العدد الخامس ------------------- شباط 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

     المكفوفون والإبداع الموسيقي

           ظاهرة عراقية تناولتها الألسن بإعجاب

إعداد حسين السكاف (*)

Al-sagaaf@maktoob.com

 

منذ أواسط العقد الثالث وبداية العقد الرابع من القرن المنصرم، ظهرت في العراق ظاهرة موسيقية جديدة أخذت حيز واسع في حديث الناس، حيث تتجسد هذه الظاهرة في أن أغلب الموسيقيين العراقيين وأمهرهم عزفاً ممن ظهروا خلال تلك الفترة هم من المكفوفين مثل عازف الكمان داود أكرم(1) وعازفي القانون شلومو شماش و إبراهام سلمان وعازف الجلو يوسف ربيع وعازفي الكمان  الياهو جوري وسليم كركوكلي وعازف العود  مئير نقار, ولهذه الظاهرة قصة خاصة نحاول في مقالنا هذا أن نسلط الضوء عليها لأهميتها وتأثيرها الكبير والبالغ في تاريخ الموسيقى العراقية.

مدرسة مؤاساة العميان

في عام 1928 أنشئت مؤسسة خيرية لرعاية الأطفال اليهود من المكفوفين أطلق عليها اسم " جمعية مؤاساة العميان "، حيث جمعت من أجل ذلك تبرعات عينية ونقدية، حتى أصبح المكفوفون يتوافدون إلى المكان الذي خصص لهم لقضاء يومهم هناك حيث التعليم الدراسي والمهني بالإضافة إلى تناول وجبة طعام مجانية يومياً. وفرت الجمعية لطلابها الملابس والأحذية التي كانت توزع عليهم مرتين في السنة، واحدة في عيد المظلة والثانية في عيد الفصح. ولم تكن المؤسسة في أول عهدها معهداً موسيقياً، بل اكتفت بتعليم الأطفال صنعة يدوية يستطيعون الارتزاق منها في المستقبل لإنقاذهم من المصير المظلم الذي كان ينتظرهم، شأنهم بذلك شأن كل مكفوف ينتمي إلى عائلة فقيرة، فمصير التسول والإهمال كان يلوح ظاهراً في مستقبل هؤلاء الصبية، وسرعان ما برع هؤلاء الطلاب في صناعات معينة, مثل فتل الحبال وصناعة الفرش والمكانس مما أدخل واردات إضافية للمدرسة.

لم تكن لهذه المؤسسة بناية خاصة بها أول الأمر بل كانت الجمعية تستأجر غرفة أو غرفتين يحتشد فيها عشرات المكفوفين والمكفوفات يتعلمون الحياكة وفتل الحبال وما شابه ذلك وهم في لغط وصخب دائم مما جعل الجو غير صالح لأي عمل يتطلب السكوت والإصغاء أو مكاناً واسعاً.

ظهر الميل لدى طلاب هذه المدرسة أو المؤسسة إلى الموسيقى حين أخذ يتردد عليهم سليم داود كوهين. وكان سليم صبياً من عائلة موسيقية معروفة يجيد العزف على العود والغناء، أصيب ببصره وهو في طفولته ففقده كلياً بعد أن كان يتمتع بعمة البصر، حيث أصبح فيما بعد من خيرة العازفين والمغنيين والملحنين العراقيين آنذاك. ولسليم هذا يرجع الفضل في إدخال الموسيقى إلى المؤسسة رغم إنه لم يكن من طلابها. فقد وجد هذا الصبي في طلاب هذه المؤسسة مجتمعاً يرتاح إليه، فأخذ يتردد بين حين وآخر مع عوده ليغني لهم ويطربهم بصوته الشجي. فلما استمر على الحضور والتردد إليهم تولدت لدى الطلاب فكرة تعلم الموسيقى، فكان سليم داود أول مدرس موسيقى متطوع في هذه المؤسسة، وتطوع بعده آخرون شعروا بالعطف على الطلاب المنكوبين ببصرهم ولمسوا مواهبهم العظيمة في هذا الاتجاه فصاروا يترددون عليهم ليعلموهم ما يعرفونه من قطع وأغاني. وقد استطاعت المؤسسة بعد ذلك أن تستأجر لهم مدرساً ثابتاً اسمه بهجت داده وهو من مهاجري أرمينيا، حيث استمر على تدريس طلبة المؤسسة حتى عام 1943.

تبرع أحد المحسنين وهو اليعيزر خضوري ببناء مدرسة كبيرة خاصة بهذه المؤسسة افتتحها الملك غازي عام 1933 وسميت " دار مؤاساة العميان "، حيث أصبح بالإمكان فصل غرفة الصناعة عن غرف الدراسة وغرف الموسيقى، وقد استعير مدرس مكفوف من فلسطين اسمه إبراهيم سيمانا للإشراف على تعليم طلاب المؤسسة على المزيد من الصناعات وكذلك القراءة والكتابة بطريقة " بريل " وعلمهم بعض الألعاب كالشطرنج وغيرها، ولم يكن هذا المدرس موسيقياً ولكنه كان يعرف حروف بريل الموسيقية فعلمهم إياها، وبذلك كان هؤلاء الطلاب العميان أول الطلاب العراقيين الذين تعلموا نوتة عالمية.

لم يكن بهجت دادة معلماً قديراً أو موسيقياً بارعاً، وكان يعزف ما يجيد عزفه بطرقة تركية لم يكن طلابه يميلون إليها، وعجز عن تقديم كل ما يحتاج إليه طلابه من ثقافة موسيقية عملية ونظرية. فكان على الطلاب أن يجدوا السبل التي تكفل تزويدهم بالمعلومات التي عجز عن تقديمها لهم معلمهم.

كان بعض هؤلاء الطلاب من عوائل ميسورة الحال تسمح لهم ظروفهم المالية في تقديم العون لأبنائها في سبيل الحصول على المعلومات الإضافية خارج المدرسة، كأن تشتري لهم الآلات الموسيقية الجديدة والاسطوانات على اختلافها أو أن ترسل أبناءها إلى معلم خصوصي يكمل لهم ما ينقصهم، وكان من الطبيعي أن يدرس هؤلاء لدى صالح الكويتي وشقيقه داود(2) إذ لم يكن غيره من المدرسين قادراً على مساعدتهم، وقد استطاع اثنان على الأقل من طلاب دار المؤاساة العميان من دفع الأجور لصالح الكويتي والدراسة عنده هما داود أكرم ومئير نقار، حيث استطاعا أن يلمسا أهمية الدراسة لدى الكويتي التي أثرت عليهما تأثيراً مهماً. إلا أن أغلبية الطلاب الساحقة كانوا من عوائل فقيرة أو متوسطة لا تسمح ظروفها المالية توفير النقود لتعليم أولادها الموسيقى خارج المؤسسة، بل إن بعض هذه العوائل لم تستطع حتى شراء آلة موسيقية لأبنائها، فكان على هؤلاء الطلاب أن يكتفوا بالتمرن على الآلة في المدرسة أو في الأيام التي تسمح بها الإدارة للطلاب باصطحاب الآلة معهم إلى بيوتهم، وكانت الآلات في المدرسة أول الأمر قليلة بحيث كان يسمح لكل طالب أن يصطحب آلته مرة أو مرتين فقط كل أسبوع، وأنحصر تقدم هؤلاء الطلاب في السعي الذاتي وتبادل المعلومات فيما بينهم وبالطبع مع الطالبين اللذين يدرسان لدى صالح الكويتي.

تخرج من هذه المدرسة عدد كبير من خيرة الموسيقيين العراقيين ممن لعبوا دوراً هاماً في الحياة الموسيقية العراقية، وكانت الآلات الرئيسية التي تعلم عليها طلاب هذه المدرسة، هي، العود، الكمان، وآلات الإيقاع، ومع ذلك نشأ منهم عازفين ماهرين على القانون أمثال شلومو شماش و إبراهام سلمان وعلى الجلو مثل يوسف ربيع.

رغم أن الدراسة في هذه المدرسة كانت جماعية ورغم معرفة العديد من طلابها قراءة النوتة بطريقة " بريل " فقد كان تعلم الموسيقى فيها بنفس الطريقة السائدة آنذاك أي طريقة السماع.

في عام 1943 انشق عدد من طلاب دار المؤاساة العميان عن جوق المدرسة وكونوا بصورة طواعية جوقاً موسيقياً ثابتاً أسموه " أخوان الفن "، حيث أصبح هذا الجوق يشارك في جميع الحفلات العامة والخاصة التي يدعى لإحيائها. خصص لهذا الجوق برنامج أسبوعي ثابت لمدة نصف ساعة في الإذاعة العراقية، ولم ينفصل أعضاء هذا الجوق عن بعضهم حتى بعد إشتغال بعضهم في الملاهي وفي القسم الكردي من الإذاعة العراقية كموظفين.

ضم جوق " إخوان الفن " سبعة عازفين هم داود أكرم رئيس وعازف كمان، الياهو جوري (كمان ) سليم كركوكلي (كمان) مئير نقار (عود) يوسف ربيع (جلو) شلومو شماش (قانون) وموشي شماش (دف). ويجدر بالذكر أن أغلب أعضاء الجوق كانوا يجيدون العزف على أكثر من آلة واحدة.

أخـوان الـفـن

حين تقدم بعض طلاب مدرسة المؤاساة للعميان في العزف تقدماً محسوساً ألف منهم مدرسهم بهجت داده جوقاً سماه " فرقة مؤاساة العميان " وكان هذا الجوق يتألف في البداية من عدد قليل من طلاب الدار مثل الياهو جوري وعزرا يامين وجهاد، ولم تكن أعمارهم قد تتجاوز الخامسة عشرة بعد، وبدأ بعض الناس يدعون هذا الجوق لإحياء حفلات عقد القران في الكنس بدلاً من أجواق التسابيح، حيث فضل الناس فرقة دار المؤاساة لأن موسيقاها أكثر فنية من أجواق التسابيح، ولأن مدخولها يعود إلى مؤسسة دار مؤاساة العميان الخيرية، ولأن مظهر عازفيها بملابسهم الموحدة كان أنظم وأجمل. لم يكن هذا الجوق محدوداً من حيث عدد أعضائه ولا ثابتاً، إذ انضم إليه كل طالب وصل حسب رأي بهجت داده إلى المستوى الذي يؤهله للعزف فيه، فكان عددهم يصل إلى ما يزيد عن العشرة أحياناً. في عام 1939 دعيت هذه الفرقة إلى إحياء حفلة أسبوعية في دار الإذاعة العراقية باسم " فرقة دار مؤاساة العميان "، برز من خلالها داود أكرم على سائر أقرانه في العزف والتأليف.

في عام 1943 اختلف بعض أفراد هذه الجوق مع إدارة الدار فانفصلوا عن المدرسة، وفي ذلك الحين وبعد أن عَلِمَ السيد حسين الرحال مدير الإذاعة عن انفصالهم وتركهم فرقة الدار، اقترح عليهم تشكيل فرقة مستقلة ودعاهم إلى إقامة حفلات موسيقية في الإذاعة فاستجابوا إلى الإقتراح وألفوا جوقاً أسموه " فرقة أخوان الفن "، متكوناً من سبعة فنانين برئاسة داود أكرم ( كمان )، الياهو جوري ( كمان )، سليم صيون كركوكلي ( كمان )، مئير نقار ( عود )، يوسف ربيع ( جلو )، موشي شماش ( دف ).

نالت فرقة " أخوان الفن " شهرة واسعة وكان برنامجها الأسبوعي في الإذاعة برنامجاً ينتظره محبو الموسيقى وهواتها بلهف. اشتركت هذه الفرقة باحياء الحفلات الخاصة والعامة وكانت بروحها الفنية تختلف عن الفرق الأخرى المحترفة، إذ أن هم هذه الفرقة وأعضائها كان منصباً على رفع مستواها الفني.

في فترة نشوء وتطور فرقة " أخوان الفن " وتحديداً في عام 1944، ظهر صبي كفيف اسمه لطيف منشي له صوت جميل رخيم يجيد غناء أعقد الأغاني المصرية بدون نشاز وله استعداد للغناء بمصاحبة الموسيقى، وكان حينذاك في الصف الأول من الدراسة المتوسطة، أي في الثانية عشرة من عمره تقريباً.  تبنته فرقة " أخوان الفن " ورافقته في حفلاتها داخل دار الإذاعة وفي الحفلات العامة والخاصة، وحفلات النساء على وجه الخصوص، فلقد كانت نساء الطبقة الحاكمة والفئات الغنية في تلك الفترة متحجبات، لذا كن يفضلن حضور حفلات جوق أخوان الفن مع هذا الصبي لأنهن كن يلقين الحجاب دونما حرج كون جميع أعضاء الفرقة من المكفوفين. لحن له داود أكرم عدداً من الأغاني ذات المستوى العالي ورعاه واعتنى برفع مستواه وعلمه العزف على العود. كان لطيف منشي وفرقة أخوان الفن معه يدعى لإحياء أفخم الحفلات، حتى إنه أحيى عدة حفلات أقيمت تحت رعاية الملكة وبحضورها.

كان التجديد الهدف الأول الذي وضعته فرقة أخوان الفن نصب عينيها، فكانت معزوفات داود أكرم الموسيقية الرائعة جزءاً من هذا التجديد، فلقد عزفت هذه الفرقة عدداً من البشارف والسماعيات المنسية والمتروكة بتوزيع جديد أضفى عليها روحاً جديدة، وأضافت هذه الفرقة إلى تجديدها أسلوباً جديداً هو أسلوب ترجمة الأغاني إلى عزف موسيقي، فأخذت أجمل الأغاني المشهورة في حينه وترجمتها إلى عزف بتوزيعات موسيقية فنية رائعة.

كان لإخوان الفن صديق يجيد قراءة النوتة نجح في تكوين علاقات بالمراسلة مع بعض الموسيقيين المصرين واقترح عليهم إرسال أحدث القطع المؤلفة في مصر، فوافقوا على ذلك، وبذلك استطاعة فرقة اخوان الفن تعلم هذه القطع وعزفها في الإذاعة العراقية حتى قبل إنتشار إذاعتها في الإذاعة المصرية أحياناً، وكان هذا مفاجأة جميلة بالنسبة إلى متتبعي الموسيقى، والمعروف عن فرقة أخوان الفن بأنها لعبت دوراً مهماً في تطوير الثقافة الفنية الموسيقية لدى المستمع والفنان على حد سواء، وكذلك في تحبيب الموسيقى إليهم ودفعهم إلى تعلمها.

لقد ساهمت هذه الأسماء المهمة من الفنانين العراقيين في تغيير التاريخ الموسيقي العراقي بشكل لا يحتمل اللبس، فلقد كانوا ينهلون المعرفة الموسيقية من جميع مصادرها المهمة وبدون إستثناء فلقد كانوا شديدي الحرص على إقامة جسور فنية مع فنانين الدول المجاورة وحتى الأوربية، ولم يتركوا الساحة الفنية العراقية خالية بعد أن غادروها، بل امتدت بأصوات أهم المطربين والمطربات مثل صديقة الملاية وزهور حسين وزكية جورج وسليمة مراد، وداخل حسن وحضيري أبو عزير وناصر حكيم، وهنا أود الإشارة إلى أن أغلب الأغاني التي تطلق عليها الأغاني التراثية غير المعروفة من حيث الفترة الزمنية والملحن وكاتب الكلمات هي من تأليف وأداء هؤلاء العمالقة وغيرهم مثل صالح الكويتي وداود الكويتي وسليم زبلي.

 

الهوامش

(*) أعدت هذه الدراسة عن كتاب " الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق " تأليف، ي. قوجمان، اصدرته دار" أكت " للتراجم العربية - لندن 1978.

(1) ولد داود أكرم في بغداد سنة 1920 ومال منذ صغره إلى سماع الموسيقى من الاسطوانات المنتشرة آنذاك، وكان وهو في الثامنة من عمره يشتري كل اسطوانة تعجبه وخاصة اسطوانات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وسامي الشوا. له دور بارز في تلحين قطع موسيقية تصويرية تعد حتى يومنا هذا من القطع الرائعة في الموسيقى العراقية الحديثة خاصة والموسيقى العربية عامة.

(2) داود الكويتي – صالح الكويتي، في أوائل الثلاثينات فتح صالح الكويتي وأخوه داود محلاً لتعليم الموسيقى، وقد تحلى الشقيقان بروح فنية عالية جعلتهما يحرصان على تعليم الطلاب كل ما يلزمهم لتقدم في تعلم الفن. ورغم أن طريقة الكويتيين لا تختلف جوهرياً عن طريقة يوسف حبيب ( أول من فتح معهد للموسيقى في العراق ) فقد حاولا ابتكار إشارات إضافية يضعونها فوق النوتة المكتوبة حروفاً للدلالة على طول القوس وقصره أو سرعة الضربة وبطئها، ولم تفلح هذه الطريقة في حل المشكلة حلاً جذرياً أو في استغناء الطالب عن النوتة العلمية الحقيقية. ومع ذلك استطاع طلاب الكويتيين أن يستفيدوا من هذه النوتة المحسنة وسموها " النوتة الكويتية " إعجاباً بها.

 

 

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )