغزلان حلواي

الدمُ شرابي

والعظام سِواكي

 

أنا الأقوى

أقصّرُ أعناقَ الزرافات

أذيبُ الفيلة

وأتمرررررغُ

بالنمور .

 

أسحلُ الأنهار

وأتسلقُ الأمطار

وأبتني عريناً في السحاب .

 

هِزَبْررررررررررر

 

أباعدُ ما بين فكيّ

وأحررررررررر

الرررررررررعد

 

دائماً

أبحثُ عن معركة

دائماً

 

دائماً

أهدمُ الأوجار

أقصمُ الأعشاش

أردمُ الجحور .

 

وأزأرررررر

وأزأرررررر

وأزأرررررر

 

ولا أحد يتقدّم

لا أحد ، لا أحد

سوى الليل

كبير وزرائي .

 

أنا إذن الملك .

الكل يتحاشاني 

حتى الثعالب ، جواسيسي

حتى القمر

 

فمي فوّهة فرن

زفراتي تدفئ أشبالي النيام

بينما أحشائي تنصهررررر

 

والآن

وقد تركتُ الأشجار تنزفُ ورداً

وأبكيتُ الندى

أنا ذاهبٌ إلى الظلال القصية

ذلك النفق الحلزوني البعيد الغور .

أسبُرُ ظلمته

وأدعوه للقتال

هاشاً بذيلي نظرات القرود المرتعدة

فوق الأشجار

وهي تتأمل جسدي الأبنوسي المعضّل

يغوص في العتمة .

 

هِزَبْرررررررررر

 

 

 

                        ـ 2 ـ

 

هِرررررررررررررر

 

المنصة تحتي ترتج

أفيال ، بخراطيم مستقيمة

تبصقُ فتتداعى البيوت

طيور ، عارية ، شاهقة

تبيضُ فتشتعلُ الأنهار

زرافات بحّاء

تتجشأ فيتطاير الطين

ويغلقُ عينيّ .

 

وأزأرررررررر

وأزأرررررررر

وأزأرررررررر

لا أحد يلتفت

لا أحد ، لا أحد .

 

روحي لبوة

معتصرة بجسدي

تخمشُ جدرانه

فتدمى براثنُها .

 

بابل ، يا بابل

لماذا حبستِني في الرخام ؟

 

ظِبائي البيضاوات

اللائي طالما اغتسلنَ بلعابي

وتعطرنَ بأنفاسي

يقفنَ على مرمى ذراع

ويقُلن " أفٍ ، ما أنتنَ فمَه ! "

 

هِررررررررررر

 

الباعةُ يتناهبونني

عيوني ميداليات

أنيابي تمائم

ذيلي مذبة .

 

بابل ، يا بابل

أنهاركِ كلها لا تُطفئُني .

 

الأحلام تأخذني إلى الغابة

أرى القطط تنقلُ صغارها

وأنا أختطفُ تمثال الذهب

وأعدو

جارّاً خلفي المدينة بأسرها

بعيداً ، بعيداً ، بعيداً

ثمّ أبعَدَ ، فأبعدَ فأبعد

ها هو الليل ، صديقي

تستفزه المصابيح

يتسمّع اللغط القادم

ويتأمل رجوم الهراوات

والشتائمَ والصفّارات

أعمقَ ، فأعمقَ

أتوغلُ بهم

عبر التلال والأحراش والسنين

حتى أُبلغَ المأسدة

فأبصِق السبيكةَ جانباً

وأدعو أبناء جلدتي

يا ضياغم

يا سباع

قوموا انظروا أي صيدٍ جَلبت

إذ ذاك وقد عزّ عليهم الفرار

أستدير

وأواجهُ ضجّتهم .

 

الآن أذيقكم نكهتي ،

نكهة الأسد الحرّيفة

            الأصيلة

 

لكنْ ، هيهات

فها أنا في شرنقة الآس

أعجزُ عن الإلتفات

لأرى مَنْ يشدّني من ذيلي .

 

بابل ، يا بابل

مادمتِ لستِ أمي

خلصيني من هذا القماط .

 

هررررررررر

 

الوزغ يدغدغ باطنَ أُذني

الزرازير تحطّ على شواربي

وتلتقطُ الذبابَ من شفتي الشرماء

أنوء برأسي الثقيل

 ولبدتي تعجُّ بالأوراق الضالة

وبالذروق والجص وفلترات السجائر

فيما لحيتي ، آه

لحيتي المبتلاة المغسولة بالعَرق

يتعلقُ بها الأولاد

ويتصايحون .

 

بابل ، يا بابل

أما من فأرة تقرضُ شباكي ؟

 

هررررررررررررر

 

 

                              تموز 1993

 

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )