العدد الثامن ------------------- مايس 2004    

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

لارينا

 

 

 ..

 

 

 

جاسم المطير

j.almutair@wanadoo.nl

 

لم يطرأ أي تغيير على وجه اللاعبة الهولندية. خسرت للمرة الثالثة بينما  جميع هواة اللعبة  يعترفون لها بتفوقها المستمر على جميع اللاعبين بمن فيهم ألبرت مورنالد أشهر لاعب في أمستردام..

 تزداد كآبةً مع كل خسارة .

كان لابد لها أن تغادر المكان قبل ساعة واحدة ، أي قبل الجولة الثانية التي أصرت عليها. ففي ذهنها، كما قالت  للنادلة الشابة الرائعة الجمال ، موعد مهم لابد من حضوره ، لكنها ركبت العناد مصرةً على عدم مغادرة منضدة البليارد إلا بعد تحقيق نصر على اللاعب المقابل القادم من عالم ثالث لا يتقن سكانه غير الفقر ،  لا يتقنون استخدام مكتشفات الإلكترونيات بل يتقنون العيش في الفقر واللعب فيه. فكيف لمثل هذا الشاب أن ينتصر عليها.

اعتذرت لصديقتها بتلفون الموبايل عن عدم استطاعتها حضور موعدها بسبب خسارتها غير المتوقعة على شاطئ البليارد .

          ـ مع مَنْ يا ترى ..؟

          ـ مع شاب قادم كما يبدو من زمن الشرق الخالي كما يبدو من خفق خطاه ومن نصيبه في سمرة بشرته..  غداً أحدثك عن كل شيء.. الآن هبطت عليّ رغبة الحديث الطويل معه.. اعذريني والى اللقاء ..

 التقت به ، لأول مرة ، في قاعة البليارد الكبيرة في بار القرية النائية حيث يستريح فيه لاعبو البولنج  والبليارد بعد ربح أو خسارة . من الصعب عليها  أن تتخيله عراقياً حقاً حتى ولا عربياً فهو شكلاً وسلوكاً ولغة وثقافة مثل أقرانه الأوربيين ، متمدنا  بعكس الصورة المرسومة في ذهنها عن الناس القادمين من بلاد النفط والصحراء .  استطاع هذا الشاب الأنيق خلال دقائق  أن يشيد  جسر التعارف السريع إليها.

ـ أنا  فنان عراقي .

ـ آه.. يا للمصادفة البديعة أنني رسامة.. هل أنت رسام..؟

ـ تفوقتُ في قسم الرسم  بالكلية وأجيد النحت أيضاً فقد كانت هوايتي منذ الطفولة.

ـ أنا هويتُ صيد الفراشات في طفولتي .

ضحكا معاً ثم تناولا قدحيهما  الكبيرين المليئين بالبيرة السوداء منتقلين من  الجلسة المباشرة على كراسي البار العالية إلى المنضدة البعيدة عن منضدة  البليارد. انتهى اللعب بفوزه عليها للمرة الثالثة فدعاها لتناول الشراب سوية تجبيراً لخاطرها.

كانت المرأة أشبه بملاك صغير . وجه أبيض ومدور ، وشعر طويل يميل إلى الحمرة لا يمكن معرفة ما إذا كان لونه أصيلاً أم أنه مصبوغ .. أنفها دقيق فوق فم صغير وتحت عينين جميلتين بلون زرقة السماء الصافية. ترتدي ملابس أنيقة و تبدو محبوبة من جميع الرواد فأغلبهم يعرفها ويحييها .

حدثته  أنها أحبت الحياة في القرية حيث الإنسان يبقى محافظاً على صفاته.

ـ وإنسان المدينة .. ؟

ـ نصفه روبوت ونصفه إنسان..

ـ وأنا..؟

ـ نصفك إنسان ونصفك فنان..

ضحكا منسجمين كأن أحدهما أكتشف غموض الآخر . رفع كأسه نخب القرية التي يعيشان فيها.

ـ المدينة خرائط وجغرافيا وبالونات ومناطيد وموجات راديو وسيارات تستخدم وقودا كريه الرائحة.  أحاديث المدينة عن القصدير والمال والرصاص والبنوك والقروض  وأسعار الدولار والكاوتشوك و بحدود رواد أبوللو ونظرات متواصلة إلى قمة المودّة في اجتماعات مجلس الأمن وأمريكا التي يقول بعضهم ان خبزها مغمس بالدم وقسم يصفها بأنها قلعة العالم الحر . الناس في المدينة صغار جدا ًمقارنة بالعمارات الشاهقات أو سيارات المر سيدس. أليس كذلك..؟

ـ أنا أحب العيش في زحل..

ـ أنا أحب العيش في مدار مدرستي وقريتي وبيت جدتي التي توفيت في العام الماضي .

ـ  في مدار زحل مجرات أحلام .. تقول كاميرات الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية أن ليس في زحل صراعات ولا مشاكل دولية ..أحلام فقط ..

ــ حتى في قريتنا لا توجد مشاكل دولية ولا يوجد فيها ممثل للأمم المتحدة .. الناس فيها يحلمون أيضا من طولِ وقتٍ  ينامون فيه ..

ضحكا ضحكة نشوة واضحة فيها بداية رابطة مشبوبة .

شربا ثانية نخب القرية وزحل.

أكملت دراستها الجامعية في (أمستردام ) ثم عادت لتلتحق بمدرسة القرية المعروفة بمستواها المتميز . صحيح أنها وقعت بمشاكل عديدة لكنها وجدت في المدرسة رفقة سعيدة مع مدرسي ومدرسات طلبتها  .

بيت صغير أعجبت ببعض غرفه وترتيبها المختلف اختارته للسكن  في طرف قصي من القرية لأنه يحمل ذكريات جديها ووالديها . جعلت الغرفة الكبيرة ذات السقف العالي بمثابة ستديو ومشغل لعملها الفني . هوايتها الخاصة ناتجة عن  ولعها الجنوني بالأطر الذهبية  فجميع لوحاتها مؤطرة  بأطر قديمة مذهبة .

 بألفة منطلقة خاضا بحديث طويل وسريع كأنهما متعارفان من زمن بعيد .. ثرثرة أو أحاديث  بموضوعات عديدة لا تشبه الجدل ولا تشبه تبادل الرأي ولا تشبه المناقشة ولا تشبه إلاّ تبادل معلومات يتنهدان في أنفاسها  يحاول فيها  كل منهما الاقتراب من الآخر بعد شبح خسارة اعتبرتها سوء طالع  . طلعت أفكارها عن كوكب الزهرة حين انتبهت إلى التلفزيون وهو يقدم خبراً مصوراً عنه لم تفهمه بالضبط لكنها أكدت أن كوكب الزهرة هو الأقرب لكوكب الأرض تماثلاً على الأقل . وتطرقا إلى بيكاسو والجرأة التي اتسمت بها أعماله وذكرت أنها لا تحب قصص الخيال العلمي .

سألته  كأنها تسأل نفسها :

          ـ لا أدري لماذا لا يخترع الكتـّاب قصص الخيال الفني .. أليس في الفن بهجة تستحق أن يُكتب عنها خيالاً..؟

          ـ سيكتبون عن ذلك عندما يدركون انه بالفن وحده يحيا الفنان ..

قال كلمته بصوت مخنوق كأنه لم يكن جادا بما يقول ..

بدا ذكياً أمامها وربما كان هو السبب في استكانتها بالإصغاء إليه من دون أن تنطق بكلمة واحدة إلاّ تعقيبا فقد أحبت نظام تسلسل وشكل حديثه وهو يتكلم بلغة هولندية لا تخلو من أخطاء تنزل في أسماعها عذبة ومريحة . كان قلبها يهفو نحوه كلما تمر الدقائق سريعة بينهما.

خلال الساعة الأولى من جلوسهما معاً وقبل أن يكملا الكأس الثاني من البيرة  أعطته معلومات وافية عن حياتها وعن اهتماماتها بقراءة الكتب الأدبية الكلاسيكية ، خاصة كتب شكسبير . تضم مكتبتها نسخة من كتاب ألف ليلة وليلة بالإنكَليزية تقرأ فيه المتسليات العربية التي ترويها شهرزاد للملك شهريار الذي أقسم أن يتزوج  كل يوم امرأة ثم يقتلها في الصباح التالي منتقماً لنفسه من خيانة زوجته السلطانة الأولى . تمضي ليالي الشتاء عندها مع هذا النوع من القصص الممتعة. كما قالت أنها تجد في هذه  القصص مادة أدبية لتدريس طالباتها وطلابها والتحدث مع زميلاتها المعلمات عن سحر الشرق وجمال أساطيره وحكاياته. لم يكن لها رفيق سوى كتابها ومرسمها وقطة صغيرة اعتادت على النوم تحت كرسيها أثناء القراءة وتجلس على كرسيها نفسه حين تكون منشغلة بالمرسم كأن القطة حارسة يقظة لمدخل البيت المحاط بحديقتين صغيرتين ، خلفية وأمامية ، وبثالثة كبيرة من ناحية اليمين واقعة على قناة مائية جميلة تزيدها الشمس في بعض أيام السنة رونقا بهيا تبدو فيها حياة القرية سهلة رغم أنها في عزلة  .

 موجة إثر موجة من أحاديث سريعة  وكثيفة مرت بهما كما يمر الضوء البرتقالي والأحمر والأزرق على وجهيهما من خلال حركة الإضاءة الدائرية النازلة من ثريا خاصة في الجانب الأيسر من الصالة. دخان سيكَارتها لم يتوقف ، منطلقاً من فمها متحولاً إلى لون أزرق لشدة هذا اللون الواقع عليها  ثم يتلاشى بالأعلى . شعرَ كل منهما أنه يبعث برسالة إلى الآخر، كأن كل واحد منهما يريد من لحظة تعارفهما أن يتدخل في الشؤون الداخلية لقلب الآخر. قبل أن تظهر مفاجآت سريعة بهذا الصدد ،على الأقل من جانبه، أحدث أول هجرة معها إلى جو آخر.  وصف لها حفلة عشاء حضرها في مقر  تجمع الفنانين العراقيين في ضاحية خضراء من ضواحي مدينة لاهاي  قبل يومين :

ــ تناولنا عشاءً شهياً ولذيذاً فقد طُبخ  على الطريقة العراقية . الرز الأبيض كان قد سلق بمهارة وقد وُضعت عليه قطع الدجاج المنزوع العظم المقلي مع بصل مثروم وقطع صغيرة جدا من البطاطا والباز لياء  وكان واضحاً أن الطباخ قد وضع أثناء القلي البهارات الهندية مع الفلفل الأسود وكذلك شيئاً من الزعفران على صحون الرز .كان هناك صحنان من نوعين من المرق : بامية وباذنجان ،  إضافة لصحن رتبت فيه كبة الموصل . إلى جانب الأكلة الرئيسية وجد على المنضدة صينية كبيرة فيها سمكة كبيرة  مشوية  قدمت للأكل حال إخراجها من الفرن.  تذوقنا المقبلات المتنوعة قبل بداية الوجبة الرئيسية ، أعقبتها أنواع من الحلويات العراقية المصنوعة بيد أحد عمال أكبر مصنع حلويات في العاصمة العراقية وهو شاب نشيط يعيش في روتردام مع زوجته بانتظار صدور قرار قبولهما لاجئين  سياسيين .

ابتسمت ثم علقت بالقول :

ـ يالها من وجبة غنية وتركيبة جميلة على مائدة واحدة  .. شعرتُ بالشهية من وصفك لها  بينما معدتي ليست فارغة ..

ــ ستتذوقين مثلها أو أحسن منها . سأطبخ وجبة عراقية ذات يوم وأدعوكِ لتناولها .

أدركت في العبارة الأخيرة ان ناقوسا دق في قلبها بل أحست ان دعوته المفتوحة بداية جريئة سَرَت أثرها  برودة في يديها الممدودتين على المنضدة ..

لا تريد أن تفقد جمالها  في تلك اللحظات التي بدت تأخذ منحى آخر في اكتشافاتها. أدركت أن المساحيق التي على وجهها قد زالت حتماً أو أنها على وشك الزوال . صحيح أنها واثقة من جمالها إلاّ أن صاحباتها وزميلاتها في المدرسة يؤكدن باستمرار أن الماكياج يناسبها في إظهار جمالها حتى في شحوب الليل  . أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة من الماكياج حالما أستأذنها للذهاب إلى التواليت ، فهو معتاد على الذهاب إلى التواليت في فترات متقاربة كلما تناول البيرة.

أضواء مرئية قادمة من كل جهات الصالة إلى وجهيهما. هل يتأثر هذا الشاب بألوان الوجوه كما يتأثر بألوان رسوماته..؟ قرأت عينيه فوجدت نغمات مسموعة من أعماقه بحب اللون الأحمر العميق  على الشفاه وبحب اللون الأحمر الفاتح الموجود على أظافرها التي كان ينظر إليها كما لو كان ينظر إلى قوس قزح موجود في سماء لوحة صغيرة  .

وضعت أحمر شفاه دموي اللون على شفتيها   ، كما وضعت مسحة قرمزية فوق كل عين . خضع وجهها للقطةٍ جديدة أثرت على جمالها ، فما أن عاد إلى مكانه حتى لاحظ بلمحة واحدة أن مشهداً جديداً أمتد بوجهها وانكمشت معالم كآبتها تماماً .

أول شيء فعله هو مبادرتها  بسؤال مفاجئ لم تكن تتوقعه فهو لم يأتِ أصلاً من استرسال كلامهما :

ـ أشعر كأنني طائر بجناحين هذه الليلة..

اتسعت في وجهها ابتسامة ذات معنى عميق برز بوضوح تحت خط أزرق رفيع نازل من حاملة الضوء ، وقالت :

ـ أنك طائر من فرح الانتصار عليّ في لعبة البليارد لكنني أؤكد أنني سأنتصر في المرة القادمة..

ـ أتمنى ذلك من كل قلبي.. ولو ان لذائذ فرحي ليست من نصر اللعبة لكنها آتية إليّ من شتيت ضياء مصابيح ملونة يسعدني بما أرى واسمع ..

أحست بزحف الكلمات بجسدها اكثر من زحفها في آذنيها.

ـ أتمنى حقا ان تنتصري في المرة القادمة.

نظرت برهة  في أعماق عينية كما هي طبيعة المرأة الهولندية التي تبالغ في احترام الآخر حين تتحدث عينا لعين .

ـ  كذلك  قلبي يتمنى..

أراد مباغتتها مجدداً كما كان يباغتها بتحريك كرات البليارد أثناء ما كانا يلعبان:

ـ هل أنتِ متزوجة..؟

نظرت يميناً وشمالاً كمن يطلب النجدة ثم وهجَ في عينيها ضوء:

ـ كلا.. لم أضع الزواج في مشاريعي بعد. فشلتُ بتجربة سابقة . أنا حذرة بعدها فالزواج ليس غوثا..

ـ أنا غير متزوج . بعد تخرجي مباشرة أكملتُ الخدمة العسكرية الإلزامية بعد تنقلٍ واسع من وحدة  عسكرية إلى أخرى لمدة أربع سنوات. مات أخي بقذيفة في الفاو.. اعتقلوا أخي الأكبر بتهمة الانتماء إلى حزب معارض  للحكومة . قررتُ مغادرة البلد خوفاً على حياتي .

ـ ممن خفت..؟

ـ خفتُ من تبعات الكارثة النازلة علينا .

ـ أي كارثة تعني..؟

ـ  كارثة المجموعة التي تقود بلادنا بمركبة مذهبة لكنها  رهيبة  تجرها جياد  صهيلها مرعب ومخيف .. وصل بلدي إلى اليد الخطأ. وقعت السلطة فجأة بأيدي  مجموعة من القتلة السابقين  من ذوي الطبيعة الغريبة  عن طبائع أهل بلدي .. لا يفهمون في السلطة غير قتل الناس وإرهابهم وتخريب حياتهم وسلب حرياتهم وأموالهم ..

ـ أتعني أنهم  من ذوي الصفات السيكوباتية ..

ـ نعم بالضبط .. سيكوباتيين .

 سأل نفسه . ماذا تعني كلمة سيكوباتية ..!!

ـ بيده الرصاص يرعب به شعبه ليسعد نفسه المضطربة .

ـ أتعني رئيس بلادكم ..؟

ـ نعم. هل تعرفينه.. هل سمعتِ به..؟

ـ طبعاً.. أنا أعرف الكثير عنه . أنه الآن أبرز من نجوم التلفزيون الهولندي في نشرات الأخبار وغيرها..لا توجد نشرة أخبارية ليس فيها اسم صدام حسين..  هل تعنيه..؟

ـ أعني الرئيس وأصحابه. وصلوا إلى السلطة في بلادنا  المتطلعة لتوها للصناعة وللتكنولوجيا وللتقدم. لكنهم سرعان ما قرروا تدمير البلاد وتدمير الجيران ولو امتلكوا ما سعوا إليه أعني القنبلة النووية لدمروا مساحات أبعد من مساحات دول الجيران .

ـ سمعتُ محللاً سياسياً قبل أسبوعين يتحدث بتعبير لبق عن رئيس بلادكم.

ـ هرطقة لا يرضاها الوعي . زوار حدائق الحيوانات لا يسمعون ، في العادة ، زئير الأسد ربما يعطفون على كآبته.  الإعلاميون الغربيون لا يسمعون زئير الأسد الجاثم على صدر شعبنا  ولا يرون أنيابه و لا يدرون حتى الآن هل الأرض العراقية تدور حول الشمس أم الشمس تدور حول الأرض العراقية بلا نور وكأنهم نسوا كيف أدخلت محكمة التفتيش جاليلو إلى زنزانة الظلم والقمع . لدينا ألف جاليلو يقتلون حتى بدون محاكم تفتيش .

ـ يبدو أنك منحاز..

ـ أنا منحاز للشعب ضد الحكومة فعلاً . النور جعل كل شيء واضحاً في عيني .

ـ أنت منفعل..

ـ لست بلا انفعال . صدقاً تقولين . بي صرخة أليمة. بي صرخة طفل  فقدَ والديه في حريق عارم . بي صرخة غريق يتشبث بأي شيء. 

ـ  غالباً ما يقال أن رئيس بلادكم مناور جيد مع الأمريكان أنه يريد الاستقلال تماما مثلما تفعل دول كبرى كألمانيا وفرنسا . هذا ما أشاهده بالتلفزيون، وما أسمعه من سياسيين أوربيين كبار.

ـ  ما تشاهدينه ليس سوى نشاط مشوّه في الأعلام. أنه نشاط مصمم. القابضون على السلطة في بغداد هم من نمط هتلر وموسوليني وغوبلز. هل تتذكرينهم. هل تتذكرين ماذا فعل هتلر ببلدكم وبأوربا كلها. في بلدنا ألف هتلر . هتلر الجديد ظهر في بلادنا  لا يتوق إلاّ إلى القتل مصاب بجنون العظمة يريد أن يصنع مجداً شخصياً حتى ولو أدى ذلك إلى تدمير كل ما يحتاجه شعبه لبقائه على قيد الحياة.

ـ ما شأنك أنت بذلك. أنت رسام تمارس نوعا من أعمال الخيال ولا أدري،  بعد ،  إذا كانت رسوماتك من نوع الخيال المثير أم لا. ما لك والواقع السياسي..؟

ـ صار بلدنا بمنزلة المستنقع . يصعب فيه الوقاية من أي مرض . أما العلاج فهو أصعب من المرض نفسه . يوجهون أموال البلد كلها نحو صناعة الرؤوس النووية والكيماوية لتبقى أرضنا فقيرة. أليس جديرا ان أذكرك بأن هتلر أعطى أوامره لقوات النازي المنسحبة بإحراق باريس بيد أن أوامره لم تنفذ. بينما  أوامر هتلر العصر الشرقي  نفذوها. حرقوا نصف بلاد احتلوها ونهبوا نصفها الآخر.

ـ هل تعني احتلال الكويت ..؟

ـ نعم بالضبط .. قبلها فعل نفس التخريب في إيران .. صرنا غير متأكدين منذ ذلك الحين أن الأرض تدور . تخّيلي وجود مجتمع يفرض فيه على كل مواطن أن يطيع الأوامر من دون أي نقاش .  لا الفرد يمكنه أن  يحول عينيه عن ما يأمر به الرئيس ولا أصحابه في القيادة يمكنهم التفوه بأي اعتراض .. صار المغني ينشد له أغانيه في الشوارع وفي شاشات التلفزيون ليل نهار  وعلى عشرين مليون أن يصفقوا له ..هل تستطيعين العيش في بلد مثل هذا .. هل تستطيعين أن تعيشي ضحية في بلد غدا كل مواطن فيه ضحية ..؟ لذلك هربتُ . لا تسأليني لماذا.. فما يصح لأربعة ملايين  شخص غادروا ، قبلي ، ارض طفولتهم وأملاك آبائهم وأجدادهم يصح لي أيضا. لو يمتلك الناس الباقون هناك القدرة على الطيران الفضائي لما بقي أحد إلى جانب حكومتنا حتى ولو شهد العالم كله بأن أول شمس حضارة قد أشرقت على أرضنا.

بعد ان هاجت كل الزوارق في مياه النهرين ، في أعقاب حرب الكويت  ، وماج فيها برج آذار و أزبد بين الناس في شمال العراق وجنوبه لم يعد بإمكاني التجديف نحو أي شاطئ فامتلأت رغبتي بجنون الهجرة بعد ان  أصبحتُ  كغيري وسط غابة من الخشخاش المر في مدينة مطمورة بأنقاض الحروب .  شجعتني أمي على السفر فلا تريد أن تفقد أوسط أولادها.  أعانتني بثقل المبلغ الذي جمعته خلال كدح حياتها وكدّها فحصلتُ منها على رسم جواز السفر وأجرة مقعد في باص نقلني من بغداد إلى عمّان ..  وصلتها بمنتصف الليل . بتُّ على قارعة الطريق تحت مظلة مقهى لم تفتح بابها بعد. في صباح اليوم نفسه أرشدني عقلي للموافقة على عرض للعمل بنفس المقهى مقابل أجرة قدرها ديناراً واحداً لا يسد حتى حاجتي للسيكَاير فقررتُ ترك التدخين من تلك اللحظة. أبلغتُ من قبل عامل المقهى الذي هو بذات الوقت مديره بأن لي حق تناول وجبتين من نوع واحد من طعام يباع في المقهى: فول مدمس وحمص بطحينه ، وهما أرخص أنواع المأكولات الشعبية سعراً وغذاءً .أما لماذا وجبتين وليس ثلاثة فقال أنه نفسه ، أي العامل المصري الذي أمضى أكثر من سنتين  في عمله بالمقهى لا يتناول إلاّ  وجبتين . هذه هي تعليمات رب العمل . من شاء فليعمل ومن شاء فليغادر فالعاطلون حاضرون بباب المقهى في كل وقت لملء الفراغ .  الكسب الكبير الحاصل من اتفاقي للعمل هو أن باستطاعتي المبيت ليلاً تحت مظلة المقهى بعد إقفالها . لاحقّ لشرطة عمان أن تمنعني من المبيت فأنا عامل المقهى وحاميها من مخاطر الليل .

 بعد حين قصير من المواظبة على العمل جاءتني فوائد جديدة من هذه المقهى التي يرتادها ، نهاراً وليلاً، رواد كثيرون من المسافرين إلى بغداد والقادمين إليها من داخل الأردن وخارجها. كان صاحب المقهى ،  وهو معروف بملكيته لعدد من المقاهي في أنحاء مختلفة من عمان، يبني بيتاً جديداً في تلك الأيام بعد أن وفقه الله في أعماله فترك بيته البسيط  في الجبل المطل على الساحة الهاشمية حيث يتجمع آلاف المهاجرين العراقيين وراح يشيد له بيتاً  في الشميساني على أحدث طراز ووفق التحسينات الحضارية والمعمارية الداخلة حديثاً إلى بيوت الناس في عمان .

 أكتشف صاحب الدار الذي هو صاحب المقهى موهبتي في الرسم فقرر أن يضفي على بيته تعددية جمالية بتزيين جدران بيته بلوحات حدّد هو نوعيتها محوّلاً إياي إلى منفذ فقط ومن دون مناقشة أيضاً. رسمتها جميعاً تلبية لطلبه حتى أنه لم يوفر لي بعض مستلزمات الرسم فقد كنت قد حملت من بغداد أهم ما أحتاجه في هذه المهنة بعد أن امتنعتُ عن تلقينها أنشودة تشويه إرادة الفن برسم صورة الرئيس كما اجبروا فنانين آخرين على ان يسلبوا منهم رحيق فرشهم لكي تبدو بها صور الرئيس وقورة في الشوارع والساحات .

ثمة عالم أحسستُ فيه بالسعادة التامة حين استلمت بيدي  وأنا خارج بلدي أول كسب مائة دولار أصبحتْ أول دفعة في أول هدف لتأمين أجور سفري إلى أي دولة أوربية من دول الديمقراطية الليبرالية ففيها وحدها يمكن لأي رسّام ان يستكشف فنه ويستنير بتاريخه ليعمر نفسه بعد طول خراب أحدثته القرون المظلمة .هذا قول حرفي أنقل نصه من أخي الأكبر.

عرفتُ ذات يوم من أخي المقتول تحت التعذيب في قصر يسمى في العراق بقصر النهاية ، وهو أول قصر من نوعه في عالم الحضارة المعاصرة تنتهي فيه بلحظات حياة كل إنسان يدخل إليه عنوة. فقد حولوا غرف القصر إلى زنازين لا يساوي فيها الإنسان أي حشرة في رأي السادة الحاكمين فيه.

من أخي نفسه علمتُ  ، قبل موته ،  بوجود حياة  بشرية من نوع مختلف في  منظومة  أخرى من الدول قررتُ المجيء إليها كي انزع عن جسمي ريش الديك الرومي  المبتلى بسخونة كل شيء في أرضنا .. كما أخبرني أخي عبد الحافظ  أن  أول شيء فعله في باريس  يوم أستوطن فيها هو تخلصه من  روح الضفدعة المتشربة بمياه نهر الخندك بالبصرة  كي يشم هواء الورود المنتشرة في كل مكان هنا وهي تنمو دون ان تخشى أوراقها أن يذبحها أحد بالسكين كما يفعل ، كل يوم ، سادة الأجهزة السرية في بلادنا .

انتفضت بنوع من المفاجأة والغضب :

ــ لم أفهم ما تعنيه .. هل  يقطعون الورود بالسكين في بلادكم ..؟

ــ يقطعون رؤوس الشباب والشابات بالسكاكين .. يوقعونهم بين الشراك في السجون ثم يقطعون أجسادهم ويدفنون جثثهم بالمئات والعشرات في حفرة واحدة .

ــ الشباب وليس الورود .. هذا ما تعنيه  . الآن فهمتُ.

 

 

كان أخي قد تخرج من جامعة أوربية راقية وعندما عاد إلى بغداد  كالوردة النضرة قطعوا رأسه بعد شهرين .

ــ قطعوا رأسه ..؟

ــ نعم قطعوا رأسه ..

ــ يا إلهي بأية تهمة .. ؟ خيانة .. سرقة ..جريمة . لم أفهم شيئاً بعد .

ـ لا جريمة ولا تهمة . تقطع رؤوس الناس في بلادنا  حسب مشيئة  أو رغبة  أو تسلية مخلب قط وحشي في حزب الحكومة أو في قصور التعذيب . كل إنسان معرض للاتهام بكونه معارضا للحكومة ليس له مكان في العراق غير المقبرة .. أحيانا لا يضعونه في مقبرة .

ـ لم أفهم بعد .

ـ في كل بيت همسات ألم وحزن مبحوحة وممضوغة مع ملح الطعام الذي يتناوله الناس ..

ــ لم أفهم بعد . يبدو أنني لا أفهم في هذه الأمور .. خذني إلى أي حديث آخر ليس فيه شيء عن الموت  .. قل لي ..

قاطعها بحماس قائلاً :

 

ـ إذا تريدين أن تسألينني لماذا اخترت هذه الدول ، ربما أجيبك لأسباب أقنعتني وأقنعت جيلي كله  بأن السفر إلى هذه الدول يؤمن حماية نوعنا الإنساني بالتوطن في بلد متوازن تموت فيه كل يوم ميكروبات الروح الدكتاتورية بالعكس من بلادنا التي تموت فيها كل يوم جذور القانون والحرية والديمقراطية.

ساعتان من الفسحة الضيقة في أحاديث مبتورة انتهت بخلاص امرأة جميلة من إيقاعات كآبة تطلعت بوجهها حول منضدة البليارد .

 نبض صوته بالقول المتردد:

ـ أحببتُ الحديث معكِ أكثر من اللعب  بكرات البليارد..

ـ وأنا كذلك يا عبد السلام..

ـ أحب أن ألتقي بكِ مرة أخرى..

ـ وأنا أيضاً..

تلمّسَ بيديه يديها..  أحسا فوراً بذبول إشارة الخجل .

ثم هبطت الظلمة إلى الصالة إعلاناً بالأقفال.

نسبة قليلة من ضوء القمر نفذت إلى عينيهما وهما في الشارع الأول بعد مغادرتهما :

ـ انظري كيف ينزل ضوء القمر على قمة السحب البيضاء.

أشار بيده إلى السماء الصافية إلاّ من كتلتين من الغيوم البيضاء أسفل الناحية اليمنى من القمر.

ـ أنظر إلى الزهرة.. تبدو لامعة.

خرجا إلى المطلق وهما لا يعرفان أين تؤدي بهما القبلة الطويلة التي مارساها بشوق ، في الشارع الذي خرجا إليه كتائهين وجدا طريقهما تواً.

ـ لا أخشى المعرفة الجديدة لكنني أشعر كأنني أعرفكِ من زمن طويل .

ـ وأنا أيضاً..

ـ لدي ميول موروثة لمعرفة الطيبين..

ـ أميل للتفاخر بالطيبين..

بعد منتصف الليل وجد نفسه في أحضانها حتى الفجر الندي ّ. غابا في فراش واحد بعيداً جداً كأنهما يريدان البحث عن أي مكان يختفيان فيه عن أنظار الليل كي لا يطل النهار سريعا .

ـ في طفولتي كنت أخاف من الظلام لذلك بقيت لزمن طويل أنام في حضن أمي . حين بلغت السابعة و الثلاثين   في أيار الماضي عندما كنتُ في ماليزيا عرفتُ أن قدري هو الظلام بل أقول لكِ يا لارينا أن العيش في الظلام قدر شعبنا منذ سبعمائة سنة.

ـ ماليزيا ..!! هل قلت أنكَ كنت في ماليزيا..؟

ـ بالضبط . ماليزيا التي لم اختر السفر إليها.

 المثير للسخرية أنني وجدتُ نفسي محاطاً بظلامٍ أشد مما كان في بغداد .

ـ هل يسعى الإنسان بقدميه للظلام..؟

ـ ما سعيتُ بل اضطررت .

عشرات المرات جلتُ منطقة  الشميساني وغيرها من مناطق عمّان حيث تختار أغلب الهيئات الدبلوماسية الغربية مقراتها ومكاتبها في تلك المنطقة الجبلية الجميلة الهادئة .  دخلتُ إلى قنصليات الدول التي فيها نور كثير ، نور من فضاء ومدارات الحرية والديمقراطية باحثاً فيها عن فيزا الدخول إلى فرنسا أو روسيا التي قيل أنها تخلصت من جوع الحرية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي أو إلى بريطانيا العظمى  وحتى إلى بلدكم . هناك بلايين النجوم في مجرة درب التبانة انسدت طرقها بوجهي . لم أعثر في هذا العالم إلاّ على شمس واحدة قادتني من عمّان  إلى ظلام جديد في ماليزيا . كان صمت القناصل مثل صمت النجوم .  يرون كل شيء في العراق لكنهم لا يمنحون العراقي لحظة سعيدة .

ـ ألم يكن  القناصل العرب قادرين على ان يفتحوا لك طريقا نحو بلد عربي   .. أنت منهم وهم منكم  .. لماذا لم تطلب منهم عونا  ..؟

لاحظت أنني ابتسم وأنا اركز في النظر إلى يديها الجميلتين :

ـ لم يبلغ التبصر بالقناصل العرب عما جرى ويجري في العراق درجة الإلمام بحقائق الوضع .. هم مثل حكوماتهم يفكرون ويعملون كرجال أعمال لا يسمعون غير إعلانات الراديو العراقي الرسمي يذيع مارشات القومية والحرية وتأكيد تعضيد نضال الفلسطينيين ..الحكومة العربية لا تصدق  الشعراء ولا الفنانين لأنها فارغة  من الحياة ..  الحكام العرب لا يصدقون غير ما تقوله الحكومة العربية الأخرى .. ليس عندهم آذان مفتوحة لسماع صوت الشعوب العربية ..

أطرقتُ لحظات وقد لاحظتْ ألماً في وجهي أسرعت بالقول :

ـ عيناك حزينتان ..

ـ قلبي مفعم بالأسى أيضا .

كنت طيلة أحاديثي مع الآخرين أتحاشى الجنسية الحقيقية  الغائبة عن هويتي الحقيقية لكنني وجدت نفسي أمام لارينا الهولندية  حرا كي اخرج الحقيقة من جزيرة قلبي إلى جزيرة قلبها.. أحسست بنسمة هواء باردة لا ادري من أين أتتني .. قلتُ لها :

ـ أنا عراقي .. لكنني لستُ عربياً ..

قاطعتني بسرعة وابتسامة :

ـ عرفتُ ذلك من ملامحك من أول لحظة .. أنت كردي من شمال العراق .. أليس كذلك ..؟

تيسرت في وجهي ابتسامة أيضاً :

ـ نعم  ولا .. أنا كردي .. كردي فيلي  .. من جنوب العراق وليس من شماله . كان والدي يعيش في غابة متوحشة يطارد هويته القومية  فيها صياد الحكومة من مكان إلى مكان حتى استقر بعائلتي المقام في البصرة . أبي تعرف إلى والدتي  فيها فاستوطنها حبا بها منحته خيرا  بثلاثة أولاد وبنت واحدة . ولدتُ كرديا فيليا من أم عربية . أبى القدر أن لا تعتبرنا وقائع الحكومة عراقيين . تصر الحكومة ان والدي من أصول إيرانية ..

ـ  هل تعني ان والدك ولد في إيران ..؟

ـ ولد في ارض عراقية خالصة لكن الحكومة تقول أن الكرد الفيلية فارسيو الأصل والحسب والنسب .  قبل أكثر من خمسة عشر عاما آوى والدي إلى فراشه ليلا  فوجد نفسه ظهر اليوم التالي معتقلاً مرميا بلا مال  ولا عائلة داخل الحدود الإيرانية محمولا بقرار حكومي تنفذه مفارز شرطة تقول : أيها الإيرانيون .. خذوا هذا الرجل الفارسي الأصل . . لا مكان له في سجوننا ..

كان والدي خاسرا دوما في جميع ألعاب حياته فتاه أخيرا  في مجهول شبيه بموتٍ ضار ٍ .. في قلبي ذكرياته تهصرني كل يوم بعاصفة تحطم نومي في كل ليلة .

نهلنا أنا ووالدتي بعده من مرارة عذاب الفقر حتى أنهيت دراستي الفنية.

كانت لارينا تنظر إليه مستمعة بإصغاء تحوّل في داخلها إلى إعجاب فصار يرى في عينيها في تلك اللحطة مسحة من الغموض الناعم الحلو .

عاد يحدثها  عن مغامرة سفره مع تزايد ملامح الحزن في عينيه :

ـ كان صاحب المقهى الأردني طيباً جداً معي لكنه أعتبر عملية دفع استحقاقات الآخرين عملية باهظة التكاليف. لذلك دفع لي أقل استحقاقاتي بعد أن رسمتُ له ، خلال سنة و سبعة أشهر ، عشرات اللوحات وأعمال نحتية عديدة له ولأصدقائه الذين أوجدوا  لي بدائع جواز سفر مزور إلى ماليزيا ومعها بطاقة سفر ومائة وخمسين دولاراً ورسالة توصية إلى صديقهم المدعو نظر فيض الدين الماليزي  .

بدأ قحط من أول يوم من وجودي بصحبة ( نظر فيض الدين) الذي أخبرني أنه قد عاد من الحج في مكة قبل أسبوعين .

ـ بماذا ترغب العمل هنا يا عبد السلام ماذا معك..؟

ـ معي حفنة من تراب وطني ومعي فرش رسم وأشياء أخرى في الفن..

ـ في ماليزيا لا ينفع هذا كي يعيش الإنسان.. قل لي هل أنت عربي أم كردي ..

ـ أنا عراقي ..

ـ  اخبرني بأي مكان كنت تعمل في عمان..؟

ـ كنتُ عاملاً بسيطاً بمقهى صغيرة..

ـ جيد .. هذا ثقب يمكن أن تنفذ منه إلى المجتمع الماليزي ..

ـ لكن بإمكاني العمل بالفن أيضاً. أملك أوراق كثيرة تثبت ذلك.

ـ خلّي أوراقك في حقيبتك . هنا ضباب يحجب الفن يا عبد السلام. أنا أعرف لماذا تركت العيش في بلدك. أنتم ناس مولعون بالسياسة .. تحبون السياسة السرية المؤدية إلى الإعدام. سمعتُ في أثناء وجودي بمكة أن الكثير من المسلمين العراقيين أعدمتهم حكومتكم  وتبين لي أن السبب هو اشتغالهم بالسياسة السرية. هل تشتغل بالسياسة السرية يا ولدي..؟

ـ أبي كان الأول . حاول اكتشاف أسباب الظلام في بلدنا فهجّروه إلى بلد ليس بلده  لا يعرف فيه أو عنه شيئاً غير بعض لغته ورث مفرداتها من جدّه .. قتلوا أخي في قصر النهاية  وتعهدتْ  الحرب بقتل أخي الثاني في مكان ما خلال الحرب مع إيران  . ليس له قبر..  لم يحظ ببركة التشييع ومراسيم الدفن والفاتحة فقد قيل لنا ان جسده تفحّم مع البارود. ما عدتُ أعرف أخبار أبي .

ــ يا إلهي .

مرت فترة صمت كان كل واحد منهما قد ركز نظره على السماء لينهل شيئا ما من الألم .

لم يكن عبد السلام قد اظهر لها حزنه بكلمات لكنها أيقنت ان دمه يفور في هذه اللحظات وان بعض ذكريات حياته المرة تتقد وربما لذّاته في تذكر الماضي تقرع في داخله ناقوس الرحيل إلى موضوعات أخرى فحاولت اقتناص الفرصة باقتراح لاستكمال السهرة في بيتها لكنه كان أسرع منها في تواصل الحديث بنفس الوزن الهائم في أعماقه :

ـ  خافت والدتي أن تباد عائلتنا فأرسلتني إلى هنا فقد انطلق من قلبها طيف ينبئها إنني سأكون الضحية العائلية القادمة .. ضغطت علي بشدة وبسبب الحب المتبادل بيننا غنيت لها  أغنية الرحيل من وطنٍ أحببته كأمي .

تراءى لي سراج ماليزيا شاحبا وان آمالي فيها مصفدة بكثير من القيود . عرفت الصورة القاتمة من حديث الشيخ الماليزي نظر فيض الدين :

ـ لا تنقّب عن شيء لا تجده عيناك أمامهما . أنصحك يا ولدي أن لا تتكلم بالسياسة في هذا البلد لأن الحكومة تمنع أهالي البلد والغرباء من السياسة. السياسة للسياسيين فقط . لا تتكلم عن الرسم لأنك لا تجد من يهتم به. ليس من حقك أن تذم أي حيوان في ماليزيا ولا تتكلم عن فضائل إنسان ماليزي أو عن خبائث تراها. لا تتحدث عن أرسطوطاليس أو بيكاسو أو النبي محمد أمام أي ماليزي لأن الكلام يتحول إلى ألغاز والألغاز تتحول إلى عينات كلامية معارضة للحكومة والعينات لها أجهزة روبوت ذكية تعرض حياة الناس للخطر. خذ نصيحتي أيها المسلم وتعلم من تجربتي فقد أنهيت أحلامي بالدخول إلى مجلس النواب وتفرغت لعملي وانكفأتُ عن كل عمل حزبي أو سياسي ..

ـ كما هو في بلدنا. أعرف ذلك..

قلت لنفسي من دون أن أنبس بحرف أو كلمة.

ـ نعم يا ولدي مثلما هو موجود في بلدكم . لذلك أنصحك أن لا شأن لك بغير العمل ولقمة العيش . أعمل كل يوم بأي عمل تجده كي تشبع بطنك. انتظرني حتى أجد لك عملاً نتائجه مناسبة لكَ كما أوصاني بكَ صديقي الأردني .

ماذا إذن أنا فاعله.. يبدو أن الأمل كان وهما . رسموه كأنني سأدخل إلى فردوس المال من أول لحظة التقائي بالحاج نظر فيض الدين . تموجت بي الأوضاع و اعتملت في صدري ضائقات كثيرة حتى تقتُ للعودة إلى عمّان مدركاً سخف الحياة خلال وجودي في غربة مثقلة بأعباء تتكاثر كلما تناقص مبلغ المائة والخمسين دولاراً الموجود في جيبي ، كنت دائم التساؤل: متى ينفتح الباب المسحور أمامي يا ترى..؟

 أن عليّ كما قال الحاج نظر أن أغمض عينيّ وأتظاهر بأنني في أمان حين يعرض عليّ العمل في أي مكان غير الفن . لقد سقط الفن إلى الأبد. ما أمامي الآن غير ضمان  استمرارية حياتي وأن لا أحلم باستعادة أموالي الكثيرة وأموال والدتي التي خسرتها للحصول على جواز وبطاقة سفر. بقيت أياماً طويلة في غرفة صغيرة بائسة أعطاني إياها نظر فيض الدين منتظراً العالم القادم إليّ بأحلام مرسومة بعد صرف آخر سنت بورقة الدولار الأخير. تظاهرتُ بنعمة الراحة والأمان أمام نظر فيض الدين الذي جاءني مطالباً بأجرة الغرفة ، مبشراً بأنه وجد لي عملاً  مثيراً في عالم مثير ستكون فيه الدولارات تحت قدمي  .

ـ أنا وافد جديد أنهيت  دولاراتي التي جلبتها معي أيها الحاج الطيب فمن أين وكيف أسدد أجرة الغرفة.

ـ ليس هذا من شأني . الحق واجب التسديد يا ولدي  وإلاّ أصبحت الحياة فوضى . إذا أردتَ المغادرة فذلك شأنك أيضاً . غادر الغرفة فوراً إن شئت. هات . أعطني المفتاح وغادر.. أنا رجل متسامح سدد لي فيما بعد أجرة الشهرين الماضيين .

وجدتُ نفسي في هاوية بلا قرار. ليس من حقي مناقشة نظر فيض الدين . تلك هي طبيعته كما أخبرني في أول يوم.

ـ التخلص من الضيق يا ولدي يستوجب العمل . لا تنفعل ولا تندهش فأحسن الأعمال في ماليزيا هو العمل بالمخدرات .

لم أجد بداً من العمل في مجتمع مثير حقاً يديرني فيه رجل كبير السن من شمال ماليزيا أكد لي أنه يعمل بالمخدرات منذ وقت طويل عاملاً في مافيا( الحاج نظر) . سجنوه عدة مرات وخرج بعد دفع الرشاوى .

ـ لا نخشى السجن أبداً . يوم أو يومين  شهر أو شهرين وتخرج بعد دفع الفدية إذا وقعتَ بيد البوليس . الحاج نظر متنفذ في دوائر البوليس والحكومة لا يتركك أبداً . كن شجاعاً وذكياً . لاشيء يغلب الشجاعة والذكاء في ماليزيا . هنا مجتمع جذره بيع المخدرات يحتاج إلى ذكاء ، وقمته كل أنواع الجريمة تحتاج إلى شجاعة. ما بين القمة والقاعدة تتجمع الدولارات بعيداً عن بوليس يراقب السماء في الليل ولا يراقبك إذا دفعتَ له بوضح النهار.

بدأتُ العمل مع الرجل الشمالي الذي يتكلم بسرعة ويمشي بسرعة ويتناول طعامه بسرعة وينام بسرعة وينهض بسرعة. في كل يوم يؤكد لي أن العمل في المخدرات يتضمن معاني الرجولة والبطولة والمال والسرعة في الحركة والكلام .

خلال عام واحد من وجودي في ماليزيا  تمكنت من جمع أموال توزيع المخدرات بالمفرد. سددتُ ما بذمتي من ديون إلى الحاج نظر فيض الدين . أرسلتُ إلى والدتي مبالغ تعادل ضعف ما استلمته منها قبل سفري . أرسلت ثلاثمائة دولار لأختي الطالبة في الثانوي الحالمة بأن تكون طبيبة أسنان في المستقبل .

 حيال النجاح تلو النجاح المتحقق على يدي  بجولاتي وسفراتي صحبة مديري الكهل (فخر آغجي ) تدفق هوسه للانتقال للعمل بالقطاعي مشاركة ومناصفة في مدينة أخرى ليست بعيدة عن العاصمة معلناً عن استعداده لتزويجي أبنته الوحيدة والجميلة    (  سرادق ) التي لم يغب أسمها عن لسانه.

قبلت العرض الجديد  للعمل مشاركة بنسبة النصف من الأرباح مباركاً من الحاج نظر الغائب عنا أسبوعين قضاها مع زوجته الجديدة  (سرادق ) وهي تصغره بسبع عشرة سنة كانت قد تركت مدرستها بسبب فقر عائلتها. دفع لأبيها  نصف الألف من الدولارات  ووعد بعمل مشترك طويل المدى فنقلها بنفسه من بيته إلى بيت الحاج نظر في نفس اليوم الذي عرض فيه كرمه بتزويجي من ( سرادق ) نفسها ..عرفت من هذه المفارقة ان كلمات الماليزيين لا يتفوهون بها عبثا بل تغني للدولار من أين يأتي نغمه .

 لم يسمح لنفسه بفترة استراحة من حديثه المتشعب المتواصل..  كانت لارينا تنصت باهتمام وبغاية العجب إلى حديث عبد السلام. لم يكن يفاخر بطاقاته الجديدة المكتشفة في ماليزيا للقضاء على فقره وفقر عائلته إلى الأبد.

ـ والرسم يا عبد السلام..؟

ـ طويته في ماليزيا لكنني احتفظت بأدواته . بدا لي فن الرسم في ماليزيا من أدوات القرون الوسطى ووسائلها ولا علاقة له بعصر النهوض الاقتصادي .

كانت تنظر ملياً في عينيه تتابع من خلالهما حديثاً غريبًا غّير سلوك هذا الشاب للتعبير عن ذاتيته بمثال أكثر قابلية للدخول إلى فردوس المال بأية وسيلة.

نعم .. وجدتُ لأفكاري أكثر من إلهام وأكثر من مغامرة طائشة أدّت بي إلى الوقوع السريع بأيدي البوليس الماليزي . حصل مني (فخر آغجي) ثلث ما جمعته كي يغير مسارات التحقيق لصالح براءتي من كل جرم . دفعت الثلث الثاني إلى الحاج نظر فيض الدين كي يتلف جميع أوراق التحقيق بدائرة البوليس ويمزقها إرباً إرباً كما قال لي حتى يلغي أسمي إلغاءً تاماً من سجل جرائم المخدرات وبذلك يسمحون لي بالسفر إلى خارج ماليزيا.  قسم كبير مما تبقى عندي من مال وأعني الثلث المتبقي  دفعته إلى البوليس نفسه كمبادرة للتسامح مشروطة بالسفر إلى خارج ماليزيا بجواز سفر مزور حصلت عليه بألفي دولار أوصلني إلى هولندا. وجدت جيبي خاويا إلاّ من خردة بعشرين دولاراً أكرمني إياها من أوصلني إلى المطار،  ومصباحي منطفئا وأيامي في رجس ماليزيا كستائر انحسرت.. واأسفاه ان الفن لم يواصل تسلسله ، طوال زمن ماليزيا ،  إلاّ في أعماقي .

في أمستردام وجدتُ هوية جديدة. اتصلت ببعض عناوين مغامرين طائشين أعطاني إياها الحاج نظر فيض الدين فوجدت لديهم الفردية في الحياة والسلوك في أقصاها ووجدتُ المخدرات متداولة عندهم حتى أقصاها . خضتني المفاجأة. سألت نفسي هل يوجد لي لون آخر  في هولندا هل بإمكاني العودة إلى أصالتي و إلى ما قبل سقوطي في وحل المخدرات المنبعث منه  أكسيد كاربون كريه الرائحة لا يمتص أي ضوء مرئي . تجولت كثيرا في امستردام وغيرها فوجدت البلد مفتوحا للشمس وللضوء يكفيان لنقاوة الحياة لمن يريد الدخول إلى مدارات جديدة  داخل مجتمع وضع التشريعات المحبذة للفن والرسم مشجعة عليهما. قلت لنفسي :

ـ إنني الآن في بلد المليون رسام من ورثة صديقي وحبيبي منذ طفولتي فان كوخ . من المسلم به أن أنتمي إلى جمهورية الرسم الحرة .

بقيت فترة من الوقت شارد الذهن متوتر الأعصاب في ظل أفكار سيئة التدفق وسيئة الإدارة. فهي تديرني في كل مرة إلى جمهورية الترياق المنفتحة أبوابها أمامي . ها هم مواطنون ملتزمون بقواعد وقوانين هذه الجمهورية وربما أستطيع بها  استرجاع الأموال التي فقدتها في ماليزيا . كان وحش في داخلي يريد أن يشكل سلوكي في هذه الجمهورية .. بقيت أعاني صراعاً بين تجارة تنمو في داخلي وبين فن يريد أن يتعمق في أعماقي ، لكني تعاطفت بعد ذلك مع أفراح وأحزان رسم  سوف ترين نموذجه  في  لوحتي الأخيرة .

كانا قد وقفا في الليلة الثانية في صدر غرفة جميلة مزخرفة . بدا لها انه طويل القامة بوجه نشيط  حين كان يشرح لها تفاصيل لوحة كبيرة أمامهما أشتغل عليها طيلة الأشهر الستة الماضية .

كانت اللوحة  بمستوى جدارية بالألوان الزيتية .  فيها وفرة من ضوء الشمس  وقد أبهرتها الخصائص الطيفية في الألوان المائلة جميعا للزرقة الجميلة الهادئة ومضاداتها. تمعنت ببعض التفاصيل وقالت :

ـ كأنني أرى الصحراء في سكون لكن سرعان ما أراها تتهيأ للانطلاق .

ـ أنها المتضادات يا حبيبتي .

ـ أتذكر الآن إجابة ألبرت آينشتاين على سؤال لماذا نرى المادة ولا نرى المادة المضادة.

ـ  المادة ترى بالعين  والمادة المضادة  ُتحس . تلك هي طبيعة الكون والحياة.

ضحكت وهي تلتفت نحوه ترمقه بنظرات ذات معنى و تقول كلماتها ببطء:

ـ الحب أيضاُ يُحس ولا يرى ..أليس كذلك..؟

اشتعلت في شفتيهما قبلة طويلة أصر بعدها أن يتحدث  بمضمون لوحته:

ـ انظري يا لارينا هذا هو مخيم أحد الأعراب في بلادنا هوجم من قبل  ذئاب بُعيْد الصبح بقليل كانت السماء ملبدة بغيوم سوداء غير ممطرة. وقد نجا الأعرابي من هذا الهجوم لكنه فقد فرسه فصار حزيناً جداً. جلس في الزاوية حزينا ضعيف البنية هزيلا  رغم الملامح الجريئة الحازمة البادية عليه. يرتدي كوفية وسخة ممزقة وعباءته رثة لفها بقوة حول جسمه ولاحت من بين طياتها هراوة ذات رأس كبير هي التي حمته من فتك الذئاب الهائجة إذ بها دافع عن نفسه واضطرها على الهروب. كان أبوه فقيرأً  لم يستطع ان يعطيه فرسا ورمحا لكي يكون رجلا كاملا أمام بدو من الصحراء  مما سبب له الخجل في أن يظهر أمام البدو الأعراب وهو سائر على قدميه بلا فرس. انه الآن في سن الفتوة والشباب وعليه ان يعتمد على نفسه في الحصول على عُددٍ ينبغي له ان يحملها في الصحراء الشاسعة المحفوفة بالأخطار . قبل ان ينال ذلك وجد ان عليه الذهاب إلى نهري دجلة والفرات يعيش في أدغالهما مقتاتا الجذور والأعشاب مختفيا خلال النهار، وفي الليل يجوس في مضارب الأعراب باحثا عن فرس يحمله كي يجوب الصحراء مقاتلا  وقد وجد مبتغاه بعثوره على فرس لم يرَ لها مثيلا من قبل ، ولكن يا للأسف ربطت أقدامها بسلاسل حديد ولم يكن يحمل مبردا ليقطّع الحديد. الآن سيرجع إلى نفسه مصمماً على أن يبدأ بمغامرات جديدة باحثاً عن رمح وفرس عازماً أن يكون اكثر حكمة في المستقبل وأن يكون جريئا ليهمس في أذن أمه : يا أماه أخبريني كيف يكون لي بيت حر مُلكي وحدي أعيش فيه حرا  غنيا بما يتأتى من باطن الصحراء ومن سطحها ..؟

 ظل على وعده لنفسه بأن لا ينسى أن يحمل مبرداً تحت عباءته حتى لا يذبل الزهر ثانية في ليل مظلم أو في ليل مؤرق من الفقر .

أصابعه كانت تمشط بهدوء شعر لارينا وهي مصغية إلى همس ٍ منوّمٍ عن لوحته الجديدة المرسومة لمتحف القرية . سيهديها في احتفال خاص يوم الاثنين القادم عند افتتاح معرضه الثالث في هولندا.

كانت السماء قد نثت رذاذا خفيفا وهما في عناق طويل فقد كانا يرتجفان و يصرحان بحبهما المباغت:

ـ أحبك يا لارينا..

ـ أحبك يا عبد السلام..

انبعثت من كل منهما نبضات منتظمة دفعتهما إلى عناق طويل .

ـــــــــــــ

بصرة لاهاي 1998

 

 

 تخطيط للفنان كمال خريش

هولندا

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )