|
منذ
أواسط العقد الثالث وبداية العقد الرابع من
القرن المنصرم، ظهرت في العراق ظاهرة
موسيقية جديدة أخذت حيز واسع في حديث
الناس، حيث تتجسد هذه الظاهرة في أن أغلب
الموسيقيين العراقيين وأمهرهم عزفاً ممن
ظهروا خلال تلك الفترة هم من المكفوفين مثل
عازف الكمان داود أكرم(1) وعازفي القانون
شلومو شماش و إبراهام سلمان وعازف الجلو
يوسف ربيع وعازفي الكمان
الياهو جوري وسليم كركوكلي وعازف العود
مئير
نقار, ولهذه الظاهرة قصة خاصة نحاول في
مقالنا هذا أن نسلط الضوء عليها لأهميتها
وتأثيرها الكبير والبالغ في تاريخ
الموسيقى العراقية.
في
عام 1943 انشق عدد من طلاب دار المؤاساة
العميان عن جوق المدرسة وكونوا بصورة
طواعية جوقاً موسيقياً ثابتاً أسموه "
أخوان الفن "، حيث أصبح هذا الجوق يشارك
في جميع الحفلات العامة والخاصة التي يدعى
لإحيائها. خصص لهذا الجوق برنامج أسبوعي
ثابت لمدة نصف ساعة في الإذاعة العراقية،
ولم ينفصل أعضاء هذا الجوق عن بعضهم حتى بعد
إشتغال بعضهم في الملاهي وفي القسم الكردي
من الإذاعة العراقية كموظفين.
ضم
جوق " إخوان الفن " سبعة عازفين هم داود
أكرم رئيس وعازف كمان، الياهو جوري (كمان )
سليم كركوكلي (كمان) مئير نقار (عود) يوسف
ربيع (جلو) شلومو شماش (قانون) وموشي شماش (دف).
ويجدر بالذكر أن أغلب أعضاء الجوق كانوا
يجيدون العزف على أكثر من آلة واحدة.
أخـوان
الـفـن
حين
تقدم بعض طلاب مدرسة المؤاساة للعميان في
العزف تقدماً محسوساً ألف منهم مدرسهم بهجت
داده جوقاً سماه " فرقة مؤاساة العميان
" وكان هذا الجوق يتألف في البداية من عدد
قليل من طلاب الدار مثل الياهو جوري وعزرا
يامين وجهاد، ولم تكن أعمارهم قد تتجاوز
الخامسة عشرة بعد، وبدأ بعض الناس يدعون
هذا الجوق لإحياء حفلات عقد القران في
الكنس بدلاً من أجواق التسابيح، حيث فضل
الناس فرقة دار المؤاساة لأن موسيقاها أكثر
فنية من أجواق التسابيح، ولأن مدخولها يعود
إلى مؤسسة دار مؤاساة العميان الخيرية،
ولأن مظهر عازفيها بملابسهم الموحدة كان
أنظم وأجمل. لم يكن هذا الجوق محدوداً من
حيث عدد أعضائه ولا ثابتاً، إذ انضم إليه كل
طالب وصل حسب رأي بهجت داده إلى المستوى
الذي يؤهله للعزف فيه، فكان عددهم يصل إلى
ما يزيد عن العشرة أحياناً. في عام 1939 دعيت
هذه الفرقة إلى إحياء حفلة أسبوعية في دار
الإذاعة العراقية باسم " فرقة دار مؤاساة
العميان "، برز من خلالها داود أكرم على
سائر أقرانه في العزف والتأليف.
في
عام 1943 اختلف بعض أفراد هذه الجوق مع إدارة
الدار فانفصلوا عن المدرسة، وفي ذلك الحين
وبعد أن عَلِمَ السيد حسين الرحال مدير
الإذاعة عن انفصالهم وتركهم فرقة الدار،
اقترح عليهم تشكيل فرقة مستقلة ودعاهم إلى
إقامة حفلات موسيقية في الإذاعة فاستجابوا
إلى الإقتراح وألفوا جوقاً أسموه " فرقة
أخوان الفن "، متكوناً من سبعة فنانين
برئاسة داود أكرم ( كمان )، الياهو جوري (
كمان )، سليم صيون كركوكلي ( كمان )، مئير
نقار ( عود )، يوسف ربيع ( جلو )، موشي شماش (
دف ).
نالت
فرقة " أخوان الفن " شهرة واسعة وكان
برنامجها الأسبوعي في الإذاعة برنامجاً
ينتظره محبو الموسيقى وهواتها بلهف. اشتركت
هذه الفرقة باحياء الحفلات الخاصة والعامة
وكانت بروحها الفنية تختلف عن الفرق الأخرى
المحترفة، إذ أن هم هذه الفرقة وأعضائها
كان منصباً على رفع مستواها الفني.
في
فترة نشوء وتطور فرقة " أخوان الفن "
وتحديداً في عام 1944، ظهر صبي كفيف اسمه لطيف
منشي له صوت جميل رخيم يجيد غناء أعقد
الأغاني المصرية بدون نشاز وله استعداد
للغناء بمصاحبة الموسيقى، وكان حينذاك في
الصف الأول من الدراسة المتوسطة، أي في
الثانية عشرة من عمره تقريباً.
تبنته فرقة " أخوان الفن " ورافقته
في حفلاتها داخل دار الإذاعة وفي الحفلات
العامة والخاصة، وحفلات النساء على وجه
الخصوص، فلقد كانت نساء الطبقة الحاكمة
والفئات الغنية في تلك الفترة متحجبات، لذا
كن يفضلن حضور حفلات جوق أخوان الفن مع هذا
الصبي لأنهن كن يلقين الحجاب دونما حرج كون
جميع أعضاء الفرقة من المكفوفين. لحن له
داود أكرم عدداً من الأغاني ذات المستوى
العالي ورعاه واعتنى برفع مستواه وعلمه
العزف على العود. كان لطيف منشي وفرقة أخوان
الفن معه يدعى لإحياء أفخم الحفلات، حتى
إنه أحيى عدة حفلات أقيمت تحت رعاية الملكة
وبحضورها.
كان
التجديد الهدف الأول الذي وضعته فرقة أخوان
الفن نصب عينيها، فكانت معزوفات داود أكرم
الموسيقية الرائعة جزءاً من هذا التجديد،
فلقد عزفت هذه الفرقة عدداً من البشارف
والسماعيات المنسية والمتروكة بتوزيع جديد
أضفى عليها روحاً جديدة، وأضافت هذه الفرقة
إلى تجديدها أسلوباً جديداً هو أسلوب ترجمة
الأغاني إلى عزف موسيقي، فأخذت أجمل
الأغاني المشهورة في حينه وترجمتها إلى عزف
بتوزيعات موسيقية فنية رائعة.
كان
لإخوان الفن صديق يجيد قراءة النوتة نجح في
تكوين علاقات بالمراسلة مع بعض الموسيقيين
المصرين واقترح عليهم إرسال أحدث القطع
المؤلفة في مصر، فوافقوا على ذلك، وبذلك
استطاعة فرقة اخوان الفن تعلم هذه القطع
وعزفها في الإذاعة العراقية حتى قبل إنتشار
إذاعتها في الإذاعة المصرية أحياناً، وكان
هذا مفاجأة جميلة بالنسبة إلى متتبعي
الموسيقى، والمعروف عن فرقة أخوان الفن
بأنها لعبت دوراً مهماً في تطوير الثقافة
الفنية الموسيقية لدى المستمع والفنان على
حد سواء، وكذلك في تحبيب الموسيقى إليهم
ودفعهم إلى تعلمها.
لقد
ساهمت هذه الأسماء المهمة من الفنانين
العراقيين في تغيير التاريخ الموسيقي
العراقي بشكل لا يحتمل اللبس، فلقد كانوا
ينهلون المعرفة الموسيقية من جميع مصادرها
المهمة وبدون إستثناء فلقد كانوا شديدي
الحرص على إقامة جسور فنية مع فنانين الدول
المجاورة وحتى الأوربية، ولم يتركوا
الساحة الفنية العراقية خالية بعد أن
غادروها، بل امتدت بأصوات أهم المطربين
والمطربات مثل صديقة الملاية وزهور حسين
وزكية جورج وسليمة مراد، وداخل حسن وحضيري
أبو عزير وناصر حكيم، وهنا أود الإشارة إلى
أن أغلب الأغاني التي تطلق عليها الأغاني
التراثية –
غير المعروفة من حيث الفترة الزمنية
والملحن وكاتب الكلمات –
هي من تأليف وأداء هؤلاء العمالقة وغيرهم
مثل صالح الكويتي وداود الكويتي وسليم زبلي.
الهوامش
(*)
أعدت هذه الدراسة عن كتاب " الموسيقى
الفنية المعاصرة في العراق " تأليف، ي.
قوجمان، اصدرته دار" أكت " للتراجم
العربية - لندن 1978.
(1) ولد داود
أكرم في بغداد سنة 1920 ومال منذ صغره إلى
سماع الموسيقى من الاسطوانات المنتشرة
آنذاك، وكان وهو في الثامنة من عمره يشتري
كل اسطوانة تعجبه وخاصة اسطوانات محمد عبد
الوهاب وأم كلثوم وسامي الشوا. له دور بارز
في تلحين قطع موسيقية تصويرية تعد حتى
يومنا هذا من القطع الرائعة في الموسيقى
العراقية الحديثة خاصة والموسيقى العربية
عامة.
(2) داود
الكويتي – صالح الكويتي، في أوائل
الثلاثينات فتح صالح الكويتي وأخوه داود
محلاً لتعليم الموسيقى، وقد تحلى الشقيقان
بروح فنية عالية جعلتهما يحرصان على تعليم
الطلاب كل ما يلزمهم لتقدم في تعلم الفن.
ورغم أن طريقة الكويتيين لا تختلف جوهرياً
عن طريقة يوسف حبيب ( أول من فتح معهد
للموسيقى في العراق ) فقد حاولا ابتكار
إشارات إضافية يضعونها فوق النوتة
المكتوبة حروفاً للدلالة على طول القوس
وقصره أو سرعة الضربة وبطئها، ولم تفلح هذه
الطريقة في حل المشكلة حلاً جذرياً أو في
استغناء الطالب عن النوتة العلمية
الحقيقية. ومع ذلك استطاع طلاب الكويتيين
أن يستفيدوا من هذه النوتة المحسنة وسموها
" النوتة الكويتية " إعجاباً بها.
|