العدد الثامن ------------------- مايس 2004    

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

  توهج الذاكرة 

 لا رحيق لزهور تنبت في غير أرضها

 

 
 

                  

   د . فاضل سوداني

 

 

(أن نعبر ذلك الليل البارد الذي سيحيلنا الى بهاليل ومجانين ) شكسبير

 

ليس من السهولة أن يسترجع الانسان ذاكرة الماضي ليوقظ  أحاسيس لم تكن عفوية ذات يوم،  ويستنهض حيوية زهرة المسرح العراقي ناهدة الرماح كأنسانة وفنانة سرق زمنها الإبداعي  كما الكثيرين  من الفنانين. إذن ليس من السهولة بعد كل هذا الخراب أن يمنحها  الإنسان بعض من فرح الإبداع ، أو على الأقل واحة لتستريح من منفاها ومن خسارتها  للمسرح العراقي بعد سقوطه أبان حكم الجهلة. لذا سأستنهض حيويتي وأنا انتظر شيخوختي المبكرة في منفاي بسنواته السابعة والعشرين، سأستنهض كل هذا للكتابة عن تلك الزهور التي لا تنبت  إلا في أرضها.

 مازالت ناهدة الرماح  تعيش في  حلمها الفني حتى وهي في منفاها الضبابي في لندن، فينعكس على سلوكها اليومي مما يدفعها لتتعامل مع الآخر  ببساطة وعفوية وبراءة  المشاعر، بلا تعالي أو قسوة عراقية، لأن ما في قلبها دائما تجده على راحة يدها، إنه الصدق الذي يميز فنانة  تمتلك مشروعاً إنسانياً مع الآخر. إنه قرينها الضروري، تشكل معه وعيها ومسرحها المبارك الذي يرتجف الممثل في ظلمة كواليسه عادة رجفة الابداع على خشبة المسرح، إنه عالمها الفني، بل هو بيتها تألفه في كل عمل مسرحي. فالمسرح هو المكان الوحيد الذي ترى الفنانة فيه وجودها وديمومتها الحياتية.

وبين كواليس مسرحية القربان ( لغائب طعمه فرمان ) كنت في كل ليلة أسمع همسها الشفيف، وأستشعر فرحها الطفولي الذي يتلألأ في عينيها، لأنها في مواجهة ذاتها الحقيقية  التي تعبر عنها على خشبة فرقة المسرح الفني الحديث. في ذلك المكان كانت ناهدة الرماح تجد كينونتها وزمنها الفني ، لأنها تعي أهمية ما تقوم به في كل مساء عندما يضئ نور المسرح روحها والآخرين .

 وفي إحدى ألاماسي في تلك الهوة المظلمة المدهشة بين الكواليس ، وفي لحظة خروجها إلى الجمهور (في دور مظلومة) شعرت بيد ناهدة تتشبث بي وهي تتعثر وترتجف ، وتهمس بصوت متهدج مشوباً بالرعب : آني بعد ما شوف ما شوف .

لم أصدق، بل اعتبرت هذا بعض من المناكدات التي كان أعضاء  الفرقة  يمارسونها فيما بينهم . وعندما توقف العرض بسبب فقدان ناهدة الرماح البصر لم يترك الجمهور صالة المسرح لقلقه عليها. وبعد ذلك واحتراماً للجمهور قررت الفرقة استمرار العرض فكان على الفنانة المبدعة اقبال محمد علي ان تحفظ دور ناهدة الرماح في ليلة واحدة ، واستمر العرض في اليوم التالي ولكن بممثلة جديدة . وقد لعبت الفنانة القديرة المرحومة زينب دوراً كبيراً للتخفيف عن محنة زميلتها وسعيها لتوفير فرصة للعلاجها في لندن بمساعدة الوزير آنذاك المرحوم عامر عبدالله .

من السهولة أن تدخل عالم ناهدة الرماح ،ومن السهولة أن تشعر بالطمأنينة معها. وكل الذين يعرفونها وخاصة أعضاء الفرقة وبالذات الشباب منهم آنذاك يتذكرون بيتها في أطراف بغداد، حيث كانت حديقته (وكذلك بيت الفنانة زينب في الكرادة ) ركننا الذي نستريح فيه بعد  تمرين متواصل في المسرح يستمر حتى منتصف الليل .

من السهولة أن تتخذ من ناهدة الرماح صديقة وكاتمة للأسرار، من السهولة أن تطلب منها ما تحتاجه أنت ، من السهولة أن تتشاور معها عن عذاباتك الشخصية . من السهولة أن تأخذ منها الكثير، ولكن من المستحيل أن تساومها على مسرحها وإبداعها . وحميميتها مع الآخر شرط مهم للإبداع ، ففي الفن لا يمكن فصل السلوك الإنساني اليومي عن الممارسة الفنية . لذلك  فأن صدق وعفوية الفنانة انعكس على فنها المسرحي من خلال الشخصيات التي مثلتها منذ أدوارها الأولى في السينما والتلفزيون ومروراً بمسرحيات مثل النخلة والجيران ، المفتاح ، القربان ، بيت برنارد ألبا وغيرها. ومن خلال دراسة هذه الشخصيات تكتشف صدق وعفوية الشخصية الشعبية التي حاولت الفنانة ناهدة ( والفنانة القديرة  زينب كذلك ) إحيائها على خشبة المسرح. وبالتأكيد فأن هذه القدرة والغنى الروحي والفني هي نتيجة لوعيها بمهمة أساسية وهي : إن الفن لابد أن يخلق الجمال ، جمال الأشياء وجمال الروح ، ولابد أن يكون دوره فعالاً في التطور الإجتماعي. وبالرغم من عصاميتها إلا أن مسببات أخرى أدت إلى تشكيل وعيها الفني متمثلة بـ :

  ¨    لقائها ببعض الشخصيات الأدبية والفنية والسياسية في بداية مسيرتها التي أثرت على تكوين شخصيتها ومستقبلها الفني .

   ¨    لعبت الأفكار التقدمية ـ التي التزمت الفنانة بها ـ  وخاصة الأفكار الماركسية  وكونها عضواً في الحزب الشيوعي، الدور الفعال في تكوين وعيها الفكري والسياسي.

   ¨     لقد ساعدها انحدارها الاجتماعي ونشئتها في وسط فقير على أن تكتشف بوضوح  جوهر مهمتها الإجتماعية والفنية ، إضافة إلى دور زوجها ورفيق حياتها الأستاذ شوكت الرماح الذي وقف معها منذ بداية حياتها الفنية في وقت كان يعد المسرح فيه ممارسة لا أخلاقية، إضافة إلى معايشته لجميع المحن والصعوبات التي عانت منها .

إن وعي ناهدة الرماح هذا أدى بها الى أن تنتمي الى فرقة المسرح الحديث والتي تعد إحدى أهم الفرق المسرحية العربية التي استطاعت أن تخلق وعياً متميزاً ليس لأعضائها فقط وإنما  لجمهورها الواسع. ولذلك فأن الفرقة كانت بالنسبة إلى ناهدة الرماح هي المعهد الفني والمدرسة التي تعلمت فيها أصول وقوانين العمل الفني، إضافة إلى عملها مع مخرجين عراقيين كبار مثل الفنان جاسم العبودي ( مات وحيداً في دار العجزة في أمريكا )  وجعفر السعدي وجعفر علي (ظلت جثته مرمية في الشارع  ساعات طويلة ) وإبراهيم جلال وسامي  عبد الحميد وأسعد عبد الرزاق وقاسم محمد و بهنام ميخائيل (الذي  صفعه تلميذه النجيب  محسن العلي عضو الإتحاد البعثي وقت الدراسة في معهد الفنون ) وخليل شوقي وغيرهم .

  وقد حاولت الفنانة أن تمنح الشخصية التي تؤديها  شيئاً من حيويتها وعفويتها وعراقيتها حتى يتفاعل الجمهور معها.وهذا ما قامت به في جميع أدوارها. وما إبداعها في أداء دور ( حيره ) في مسرحية  المفتاح إلا تأكيد على امتلاكها للحيوية والقدرة على خلق الشخصية الشعبية . وأستطيع القول بأن ناهدة الرماح كانت تبحث عن ذاتها في دور ( حيره ) ، تلك المرأة العراقية الطيبة ، الحيرانة والمأخوذة حد الذهول للبحث بعناد عن مصيرها ومستقبلها بالرغم من استلابها التاريخي في مجتمع مازال لا يحترم دور المرأة .  و قد شغفت الفنانة  أيضا بدور الفتاة العراقية المضطهدة في فيلم ( من المسؤول ) الذي يعتبر من الأفلام الاجتماعية المؤثرة في تاريخ السينما العراقية .لذا فأن الخزين الشعبي لدى الفنانة ناهده  يمنحها القدرة على التأثير في مصائر الشخصيات التي تؤديها ، كما أن اكتشافها  للغنى الإنساني لهذه الشخصيات يؤثر في ذات الفنانة أيضا .

إن ذاكرة الجمهور العراقي مازالت طرية ، ولابد أن يتذكر لحظات الفرح التي منحتها  ناهده الرماح عندما كانت تقف على مسرح بغداد ، وبذات الذاكرة الحية سيتذكر أيضا فنانة الشعب  زينب ، الغائبة والحاضرة أبدا من خلال تلك الشخصيات النسائية الشعبية التي أدتها بجدارة عالية  كسليمة الخبازة في النخلة والجيران وسيتذكر الجمهور أيضا ممثلات  مبدعات حرم الكثير منهن من ممارسة المسرح في النظام العراقي المقبور مثل زكيه خليفه وفوزية عارف وغزوه الخالدي ومي شوقي وآزدوهي ووداد سالم وروناك شوقي ونضال عبد الكريم  واقبال محمد علي وشذى سالم ، سميرة الورد  وميديا رؤوف وغيرهن .

لقد فقد الفنان العراقي في منفاه  الكثير من حيوية مشروعه الفني  بعد أن سرق زمنه الفني ،  كما تهمش المسرح في العراق وفقد رموزه  الفنية و الإبداعية ، بسبب الكثير من الفنانين الذين خدموا سياسة النظام التدميرية. والآن على الفنان العراقي أن يعمل بسباق مع الزمن من أجل إزالة المعوقات التي كانت تهدف لتدمير الثقافة والتراث العراقي ، بهذا فقط نستطيع أن نسترد جوهرة الزمن الإبداعي التي لا تعوض عندما نعمل من جديد من أجل بناء ثقافة ومسرح في عراق ديمقراطي حر جديد حيث :

 لا أنتظر تفتح الزهور لأشم رحيقها /

لا رحيق لزهور تنبت في أرض غير أرضها /

 

 

      الشمال الاسكندنافي

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )