العدد الخامس ------------------- شباط 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 ذياب كزار "أبو سرحان"  رائد الأغنية العراقية الحديثة

عبد الكريم هدّاد

ينحى دائماً نحو بدايات التكوين الطاهر على أرض العراق

{  إن الشاعر الحقيقي هو الكائن الوحيد

الذي يعيش في الصمت ويموت بهدوء..}

الشاعر العراقي رشدي العامل

إبْچـي على مِحْـنِتَكْ   ابْـچي يَـا بو سَرحانْ

مثـل القصيدة صِرِتْ  تِـنْـحِچي بْكِلْ لْسـانْ

ذياب كزار

 

 

      إرتبطت حركة الشعر العراقي ، مع تطور وعي الحركة السياسية العراقية ، فانتعش الشعر وارتقى بقوتها وتـهادن وانزوى وخبا فـي هزائمها ، وذلك لارتباط منتجيه مع آلية وقائع وتلاحم الأحزاب الوطنية الديمقراطية العراقية مع واقعها اليومي . وما برحت الحياة الثقافية الإبداعية العراقية الحقيقية ، متنامية الوشائج عضوياً مع قوة الشارع العراقي.

         وبما أن الأغنية هي شكلاً من أشكال الإبداع الإنساني ، فالضرورة حتمية هنا ،  بأن تكون للأغنية العراقية روابط قوية تمدها طردياً بالتطور والنضوج عـبر إلتصاقها  المباشر مع الحركة الشعرية العراقية عمـوماً ، وبكل تفاصيلها اليومية ، نظراً لكون  الكلمة الشعرية هي الركن الأساسي الأول في ولادة الأغنية العراقية .

         وعندما فتح الشاعر مظفر النواب في القصيدة الشعبية العراقية باباً ، كان مغلقاً أمام مضامين إحتكرتها القصيدة العربية الفصحى ذات الأغراض الكلاسيكية المتعددة ، والتي تجددت على أيدي رواد حركة الشعر الحر ومبدعها الأول الشاعر الكبير بدر شاكر السياب ، من حينها إنطلق الشعراء الشعبيون العراقيون في أفق المضامين الحديثة للشعر الشعبي العراقي والأغراض اليومية الحيوية المستجدة والمعاصرة ، ليتجسد إتساعها عميقاً مع  تجليات الأنسان العراقي .

         ونظراً لكون الأغنية العراقية  الجادة نصاً يستمد مقوماته وأشكاله من القصيدة المتكونة من الخيال ( الصورة ) ، اللغة ، والأساليب الموسيقية ، لذلك نفضت عن نفسها غبار الفطرية والرتابة الشعرية من ناحية الموضوع والإيقاع العام . حيث  كانت أغراض الشعر الشعبي العراقي تتراوح ضمن إطار وصف المحبة / الهجران / الأنتظار /  الوداع / اللقاء  ..الخ.

         وقد سجلت ستينات قرن العشرين  إنعطافة كبيرة في الأغنية العراقية من حيث الأغراض الوجدانية وتلك الطموحات الراغبة في التغير على منحنيات ثقافية راقية ، وإن حملت الخيبة التي بدأها مظفر النواب في عدد من قصائد ديوانه الشعري  ( الريل وحمد)  إضافة للنصوص الشعرية المغناة مثل روحي والبنفسج (1) .

         ومن هؤلاء الرواد القلائل الذين نجحوا في نقل موضوعات وأساليب القصيدة الى

النص الغنائي ، الشاعر الغنائي الراحل ذياب كزار ( أبو سرحان) حيث حملت إبداعيته الشعرية الغنائية الريادة في الجدية والأغراض الشعرية المتعددة في نص متعدد الأوجه ، نص له رمزيته من خلال مسميات مباشرة بما تحمله من دلائل ثابتة  ومتغيرة . وما إنجازه الناجح في خلق وتأسيس نص غنائي عراقي معاصر ، أعطاه الريادة في الكتابة الغنائية ، من حيث سيرورة دوامه في الإشتغال لتكوين نص شعري غنائي لا نص كلمات غنائية يشدها لبعضها الوصف في أحسن أحوالها . كان عمل (أبوسرحان) الدائب والدائم ، هو خلق أغنية شعرية بمواصفات القصيدة الحديثة ، وبما أن الشعر (هو السليل المباشر للإسطورة وإبنها الشرعي ، وقد شق لنفسه طريقاً مستقلاً بعد أن اتقن عن الأسطورة ذلك التناوب بين التصريح والتلميح ، بين الدلالة والإشارة ، بين المقولة والشطحة)(2) وهذا ما امتلكه (أبو سرحان)    في مكونات نصه المتناسق الأبعاد والرؤية الهادفة ، فكانت المرأة هي رمزه الأوحد لما تحمله المرأة  من تعددية رمزية كبيرة واسعة في التلميح والإشارة ، نظراً لكون المرأة هي منشأ  الأشياء ، وهي- عشتار -القوة الألهية الأولى التي عبدها الإنسان وهي – إنانا -  آلهة الحب والخصب عند السومريين . وفي ( معظم   الرمزيات الحديثة يمكن للرمز أن يتضمن قسماً كبيراً مما   يمثله ولكنه يبقى مع   ذلك مميزاً ، ومثال ذلك الصليب الذي يحمل مجموعة من التداعيات بالنسبة للمسيحين ولكنه ليس المسيحية ذاتـها ، بينما الرمزية البدائية تعكس تطابقاً حقيقياً بين الرمز والمرموز إليه)(3)   . والرمزية لدى الشاعر (أيو سرحان ) هي رمزية هادئة ينعكس على سطحها المرئي الواضح بتجليات الإستفهام ، والتشكيل الحافل بالمخاضات الغامضة لتأثير التطلعات المتكررة . وذلك بموازاة تجديد روحية الشعر المرافق لإهتمامات إجتماعية أشمل بلغة يومية مشرقة ودافئة،  نتيجة توسع عوالم  الشعر الشعبي العراقي في إمكانيته على حمل خواص ومميزات الشعر الحديث ، التي إنعكست في تجارب حركة الشعر الشعبي العراقي الحديث ومنها أغاني عراقية حديثة ، أرستها مجموعة من الأسماء الإبداعية اللامعة أمثال الشاعر طارق ياسين ، الشاعرعلي الشيباني والشاعر ذياب كزار (أبو سرحان) الذي نقف أمام نصه الغنائي . ذلك النص المنطلق على درجة عالية من فضاء الشفافية ، حينما مارس الدلالة البعيدة المنوال والأفق،من خلال مدلولية خطابه الشعري ، المكتنـز بالفرادة ونسغ الجودة الشعرية التي رسمها بجمالية عالية اللون ، لكن بحسية لها ألفة الطفولة ..

 

مَرَة مَرْني الطيف نسمَة عْلَى  جِنِحْ

وْبَلَلْ عْيوني بْدَمِعْتـينْ الـصِـبِحْ

سولَفْ بْهيدَة عْلَى روحي الغافْـيَة

سْوالِفْ عِرسْ

جانَتْ الگِذْلَة ذهبْ

چانَت الدِنْـيَا كِرسْتال وشَمِسْ.

 

مَرَة مَرْني الطيفْ وبْثوبي الجِديدْ

خَضّرْ بْروحي گُمَرْ وهلال عيدْ

وآنـَا وَصيتَه وْ وَعَدْني ، وگالْ

نِرْجَعْلِچْ سِوَه

چانَتْ الگِذْلَة ذَهَبْ

چانَتْ الدِنْـيَا كِرستالْ وْضِوَه.

 

مَرَة مَرْني الطيفْ مُهرَة مْزَلِفَه

وذَبْ رَجِفْتَه الباردَة گليبي وْغُفَه

وطَرَزِتْ للجايْ وردَة من الفرحْ

چانَتْ الگِذْلَة ذَهبْ

چانَتْ الدِنـيَا كِرِستالْ وقَزَحْ (4) .

 

         إن النص الغنائي لدى الشاعر المبدع (أبوسرحان) هو نص مفتوح على  أوجه عديدة يمكن لنا دخول مكوناتها وعوالمها ذي النكهة العراقية ، والمفعمة  بحيويتها الإنسانية الدافئة بخلجات الروح البشرية الحالمة ، تعبيراً عن ذات المجموع بصيغة المفرد .حيث يتجلى ذلك بكل وضوح خلال نص أغنية (يـَابْـنادَمْ)

 

 

يَا بْنادَمْ..

 دادَه  إبْهيده اعْلَى بَخْـتَكْ

 لا تِعِتْ بيهَا

روحي إنْـحَـلَتْ

 والشوگ..  يَا بْنادَمْ ماذيهَا

ماچَنْهَا ذيچْ الروحْ.. يَا بْنادَمْ

ولا چَنْهَا كِلْهَا جروحْ.. يَا بْنادَمْ

والشوگْ ماذيهَا

شْـما لَـكْ تِعِتْ بيهَا .

 

تَسْيورَة ..

عمري وْياكْ  يَابْنادَمْ 

 غَفْلَه وَ أخَذْني الطيفْ

وْ لَـنْـهَا بْـحَلاةْ النومْ  

يَا بْنادَمْ 

روحي عْـلَى روحَكْ ضيفْ

وَكْـفَه  بْهواكْ سْنينْ 

كَـيِّـفْ تَـرانَـي بْكيفْ

وْراكِـدْ بْروحي المايْ  

ثـاريهَا غيمَةْ صيفْ.

 

 

بَچْيِّ الشموعْ الروحْ يَـابْنادَمْ

بَسْ دَمعْ مامِشْ صوتْ

رَفَّـتْ جِنِحْ مَكسورْ يابنادم

گلبي يِرِفْ بَسْكوتْ

لاهِـي سنَة وسنتين ياَبْنادَمْ

ولاهيَّ صَحْوَة موتْ

حَسْـبَةْ عمر عَطْشانْ

والمايْ حَدْرَه يْفوتْ (5) .

 

         لقد أسس الشاعر (ابوسرحان) في تعامله مع الشعر ،من إرساء تجربة واعية             في ضوء كتابته نصوصاً لأغاني عراقية راقية الإسلوب والمحتوى ، منحته الريادة في تلك النقلة الواضحة النوعية والكبيرة لمسار النص الغنائي العراقي . فقد حقق نصه أوائل سبعينات قرن العشرين آفاقاً جديدة أثمرت مع تجليات عدد من الملحنين العراقيين البارزين عن أغنيات حديثة الرؤية والأسلوب والأغراض ، خاصة نصوصه الغنائية التالية: يَبْنادَم / شوك الحمام / الكنطَرة /    خَيّو بنت الديرة  / الكرستال /  هُمَّه ثَلاثَة للمدارس يِروحون / مهضومَة شَدات الورد / وين يَالمحبوب/  تانيني ألتَمسِچْ.. /  لا..لالِولْ لِوَه  /  طاح الندى يَاگصيبَة  / بنت الهور .      وقد إهتم  بالمسرح الغنائي ، فكتب أغاني أوبريت ( مابيع طوگي  )  لفرقة مديرية تربية البصرة .

وكذلك أغاني مسرحية ( الجومة ) لفرقة مسرح الفن الحديث ، التي منعت من العرض حينها . كما شارك  في أوبريت( بيادر خير ) .

         ومما لا خلاف عليه أن الشاعر(أبوسرحان) كان مسلحاً بالموروث الشعبي العراقي كأدوات لابد منها لبناء تجربته الخاصة شعرياً، حيث مفردته الشعبيةالعراقية والمشحونة برؤيته المتعددة الأبعاد لتركيب صور بسيطة وعالية التطلع نحو هدف تكويناتها المشدودة الى عمق ايقاع حزنها الأنساني الراقص..

 

أصَليلَكْ  تِرِدْلي اثنـينْ

أشوفَنَكْ ضِوَه  بْيا عينْ

عينْ الدمعْ ، عين الدم

لو عين الما بِچَتْ مرتينْ

أصَليلَكْ صَلاةْ التَـيّـهْ دْروبَه

عْلَى يا هو يْـفـوتْ

وصَلاةْ الما دَرَى ذْنوبَه

عْلَى يا هو يْموتْ

وصَلاةْ  الما دَرَى جْروحَه

بْحَلِگْ يا حوتْ .

   

 ويمكن لنا إمساك مسارين متوازيين خلال نصه الغنائي فالصورة الشعرية  والمتدفقة عبر لغة شعرية راقية ومستجدة بخطابها الشفاف ، وهي تتشكل ضمن  ألوانها المتجانسة والمشرقة بتناسق إيقاعها الهادئ حزناً عراقياً . أن ذلك التوازي المتوازن  ماهو إلا سبك الصورة المرئية والتي هي إنعكاس فني واضح المعيار جمالياًفي لمس ظلال الواقع المأخوذة بأنفاس النص الشعري، فالصورة الشعرية لدى  ( أبو سرحان ) قناع لصورة العالم الذي حوله..

 

آخْ شْكثِرْ هَمْ الگلبْ شو هَلْهِلَنْ بِهْدايْ

موشْ العَلَى جفوني كحلْ هذَا سِوادْ المايْ

سَـيَسِتْ مابينْ الحِزِنْ والفرحْ يا دِنْيايْ

فَزَّتْ حِلِمْ چَذابْ

وصْوابْ فوگْ صْوابْ

والروحْ مـا تِحْمِلْ سِكِمْ تَرْفَه (6) .

 

      ويتضح الأمر كذلك في مقطع من نص غنائي آخر..

يَـالـحِسْـنَه نَبـْـعـَةْ فَرَحْ      وعْيونَه تَـجْـليـبَه

يَالـطـولَه نـايـِلْ عِشِگ    والشَـعَـرْ مَا دْريـبَـه

مَـچـتـولْ من صيدْ أمسْ   من كِـثِـر تَـعْـذيـبَه

          مـوتْ الحَمامْ بْـهـيـدْ             والـوَنـَّه تَـرفَـه  (7)      .

 

وما ولوجه لعوالم المرأة ورسم دواخلها الأنسانية ، حيث عبر بلسانها أو عنها بأجمل النصوص الغنائية العراقية ، خاصة  نصوص أغاني  طاح الندى ياگصيبة  /  لولي ياناگوط الماي /  الگنطرة  /  خيوة بنت الديرة  ، وغيرها من النصوص.

 

طاحْ النِدَى يَاگْـصيـبَة

ودارْ الحُولْ يَاگْـصيـبَة

نِمْتْ بْـهَدَه  يَاگْصيـبَة

وليلي يْطـولْ  يَاگْصيـبَة .

خِذْني عْلَى جَـفّـك سِـمْسِمَه

مـاهـي ثِـجـيـلَـه يَاسِـمَه

ذِبْـنـي بْـحَـلاتي مْـديـرِمَه

يَـمْ شـوگي وَأنـسَى الـغيـبَه .

بْذاكْ الصوبْ يَالغَـنّيتْ

حِسّـك نِدَهْني وفَـزّيتْ

وبْروحي يَـااسْمَرْ لوليتْ

     بْمِسْـتَـحَه وخِفْتْ الغيبَه (8)  .

 

         وقد إتخذ من ذلك كله رمزاً في التعبير عن رفضه للواقع الذي عاشه .   فالنصوص لديه معبئة بالمواقف الإنسانية والوطنية الرافضة والمطالبة بالتغير ، ونلمس وضوحه في أحد المقاطع التي أسقطت عمداً من أغنية ( خَيوة بنت الديرة ) ..

 

خَـيّوه من سِجْنوهَا

خَـيّوه بْقَصرْ العالي

خَـيّوه من زَفوهَا

خَـيّوه  لَ ابنْ الوالي (9) .

 

         وتبقى أغنية ( لولي ياناگوط الماي) ناعمة في سلاستها المضيئة والعالية النسيج والرؤية، مثلما الركن المليء برائحة وعاء الفخار العابق بنكهة الصيف العراقي ، بياناً وصرخة إنسانية عالية لكل إمرأة يحاصرها الأنتظار ..

 

لُولي يـاناگوطْ المايْ  

خيطْ الگصيبَة ماغُفَه

سولِفْ يـاناگوطْ المايْ

گلبي بْسِواليفَكْ دِفَه.

 

لُوليتْ لوليلي بْـهـيدَه

نَسْمةْ شـمالي تْـلـولي

مابَلَّلْ گليـبي الـنِـدَى

ولا عَنْ وِلِفْ مَكتوبْ يِحْچولي.

 

خَبْرَه يَـا بَعْدْ رْويـحِـتي

عن روحي ناشِفْ مَـايْـهَا

لـولي وْسولِـفْ حـالـِتي

حال الكِـطايـَة التايـْهَـه (10) .

 

         إضافة لحضور شخصية المرأة عبر حكايات نصوصه لكونها الراوية عن دواخله العاصفة بالشاعرية الغنائية الصافية،يترادف حضور الماء عبر تكوينات ومسميات عديدة تنطوي داخل الصورة الشعرية.. ناكوط/ الماي / سَيَّسِتْ /  نبعَةْ  / غيمة /  الگنطرة / ناشف / عطشان / بلل .. وهذه بعض المفردات التي أستخدمها وهي  دلالة على وجود الماء. والماء هنا إنعكاساً للبيئة التي ولـد فيها وترعرع ألا وهي مدينة البصرة ، مدينة القناطر والشناشيل المنقوشة بإخضرار النخيل وزرقة الماء   .

       مثلما هي عمق فكرة الميلاد المائي في الأساطير البابلية حيث ولد الكون من المياه الأولى، وبذلك ترادف الماء والمرأة في الدلالة الرمزية لدى نص (أبو سرحان ) . ومازال الماء رمزاً للطهارة في كل الأديان مثلما هي في أساطير بلاد مابين الرافدين  التي تحكي عن {مردوخ} الذي شطر الآلهة{ تهامة}  نصفين ، أحدهما أرضاً  والآخر سماء . و{ تهامة }هي المياه الأولى ، وتمثل الإنوثة المقترنة بالمرأة دوماً وعليه فشاعرنا كان ينحى دائماً نحو بدايات التكوين الطاهر على أرض العراق.

         لقد رسم الشاعر ( أبو سرحان) الواقع بحزن رومانسي شفاف ، يؤسر  المتلقي ويدفعه نحو أسئلة تفسيرية قادرة على إعادة بناء الواقع بشكل أكثر عدالة وسعادة.فقد سجن أثر إنقلاب شباط الأسود المشؤوم عام 1963 في سجن نقرة السلمان الصحراوي(11) وهو لم يتجاوز السادسة عشر عاماً من عمره ، وبذلك (( عاش  واقع معقد رومانسي في آن واحد وبدلاً من أن يعيش هذا التلميذ " أبوسرحان" وسط أقرانه من التلاميذ عاش وسط صفات متكاملة من النضج وشعور أكبر من جدران السجن )) (12) .

ومن خلال هذه التجربة السياسية والإنسانية تكونت وتبلورت أساسيات أركان ثقافته التي صقلتها تجربته الصحفية (13)وإطلاعه على الأدب العالمي بواسطة اللغة  الأنكليزية التي كان يجيدها . وقد تجلى ذلك في ديوانه الشعري الوحيد ( حلم وتراب) الذي به يتضح إنحيازه لقضايا الفقراء والعدالة والحق والوطن بكل جنون الصحو الصوفي..

 

بِـيَّ سُـولَـه..

  لو بَـرَدْ جَـرحـي

أَشِـگْ جَـرْحـي اعْلىَ طُـولَـه !؟

 

         ويظل الشاعر الغنائي العراقي( أبو سرحان ) الذي إختفى على حاجز تابع لمليشيات الكتائب اللبنانية أبان الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982.. يبقى  شاعراً رائداً للأغنية العراقية.. ويبقى عالي الصوت وهو ينادي ..

 

بِالفالَه مْحَزّمْ وِالدِنْـيَا

بَردي ومايْ وشوگْ وگمرَه

وأبْـرَى لْ مَشحوفَك حِمْريَه

    ولاريدَنْ گاعْ بْـلا ثَـمْرَه (14)  .

   

  هل إختصر الخطى..؟؟ أم توهم أن ذلك الحاجز ، هو قنطرة لإجتياز فواصل التيه داخل الوطن وأفق المنفى البعيد الذي أتعبه شوقاً..

 

حَـدْرْ التَـراچي بَردْ

والگـنْـطَرَة بْـعيدَة

أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ 

 والگـنْـطَرَة بْـعيدَة

نَـگـضْـني مَشيِّ الدربْ

والشوگ هَـزْ الگلبْ

والگـنْـطَرَة بْـعيدَة .

 

 

حَلمانَـه بَردْ الصبحْ

رَجَّـفْ خَلاخيلي

يـادِفـو چَـمْلْ الدِفـو

يـاگمرْ ضَـويـلـي

يـاذَهَبْ خيطْ الشمسْ

 طوگـيـنْ سَوّيلي

لايِگْلي طـوگْ الذَهَبْ

والدَغشْ ماريدَه

أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ

والگـنْـطَرَة بْـعيدَة .

 

لا لا يَابَرْدْ الصبحْ

ماتِحْمِلْ چْفوفي

زْغيرَة وچِـواني العِشِگْ

 وَتْـوَسَدْ زْلوفي

هيمَة وْجحيلْ الوَكِتْ

 ومـا لَمْني نَـفْـنوفي

لُوذي اعْلَى باجي البِـعِـدْ

 يـاروحي حَـدْر ايْدَه

أمْشي وگولْ وْصَلِتْ

 والگـنْـطَـرَة بْـعيدَة (15) .

 

 

 

 

1- لحنهما الملحن العراقي طالب القره غولي وغناهما المطرب ياس خضر.

2- فراس السواح، الأسطورة والمعنى/ دار علاء الدين/ طبعة أولى 1997 دمشق ص 22.

3-  ك. موريس بورا، الغناء والشعر عند الشعوب البدائية/ ترجمة:يوسف شلب الشام ،ص 276.

4- وهي من ألحان الملحن محسن فرحان وغنتها المطربة أمل خضير ، وقد منعتها رقابة  الإذاعة والتلفزيون في بغداد لأسباب غير معروفة.

5- من ألحان الفنان الملحن كوكب حمزة وغناء المطرب حسين نعمة.

6-  لحن الفنان محمچ جواد أموري وغناء المطرب ستار جبار .

 7- لحن الفنان كوكب حمزة وغناء المطرب فاضل عواد .

8- لحنها الشاعر والملحن  طالب غالي.

9- لحن الفنان الملحن حميد البصري وغناء الفنانة شوقية أحمد .

10- غناء الفنانة أنوار عبدالوهاب ، وهي من ألحان الفنان كوكب حمزة.

11- سجن نقرة السلمان : قلعة حصينة وسط بادية السماوة ، جنوب غرب العراق. وداخل جدران هذا السجن تعرف الشاعر ذياب كزار على الشعر ومبدعيه والكثير من أساتذة الأدب العراقي ، الذين إتقن  على أيديهم أدوات الكتابة الأبداعية ، أمثال  مظفر النواب والفريد سمعان شعراً ، هاشم الطعان ومصطفى عبود اللغتين العربية والإنكليزية.

 12-عزيز سعيد ، جريدة المجرشة العراقية – لندن العدد ( 40) كانون الأول 1996 ص5 .

13-عمل صحفياً في جريدة طريق الشعب ، لسان حال الحزب الشيوعي العراقي ،منذ أيامها الأولى . كما عمل في مجلة الطليعة الكويتية.

 14- من ألحان الفنان الشاعر طالب غالي .

 15- من ألحان الفنان كوكب حمزة.

 

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )