العدد الخامس ------------------- شباط 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

     في القصيدة العامية العراقية الحديثة*

                        سلام إبراهيم   

1

 

كان لتحديث القصيدة العربية على يد الشاعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة والبياتي خلال عقد الأربعينات أثر حاسم على كل الأجناس الأدبية في العراق من قصة ورواية ومسرح وشعر عامي والأخير أصبح منذُ سقوط الدولة العباسية يزاحم الفصحى بعد اغترابها عن الإنسان العربي وقتها بسبب الاحتلال من قبل أقوام لا تنطق العربية لفترة زمنية طويلة امتدت إلى قرون عديدة . وفي تلك الفترة ازدهرت اللهجات عائدة إلى تلك الفترة الشبيهة بالفترة السابقة لظهور الإسلام والتي لم يوحدها سوى القرآن بسيادة لهجة قريش وتوحيدها للذات العربية ببناء دولتها المتينة مما أدى تلاشي اللهجات أو تقريبها إلى حدود الإندغام . من رحم تلك الفترة المسماة بالمظلمة في التاريخ العربي تبلور الشعر العامي كنوع من محاولة الحفاظ على الذات في ظل التشظي وتفشي الأمية ومواجهة عسف وظلم سلطات الاحتلال، وما يزال يمارس هذا النمط الشعري الدور نفسه في ظل بوادر الانحطاط العربي الراهن . والشعر العامي كان طوال الفترات التي أشرنا إليها يوازي القصيدة الفصحى في أشكاله وأساليب نظمه من حيث الوزن والقافية عدا سعيه المتفرد في ترسيخ أشكال شعرية ـ تميزه دون الفصحى ـ فائقة الجمال والمتانة : الموال، الأبوذية والدارمي، وهذه الأشكال الثلاثة ستلعب دوراً حاسماً في تطوير القصيدة العامية العراقية الحديثة دون القصيدة العامية القديمة المتخلفة جداً بالمقارنة مع الأشكال الشعرية المذكورة، ويتفوق على الفصحى بسعة انتشاره محلياً في حدود اللهجة المنظوم بصوتها .

وعلى أثر الهزة التي أحدثتها القصيدة السيابية الفصحى،، تخلخلت الكثير من المفاهيم الراسخة حول الأساليب الشعرية في العراق والوطن العربي ومن ضمنها القصيدة العامية، لكن ما ميز التجربة الأدبية العراقية هو محاولة العديد من الشعراء المثقفين كتابة قصيدة عامية حديثة منذُ الخمسينات نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، سعدي يوسف، مظفر النواب، صادق الصائغ والأسماء المذكورة كما هو معروف تكتب القصيدة الفصحى الحديثة . المحاولة الجريئة هذه ارتكزت على حقيقة راسخة إلا وهي اكتناز المفردة المحكية بطاقة تعبيرية مختلفة تحرز في دفتها ألق واحتراق الفرد العراقي الحاوي في تكوينه المضطرب اضطراب أزمنة العراق منذُ السومريين إلى الطغاة المتناسلين حتى الألفية الثالثة . سعى الشعراء المذكورون مقتفين أثر الشاعر العراقي الكبير السابق لبيرم التونسي تاريخياً والذي دلته موهبته الفذة إلى كتابة أشعار صالحت كل اللهجات العراقية والذي تُغَنى أشعاره إلى هذه اللحظة في الأغنية العراقية رغم مرور أكثر من قرن على وفاته إلا وهو ـ الحاج زاير ـ القائل :

         

         من يوم فركاك جسمي من صدودك عود

         هيهات عكبك يسليني نديم وعود

         كلما أعذل النفس نفسي تكلي عود

                   لي صاحب كط محد كال إله لوله

                   وحياة من بالمهد جبريل إله لوله

                   لو ما يكولون وأعرف بالحجي لوله

         جنت أحجي وياك لاجن بالزبيبة عود

 

هذه المهمة المضنية والشائكة سرعان ما انفرد مظفر النواب في تنكبها إذ أعرضت عنها الأسماء الأخرى راجعة إلى سهولة الفصحى كلغة منجزة لا تحتاج سوى النظم وإمساك الحالة الشعرية وأسرها في البيت والمفردة السهلة المكتوبة منذُ أزمنة بعيدة، الراسخة في أشتات معانيها دون التفكير في إشكالية لا تزال قائمة، عدا عن صعوبة إيجاد بيت شعري عامي يأخذ من مفردات المحكي اليومي كثافة الروح وصوتها، ويختلف عن مألوف الكلام المحكي، ذاهباً إلى ناصية الشعر .

هذا المنحى التجديدي لم يقتصر على العراق بل شمل عدداً من البلدان العربية بهذا الشكل أو ذاك، لكن ما تميزت به القصيدة العامية العربية من تطوير أقتصر على ثلاثة بلدان : العراق، لبنان ومصر . ترافق ذلك التطوير مع تألق الحلم اليساري الثوري بشقيه الماركسي والقومي .. منذُ نهاية الأربعينات والانتصار على النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية ومُثل الثورة الكوبية في 1959 وحتى مقتل جيفارا في أحراش بوليفيا 1967 . وما ألهبته التجربة الفيتنامية من مُثل مذهلة في معنى الدفاع عن الذات والوجود وحتى الانتصار الكبير أواسط السبعينات .

شهدت هذه الفترة انعطافاً نحو كتابة القصيدة العامية في أنحاء عديدة في الوطن العربي فظهرت أشعار عبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وفؤاد حداد في مصر، طلال حيدر والرحبانية في لبنان، ومظفر النواب وعلي الشباني وطارق ياسين وكاظم الرويعي وعزيز السماوي وغيرهم في العراق .

ما تميزت به القصيدة العامية العراقية التي كتبها الشعراء المذكورون كونها أقرب من أية أشعار عامية عربية إلى اللغة الفصحى، إذ انفردت في سعيها المدروس من أجل نحت لغة عربية ثالثة وسيطة بين العامية والفصحى، لغة مفهومة تستعير حرارتها ووهجها من أفواه وأرواح الناس لا من بطون الكتب حيث أصبح من العسير نطق عربية سليمة حتى بين النخبة الأدبية . ولا من لهجة ومفردات الأرياف غير المفهومة . تجسد هذا السعي في شعرية نصوصهم المقروءة والمسموعة . أي أنها لم تضع نفسها بمواجهة القصيدة الفصحى، كما فعلت القصيدة العامية اللبنانية ـ طلال حيدر ـ ، ولم تكرس اللهجة العراقية المحلية كما فعلت أشعار المبدع الكبير الأبنودي، ففي كل دواوينه لم يستطع أو يجتهد من أجل إيجاد لغة وسيطة مفهومة بل كرس محلية اللهجة المصرية في أشعاره مما جعلها شبه مغلقة على غير المصري . ولولا شيوع اللهجة المصرية في الأغنية والمسلسلات التلفزيونية لما كان لها هذا الانتشار . فمثلاً عانيت كثيراً في فهم حوار فلم ـ عرق البلح ـ المعتمد في نصه وحواره على أشعار الأبنودي . وهذا لا يقلل ولا ينتقص من موهبة الأبنودي الشعرية الفذة، لكنني أجد هنا أن أشعار أحمد فؤاد نجم، وفؤاد حداد أكثر جهداً من أجل نحت لغة وسيطة من جهد الأبنودي .

 

 

 

 

 

 

 في تجربة الشاعر ـ عزيز السماوي ـ

     

 من كتابة الموال إلى بنية القصيدة الإيقاعية

 

 

 

تجربة تحديث القصيدة العامية العراقية مختلفة تماماً ومتميزة .. في الخطوة الأولى التي كان رائدها مظفر النواب في ديوانه العامي ـ للريل وحمد ـ انشغل بريف الجنوب العراقي وشخصية الفلاح الرومانتيكي الثوري، وبكل ما يستدعيه مناخ ومادة القصيدة من جهد كي يجعل من لهجة تلك البقاع المنسية مفهومة للعراقيين أبناء المدن أولاً . وبحساسية شعرية متميزة تعامل مع مادة خام .. لهجة موغلة في ريفيتها ستتحول لديه من خلال نصه الشعري إلى لغة مفهومة ليس للنخبة العراقية وأبناء المدن فحسب بل حتى للنخبة العربية التي أحبت وتداولت أشعاره . ستنتشر هذه الأشعار وسيتلقفها الشعراء الشباب المثقفون أبناء المدن وسيسعون إلى إيجاد صوتهم الخاص والمختلف، والبحث عن طاقات غير مكتشفة تكتنز بها اللهجة العامية العراقية، مما جعلهم لاحقاً يلجون عوالم جديدة ومختلفة في رحابة اللهجة وشعرية الإنسان الشعبي المنسي والمتغرب عن اللغة الأم ـ الفصحى ـ . وعزيز السماوي من ذلك الجيل الشاب الذي تدله باكراً بمحاولة اكتشاف طاقات اللهجة العراقية، فمنذُ أواخر الخمسينات جرب الكتابة في الأشكال الشعرية القديمة . كتب الأبوذية والدارمي ليتحول بعد ذلك إلى كتابة القصيدة العامية الجديدة معرضاً وهاضماً إنجاز القصيدة المظفرية، وجاهداً لتطوير لهجة مدينته المحلية ـ الديوانية ـ ذاهباً بها إلى مصاف لغة شعرية عامية تميزت لاحقاً بميزات انفردت بها عما سواها من لهجات ناحتة لغةً ثالثة هي أقرب للفصحى من سواها . اختلف جهد عزيز السماوي في محاولته لتجديد القصيدة العامية مستدلاً كما فعل النواب بالأشكال الشعرية القديمة كالموال والأبوذية والدارمي . المختلف هنا أن السماوي وجيله لم يحاول استثمار لهجة ريف الجنوب العراقي ـ الأهوار ـ كما فعل مظفر النواب، بل حاول ومنذُ قصائده الأولى تطوير تلك الأشكال الشعرية القديمة بما يتناغم مع لهجة أبناء المدن . من ناحية أخرى لم تنشغل نصوص السماوي ـ أو بعبارة أدق لم تنحز أيديولوجياً لفكر مثلما فعلت قصائد النواب في إشهارها الدفاع عن الحزب الشيوعي العراقي وجعل مناضليه الفلاحين الذين قتلوا في خضم الصراع رموزاً يدور نصه حولها قصائد : سعود، صلاح . ومطولته ـ حسن الشموس ـ عن العريف في الجيش العراقي حسن سريع الذي حاول قلب سلطة 1963 وفشل فأعدم وغيرها من القصائد، بل انحازت قصائد السماوي وأبناء جيله الستيني إلى الإنسان كقيمة مطلقة تسقط إزاء عذابها الفردي كل الاعتبارات والتبريرات الأيديولوجية . أشعار مكتظة بالأسئلة والهموم الفلسفية المتعلقة بالوجود والوضع البشري منذُ بدء الخليقة ورحلة العذاب التي تبدو لانهائية، فتكون الحلول الدينية بفردوسها المأمول غير مجدية إذ أنها لا تعوض مرارة الروح .. فيهمس في خاتمة قصيدته في رثاء بدر شاكر السياب :

                   أيوب

                   فز إو بجه ..

                   من سمع شمعك ذاب

                   نايم بحضن الموت .. ما شاف كل حنّه

                   والشاف هلكد هضم شيسوي بالجنة ـ ص 54 ـ

أشعار تأملت عميقاً الكينونة البشرية الهشة ولا عدالة الأنظمة والأعراف الاجتماعية والقوانين الوضعية .. أشعار لا تثق إلا بالألم الإنساني الذي يستدعي بالضرورة إثارة المزيد من الأسئلة ومحاورة الضمير البشري نصف الأعمى أو يكاد . أسئلة مستحيلة .. عتاب مرير للذات البشرية الموغلة في حب القتل والدمار بحروبها الجارية كقاعدة في التاريخ ، يحفر عزيز في الذات البشرية معرياً أعماق إرثها الدامي صارخاً بيأس :

                   سيف الذنب بالنفس .. والروح جيحة دم

                   صلوا بكلبي جذب

                   باعوا عيوني بتبن

أشعار تستصرخ الضمير البشري وتنحاز بشكل مطلق لمحنة الإنسان وعذابه أياً كان موقعه وهذه ثيمة جوهرية في أشعار عزيز السماوي، ومن هنا اختلفت أشعاره عن أشعار النواب المسكونة بالهاجس الأيديولوجي المباشر والتي بدورها تلامس هذه الثيمة بهذا الموقع أو ذاك . من هذه النقطة نفذ عزيز إلى مساحة رؤيا مختلفة تماماً جعلته يكتشف أساليب شعرية جديدة ومناخات محشودة بذلك الألم الكربلائي الذي يبدو أبدياً والمتواصل مع إرث طقوس بلاد الرافدين منذُ فجر الحضارات حيث كانت تقام مناحات جماعية على دموزي كل عام .. رؤيا العارف الواثق الأبدي من الخيبة والخسران وكأنه بطل من أبطال التراجيديات اليونانية القديمة والمعاند قدره .. فليس أمامه سوى الخوض في مواجهة القوى الأسطورية الغاشمة وقتها واللا أخلاقية في الراهن :

                   وين إنروح ..؟

                   ياخذني العرق والدوخة ..

                   وين إنروح ..؟

                   ويظل السؤال سنين خنجر ملتوي إعله الروح

                   وين إنروح .. ؟

لا أحد يجيب سوى حزنه المقيم، والمبهم في هذا الوضع البشري البائس مما يجعل القصيدة الرائية شديدة الذعر .. وحشية لا تهاب .. ولا تخشى من البوح بالضعف الإنساني النبيل إزاء هول سلطات القمع بكل أشكاله القادرة على تغييب الفرد المسكين وإضاعة أثاره كما هو في أوطان الدكتاتوريات . أو سحقه حصاراً وتجويعاً وتجهيلاً كما يحدث للعراقي الراهن في ظل هذا النظام العالمي الجديد :

                   إبهيده …

                   إبهيده ..              

                   يدب الخوف ..

                   بالرجلين ..

                   يصعد ع الجلد ليفوك ..

                   يطك جنح بجنح ويطير ..

                   أخاف الراس نسر يصير ..

                   يطك جنح بجنح وإيطير

                   ردتك ..

                   تجيني ضوة جنحان إلي ونطير ـ ص 109 ـ

هذه الرؤيا الخالقة تصل بقصيدة الشاعر إلى حدود جديدة تماماً في القصيدة المكتوبة بالعامية عراقياً وعربياً . فالصورة الشعرية تكاد تكتفي بذاتها وكأنها قصيدة :

                   وجهك شمس ..

                   ينشاف .. ما ينجاس

مثل هذه الصور كثيرة في قصائد الشاعر .. وبالضرورة ونتاج هذه الكثافة اللغوية الفريدة يفتقد أو يكاد البيت الشعري في قصائد عزيز المتأخرة ترابطه التتابعي .. الظاهري .. المألوف في القصيدة العامية القديمة أو حتى المظفرية في ـ للريل وحمد ـ المعتمدة على الحبكة والحدث والترابط بالتتابع في علاقة حيث البيت الشعري يؤدي إلى الآخر حتى الوصول إلى قفل القصيدة المكثف لحكمتها . عزيز السماوي حاول بدوره أيضاً في جهد واعٍ لبناء ذلك النمط لكن انسياقه لإيقاع دفقه الشعري الصارخ والشديد الكثافة جعل من هذا الجهد ثانوياً في بنية قصيدته العميقة والإشكالية .

هل هذا التطوير في بنية القصيدة العامية العراقية سهل الاستيعاب ؟

هل هذا التطوير منح أشعار عزيز السماوي مساحة أوسع للانتشار أم العكس ؟

هل هذا الرقي ببنية القصيدة العامية متناسب مع ما لحق من تشوه في بنية المجتمع العراقي المبتلى بهول سلطة قمع فريدة وسلسلة من حروب أدت إلى دمار وخراب وحصار ؟

كيف تفهم قصيدة عزيز السماوي ؟ .. كيف يفهم أي فن راقٍ في أوطان يسعى بشرها لاهثين خلف رغيف خبز ؟

إنها محنة مركبة .. فأين لتكوينات عزيز اللغوية الوصول إلى العراقي المستهدف ككيان بشري مادة للتحطيم المنظم .. والعراق كجغرافيا وطن مادة للتحطيم المدروس !

أسئلة لا حصر لها يثيرها المتأمل بعمق صيرورة النص العراقي وواقع المجتمع العراقي في حاضره الملتبس ببؤس أوضاع متلقيه الأول ـ العراقي ـ مادة النص، واغتراب كاتبه ـ الشاعر ـ .

أعود إلى الخصوصية الفنية لقصائد عزيز المتأخرة حيث أنفرد بها عن كل الأشعار العراقية والعربية المكتوبة بالعامية . فالبيت الشعري يكاد يستقل في كثافته كما ذكرت مما أدى إلى ضعف العلاقة التتابعية .. السببية بين أبيات القصيدة .. فهو لدى السماوي لا يؤدي في الظاهر إلى ما يليه لكنه يرتبط عضوياً معه في العلاقة الإيقاعية ـ نبض القصيدة السري ـ ونتيجة لذلك يصبح من العسير على القارئ البسيط أو حتى القارئ من النخبة المعتاد على النمط الشعري المتداول والمألوف، الإحساس بقصيدة عزيز واستيعابها، حتى أن صحفياً عراقياً معروفاً هو ـ عامر بدر حسون ـ نعت في أمسية عن الشعر العامي العراقي أقيمت في المنتدى العراقي في دمشق بتاريخ 9 ـ 11 ـ 1999 أشعار عزيز بالسريالية، قال بأنه غير قادر على فهم واستيعاب قصيدة شعر عامي تكتب بهذه الكيفية ـ وقتها لم أستطع الحوار معه بسبب من أن الأمسية التي أقمتها مع الصديق الشاعر جمعة الحلفي مكرسة للشعر العامي العراقي بشكلٍ عام والصديق الشاعر علي الشباني بشكلٍ خاص حيث قرأت مداخلة عن تجربته الشعرية ونماذج من مخطوطته غير المنشورة التي وصلتني ـ

                   الفرح .. شمعة إبدرب أظلم .. بعيد

                   وميض الشيب بالظلمة .. حمام أبيض .. بعيد

                   الجرح .. منك يهل إهلال للعيد

                   إخذني عليك مجنون الطبع .. هايم عنيد .

هذه الكثافة الشعرية الشديدة جعلت كل بيت من الأبيات يستقل إلى حدود إذا قرأنا من البيت الرابع رجوعاً إلى البيت الأول سوف لا يختلف الأمر بل سيبقى ذلك الدفق الشعري المشحون والإيقاع :

                   إخذني عليك مجنون الطبع .. هايم عنيد

                   الجرح منك يهل إهلال للعيد

                   وميض الشيب بالظلمة .. حمام أبيض .. بعيد

                   الفرح .. شمعة إبدرب أظلم .. بعيد

هذا المقطع المنتخب يلقي الضوء على الأسلوب الشعري المختلف والجديد لعزيز السماوي والمسبب ذلك الإرباك الذي وقع به الصحفي العراقي الذي أشرت إليه .

هل تتحمل القصيدة العامية مثل هذا المبنى الإيقاعي السائب ظاهراً والمتين باطناً ؟

هل أن مثل هذه البنية الشعرية العصية التي تكاد لا تمسك بها الذاكرة إلا في لحظات بارقة خاطفة تهز القارئ والمستمع في لحظة التلقي  ثم تتبدد لافتقادها إلى السرد والحكاية هي السبب في اتهام قصيدته بالغموض والسريالية والعسر كما ينعتها قسم من النخبة العراقية المثقفة؟ .. أم أن لدى هذا القسم من النخبة نظرة دونية للشعر العامي والتي تؤدي بالضرورة إلى فهم سطحي وساذج لمفهوم الإنسان العراقي الشعبي .. كونه ساذجاً .. بسيطاً .. مسطحاً، غير قادر على فهم أشعار معقدة كأشعار عزيز السماوي ؟ .

أستطيع هنا الإجابة .. فتطور القصيدة العامية العراقية إلى الحدود التي أشرت إليها كان موضوعياً، ولم يجر في معزل عن ثورة السياب في الأربعينات والنهوض الأدبي الذي حدث لاحقاً في الستينات . من ناحية أخرى تعتبر اللهجة الجنوبية العراقية من أغنى اللهجات في العراق والوطن العربي، ففي نغمها تكتنز روح العراقي المبتلي منذُ أبكر الأزمنة بالحروب والمجاعات والمآسي، وهي لهجة شديدة الكثافة من ناحية، غنائية من ناحية أخرى . فمن أحشائها تطورت الأشكال الشعرية العامية كالموال والأبوذية والدارمي .. وهذه الأشكال المكثفة جداً والتي تبدو أحياناً كالرموز ما هي إلا تعبير مكثف عن خبرات الإنسان الفكرية والحسية، ومن إيقاعها اغتنت أطوار الغناء الجنوبي المتميز . وهذا يفسر لِمَ  لم تتطور القصيدة العامية المكتوبة بلهجة جهات العراق الأخرى، إذ ظلت تراوح بين الأشكال التراثية والقصيدة التي لا تستطيع مغادرة الكلام اليومي إلى ناصية الشعر .

لنعاين قصيدة عزيز السماوي في ديوانه الأول ـ أغاني الدرويش ـ منطلقين من هذه الأرضية، من خلال هذا الديوان الرائد والمهم نستطيع تلمس كل مراحل التطور في القصيدة العامية العراقية، فمن قصائد مكتوبة في أوائل الستينات لها بنية الأشكال الشعرية التراثية، الموال، الأبوذية، الدارمي، كما في قصيدة ـ كؤوس الألم ـ 1965 :

                   خطار عدنه الفرح إعلك صواني شموع

                   خافن يمر بالعجد رش العجد  بدمــوع ـ ص13 ـ

وسيوف الثلج 1967 المهداة إلى جيل الأزمة

                   علّمني أبارز والسـيوف إثلوج

                   علّمني أضحـك والكلوب تلوج

                   يا ذلة الزلم مـن تنزع التـوج

                   إشلون أفوجن والشواطي إثلوج      

                                            والحلم مشحوف والمردي ضوه

                                            والحرف حزنان بلساني إنـطوه

إلى ذروته الشعرية الفريدة ـ أغاني الدرويش رقم واحد ـ المكتوبة في آذار ـ مارس ـ 1971 أي بعد ستة أعوام من ـ كوؤس الألم ـ حيث وصل بالقصيدة العامية العراقية إلى مصاف القصيدة الإيقاعية، فعزيز السماوي ومنذُ أوائل الستينات يمارس كتابة الأشكال الشعرية التراثية وكان مجيداً بها بكل ما تستدعيه هذه الأشكال من تركيز شديد للمعنى بأقل ما يمكن من المفردات الموزونة والعميقة والتي لا بد من احتوائها على معنى بليغ بمصاف حكمة جديدة تضيف لمخزون الذاكرة الشعبية خلاصة تجربة شعورية، حكاية حب، حكاية صداقة ، تعسف ، حزن ، فرح ، ألم ، بهجة ، وهذا بدوره يلقي الضوء على ما أشرنا إليه حول اكتفاء بيت عزيز الشعري بنفسه والمؤدي بالضرورة إلى خلخلة بنية القصيدة، ليست القديمة فحسب بل حتى بنية القصيدة الحديثة التي أتى بها مظفر النواب . فبعد أغاني الدرويش تجننت لغة القصيدة لتأخذ مساراً جديداً في تجربته الإبداعية حيث أصبح للمفردة لون وطعم ورائحة ونغمة ومعنى تبوح بكل ما تكتنز به الحواس في انتظامها بالبيت الإيقاعي المتطور إلى بيت شعري طقسي له صلة وطيدة بأشعار السومريين والبابليين الطقسية المعتمدة على تكرار المفردة والبيت الشعري كاملاً أو إحداث تغيير طفيف يؤدي وظيفتين : تعميق المعنى وتوسيعه مع المحافظة على الإيقاع وطقس القصيدة .

                   أخاف ..

                   أخاف ..

                   أخافن حتى من روحي

                   أنه بلياك

                   أجيلك بالحلم تبقه الليالي وياك

                   ياخذني الصبح يبقه الحلم وياك

                   أنه بلياك ..

                   ميت خنجره الأسرار ـ ص96 ـ

لا أريد التعليق فمن الممكن أن يلاحظ القارئ الكيفية التي يتم فيها تكرار المفردة والبيت لخلق طقس إيقاعي يعمق المعنى وينزل بالوجدان عميقاً، لنقرأ معاً نموذج من أشعار أسلاف عزيز السماوي الذين سكنوا المكان نفسه ، وشربوا الماء نفسه ، وصرخوا صراخاً شبيهاً بصراخ السماوي وقت الفواجع الأبدية لبلاد وادي الرافدين :

                   أقيمي مأتماً، أقيمي مأتماً، أيتها الصحراء،

                   أقيمي مأتماً،

                   أيتها الصحراء، أقيمي مأتماً، أقيمي مأتماً،

                   بين سراطين النهر، أقيمي مأتماً

                   بين ضفادع النهر، أقيمي مأتماً،

                   لتنطلق من أمي صرخة عويل

                   لتنطلق من أمي التي ليس عندها عشرة أرغفة

                   صرخة عويل ـ ص74 ـ *

يوصل عزيز السماوي قصيدته بأشعار أسلافه، لكن الهموم لديه مختلفة، جديدة عصرية معنية بعذاب العراقي المعاصر وأحزانه الراسخة تحت وطأة الدكتاتور والحروب والحصار، والمتغنية بهاجس فرح غائب يلوح ويبرق في روح العراقي مثل نجم بعيد . على ثيمة الوثوق من ديمومة العذاب البشري في الوجود دارت أشعار عزيز السماوي ذاهبةً بالقصيدة العامية إلى مصاف الشعر الصوفي، وترديدات الدراويش في حفلات الذكر حينما تعانق أرواحهم المطلق المجهول، فيبدأون بغرز المُدى بأجسادهم العارية على إيقاع الترديد والطبول .

لا أذهب بعيداً إذا قلت أن عزيز السماوي واعياً تمام الوعي لأبعاد جهده الإبداعي في مجال تطوير القصيدة العراقية العامية بمحاولته نحت لغة ثالثة هي بين العامية والفصحى . لغة لا تتنكر لترث اللغة العربية لكنها تكتنز بروح العربي الكاملة بلهجته التي يستخدمها طوال النهار في الحديث مع الحبيبة والأم والناس، ويحلم بها في النوم .. الجهد الذي أفضى به إلى بنية القصيدة الإيقاعية وكأنه يعود بها إلى منبعها الطقسي القديم حيث كان الشاعر طبيباً وساحراً . وما علي القارئ سوى رؤية عزيز السماوي وهو ينشد قصائده حتى يدرك أن ثمة هالة من السحر وشبه غيبوبة تجعل من صوته يجسد كل ما بالروح والجسد من معانٍ وإيقاع .

عزيز السماوي كان واعياً للآفاق التي وصلتها قصيدته الإيقاعية حتى أنه أهدى قصيدة طويلة ـ بانوراما عراقية ـ مكتوبة عام 1998 ومطبوعة في كراس بلندن عام 1999 إلى الفنان التشكيلي المعروف فيصل لعيبي قائلاً ـ أهدي هذا التكوين اللغوي إلى الفنان التشكيلي فيصل لعيبي ـ وكأنه يهديه لوحاته من اللغة الإيقاعية الطقسية الجديرة بالإنشاد والترديد .                         

ــــــــــــــــــــــــــ

   ·   طقوس الجنس المقدس .. ص 174 ، كريمر ط2 .

   دار علاء الدين ـ دمشق 1993 .

                                                  

 

1 2 3 4 5 6

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )