ترجمة
وتقـديم :
بُرهـان
شـاوي
يُعد فلاديمير سيميونفج فيسوتسكي(1980-1938)
ظاهرة فريدة في الثقافة الروسية خلال
القرن العشرين. فقد كان ممثلا معروفا
ومتميزا في مسرح ( تاغانكا ) الذي يُعد من
المسارح المتمردة في الفترة السوفيتية،
حيث اخترق خلال العقود الثلاثة الأخيرة
من القرن العشرين كل التحريمات والشروط الأمنية
الفكرية التي وضعها المنظرون الحزبيون
الشيوعيون في الاتحاد السوفيتي آنذاك
حول المسرح الملحمي وأعمال برتولد بريخت.
وقد اشتهر فيسوتسكي
كممثل في دور (هاملت) لشكسبير على المسرح.
كما اشتهر كممثل سينمائي أيضا
ورغم شهرته الفنية كممثل إلا أن
شهرته الحقيقة والجماهيرية هو كونه
مغنيا..، وتجربته الغنائية تستحق
الانتباه ليس من قبل الدارسين لفن الغناء
وحسب وإنما بالنسبة
للشعراء أيضا.
فالقصيدة تولد لديه كأغنية
أولا، وتنمو وتتواصل مع تواصل اللحن
والموسيقى والنغم واللحن،
أي انه يعود بالشعر إلى
حالته البدائية الأولى..إلى الغناء. فهو
لا يكتب الشعر وإنما يغنيه، وهنا نجد من
اللازم الإشارة إلى تجربتين أخريتين في الثقافة الروسية
هما تجربة الشاعرين اليهوديين ( بولات
أوكاجافا) و( روزن باوم).
أغاني
فيسوتسكي ساخرة، مرحة، مليئة بالمرارة، إنها
أغان وقصائد شجاعة، فلقد دخل فيسوتسكي بأغانيه
إلى عالم ( الرجل الصغير) بتعبير فيلهلم
رايش، وكانت هذه العوالم محرمة
على التناول في الثقافة
الرسمية. فقد كان فيسوتسكي يعيد صياغة
العابر واليومي، ليعبر عن هموم الإنسان
الاعتيادي وليتحدث
عن أشيائه الصغيرة..لكن بصياغات وتعبيرات
تفيض بالحكمة الجارحة، حكمة الحياة
وليست حكمة الكتب.
ظاهرة فيسوتسكي نادرة، ليست
في الثقافـة الروسية فحسب، وإنما على المستوى العالمي،
ويكمن سر هذه الظاهرة في تلك العلاقـة
التي قل ما يمكن لمثقف، ولمبـدع أن
يقيمها مع النـاس البسطاء فـي القاع ،
فقد كان الأقرب إلى
العمال وسائقي الشاحنات ومدمني الفودكا والجنود والطلبة
والمستائين من الأوضاع
الاجتماعية ومن الهيمنة الحزبية على
المجتمع والحياة.
أغانيه
وأشعاره أُستخدمت في العديد من الأفـلام
والمسرحيات السوفيتية، وما بعد
السـوفيتية،
وطبعت على أسطوانات،
وكاسيتات، وأ ُذيعت من الإذاعة
والتلفزيون، لكنه لم يجمع أشعاره
أو ينشرها في
حياته، وإنما
صدرت بعد موته في كتاب يحمل أسم (أعصــاب
). ).
تزوج فيسوتسكي في حياته
للمرة الثانية من الممثلة الفرنسية،
الروسية الأصل، ماريا فـلادي،
وهاجر معها إلى
فرنسا، حيث مات هناك في العام 1980 نتيجة
تعاطيه جرعة كبيرة من المخدرات، ونقل
جثمانه إلى موسكو، حيث دفن في مقبرة العظماء،
بينما دفن الذين حاربوه
وضايقوا روحه المبدعة
والحرة، من الحزبيين والبيروقراطيين
ورجال المخابرات في مزبلة التاريخ وفي
جحيم النسيان.
قصــــــائد..أغان
الأقـنـعــــــة
كما في المـرايا المحـدبة،
أبـدو ضاحكا، بينما في
أعماقي غارق أنا في البكاء..؛
وبما أنني دُعيت إلى الحفـل، فقد تظاهرتُ باللبـاقة..؛
حيث الأنـوف المشبكة،
والتكشيرات العريضة حتى الأدنين ؛
كما في كرنفـلات فينيسيا
بالضبط.
مـاذا علي أن أفعــل؟ أأهـرب؟ نعم..نعم..وبسرعة..؛
لكـن ربما يمكنني المـزاح
معهـم قليلا
آمـلُ ذلك، أو ليس تحت هذه الأقنعـة لوجوه الحيوانات،
ثمـة وجـوه بشـرية.؟؟
كلهـم يضـعون الأقنعــة،
والشعر المستعار..كلهـم..كلهــم
فهنـا الـراوي، وهنـاك
الأديـب،
وجـاري من اليسار مهـرج
حـزين
والآخـر سـياف،
وواحـد من كـل ثلاثة يضع
قناعا لغبــي.
أحـد الـوجــوه يسعى لرد الاعتبـار لنفسـه
ووجـه آخــر يتخفـى، ولا
يعلن عن نفسـه
وهنـاك من لا يستطيع أن يميز
نفسه عن قنـاعه..!
وأنـا أدور مـع الراقصـين
مقهـقهـا
لكنـني لـسـتُ مطمئنـا لهـم
فـلربمـا يعجـب قنـاع
السياف صـاحبه
أترى سوف ينزعـه..؟
ولربما، يعشـق المهـرج
الحـزين وجهـه الكئيب
فلا ينزعـه أبدا
ومـاذا لـو أن الغبـي
وهيئتـه الحمقـاء
ينسى وجهـه الحقيـقي، فيظل
غبيـا.
أو ربما تنطبـق الـدائرة
عـلي ، فجـأة،
ويمسكون بي، ليجرجروني إلى الـرقـص
وأنـا بوجـهي الحقيـقي؛
بينما يتصـور الجميـع وجهـي
قنـاعـا؟؟
مفـرقعـات، وحـلوى، ورغم
هذا لست ُ على مايرام
فالأقنعــة كانت تتفـرس بي
بعتـاب
وهـا هـم يصـرخـون بأنني
خرجـت ُ عن الإيقـاع
وإننـي أدوس أقـدام
الـراقصيـن..!
هـا هـي الأقـنعـــة ُ
الشـريرة تسـخر مني
والأقنعــة المـرحـة بـدأت
بالغـضـب
فخـلف الأقنعـــة، مثـلمـا
خـلف الجـدار،
تتخـفى الـوجــوه البشـرية
الحقيـقية.
لينـابيع الإلهــام سأسعى
بنفسـي
إذ سـوف لن أطلب من أحـد ان
يكشـف عن نفسـه
فمـاذا لـو خُــلعت
الأقنعــة، وأتضـح الجميع
بنصـف قنـاع، ونصـف وجـه؟؟
أنا بأسـرار الأقنعــة
لعـليم
وواثـق ٌ بأن فهمي لهـا لصحـيح
فأقنعــة اللامبـالييـن ؛
بالنسـبة لهـم
واقيـة من البصـاق
والصـفعـات!!
وأنت أيهـا الوجـه
المنـافق، لو كنت بلا قنـاع..فـلـترتـديـه
وأنتـم...أنتــم..كـل شـيء مكشـوف
فلمـاذا تتخـفون خـلف وجـوه
أخــرى
بينمـا وجـوهـكم ، في
الـواقع.
.رائعـة
ولكـن أنـى لـي أن لا
يفـوتني الـوجـه الطيـب
وكـيف لـي تخمـين الشـرفاء،
دونما ظـل من الشك؟؟
فلقـد جــاء الجميـع إلى هنـا واضعيـن الأقنعــة
كـي لا تتهشـم وجـوهـهم من
ضـرب الحجـارة.
أغنيــة
عـن الصـــديـق
إذا أتضـح لك الصـديق،
فجـأة،
بأنـه ليس صـديقا، ولكنه
ليس عـدوأ أيضا..
إذا لـم تسـتطع، بفراستك، أن
تتحـقق
من كونه سيئا أم جيدا
فخـذه معـك لتسلق الجبال،
وهناك لا تتركـه وحـده
بل دعـه معـك في مشـد واحـد
حينها ستعرف من هـو..
إذا ذهب الفتى معك إلى الجبال غير متـأوه
لكن إذا استرخى، وخطا خطوة على
الجليد
فتعثـر، ثم تعــالى صـراخه
فهـذا يعنــي بأن الذي معك..غـريـبٌ
لا تـلمــه..اطــرده
فللأعــالي لا يأخـذون
أمثـاله
وهنـا
عـن أمثـاله لا أغنـــي.
وإذا لـم يشـتك، ولم
يتـوجـع،
رغـم أنه كان متجهمـا،
وعبوسـا
لكنه مضى معـك
وحينما سقطتَ أنتَ من
الصـخـرة
أطلـق أنـة ً..لكنـه تماسـك
أو أنه ذهـب معك، وكـأنما ذاهب إلى معـركـة
وهناك على القمـة وقـف
نشـوانَ
فهـذا يعني، كما تعتمـد على
نفسك،
تستطيع الاعتمـاد عليـه..
الســـــفــن
السفنُ راسية ٌ، ومصطفـة ٌ،
ومتهيئـة
لكنهـا سترجع خـلال فصل
المطـر
ولـن يمـر نصـفُ عـام حتى
أظهــر
كـي أرحــل ثانيــة
لكي ارحـل أنا أيضـا لنصف عـام.
الكـلُ يعـود، إلا أفضـل
الأصـدقاء
إلا أحـب وأوفــى النســاء
الكــلُ يعـود، إلا الـذين
نحتـاجهــم..؟
لا أثـق بالقــدر
وبنفسـي لا أثـق
أكثـر
لكـن بودي أن أثـق بأن الأمر
ليس كذلك
وأن حـرق السـفن، مثل ( الموضة)
سينتهي قريبا
سأعود أنا، طبعا، إلى الأصـدقاء
سأعود أنا، إلى الأحـلام
وطبعـا سـأغني،
وأنا سأغني طبعا، ولا يمـر إلا نصف عــام
لا
أحــــــب
أنا لا أحب المصير المحتـوم
فمن الحيـاة أنا لا أتعـب
أبدا
لا أحـب أي فصـل من فصول
السنة
حينما لا أغنـي فيه أغـاني
الفـرح
لا أحـب المجــون البـارد
كمـا لا أثـق بالحمـاسة.. ولا
أحبها
وأيضا لا أحب حينما يقرأ
الغريب رسائلي،
وهويبصبص من خـلف كتفـي
لا أحـب ، حينما يُقطـع
الحـديث
وهو لم يتم بعـد
كما لا أحـب حين يطلقون
النار من الخلـف
لا ولا حينما يطلقونها عن
كثب
أكـره النمـيمـة
ودودة الشـك
وحسك
التشريفات
أو عندمـا يمُسّـد الصـوف
عكس انسداله
أو عنـدما يُطـرق الحـديد
على الـزجـاج.
لا أحـب إطمئنان الشبعانيـن
ومن الأفضل، حقا، أن لا
يكبحـوا
ويسوؤني حيثما تكون كلمة ( الشـرف ) قـد نُسيت
أو حـالما يُطعـن الشـرف
أمام العيـن
وعـنـدما أرى الأجنحـة
المتكسرة
لا تأخـذني شـفقة، ولا أود
أن أخفـي ذلك
فأنا لا أحـب القسـر، ولا
العجـز كذلك
لكني، رغم ذلك، أشفقتُ على
المسيح المصـلوب
لا أحـب نفسي عندما تجـبن
فأنا لا أصـبر حينما يضربون
البـريء
ولا أحـب حينما يتسـللون إلى روحـي
والأكثر من كل هـذا
يبصقـون عليهـا.
لا أحـب ميدان السـيرك او
حلبات الألعاب
فهنـاك يتم تبادل اللطـف
بالروبلات
ودع عنك بأن هنـاك تغييـرا
كبير أمـامنـا
فـرغم هـذا
لن أحبه أيضا.
|