النبوءة

 

 

نجوم الصباح الذاوية تنطفئ واحدة اثر  اخرى, وينكشف  بالضوء المحمر شاطئ الطين وبيوت الشناشيل المنكفئة الى الضفة , وابعد قليل . . الأزقة المتشعبة, الحواجز والسطوح التي التمعت فيها اسلاك الغسيل واندلعت من بعضها السنة اللهيب.

 كان الجريح الملقى الى الضفة في غيبوبة  وقد انغرست رأسه وذراعاه في الطين, اما جذعه السفلي  فقد غمرته المياه ,  واخذ الدم ينزف من جروحه العميقة , من ذراعيه  وعنقه وظهره بشدة. وكان يهتز ويكاد ينفلت من مكانه, يطوف وينسحب الى النهر, الذي بدا طينيا تلك اللحظة. واخذت الأمواج التي تضرب الجرف, تلقي باحشائها الطافية.. مئات من ا لأشياء المحمولة الخفيفة, تصطدم بجسمه, وتبتعد مكونة نصف حلقة من حوله باتساع ذراعيه.

كانت حشوة  النهر ذات اشكال داكنة وبراقة, اعشاب وقطع اخشاب سمراء, حجارة واصداف وحصى, مخلفات معدنية وحيوانية وكسار صخور وخرق وحطام جذور. بذور او رموز انبعث فيها النبض الحيّ وهي تنساب من طرف الموجة التي ابتعدت مبتلعة معها طبقة جديدة من الرمال.

يفلت الرأس من الطين, ويختلج الجسد اختلاجات سريعة, ثم يفتح الجريح عينيه, وبوهن, بوهن شديد, يتعرف على موضعه,  وينصت لأقدام المطاردين المتنقلين في الأزقة القريبة.

 كانت المدينة سوداء قاتمة تنيرها السنة النيران ويتوجها عش كبير من الدخان .

لم يكن قادرا على مواصلة الهرب , ورغبة  عظيمة للاستسلام او النوم كانت تملأ جسده  بخدر مضن وعينيه بدموع ليس فيهما ايما شفقة على النفس .  وتتعثر انظاره الهائمة بحدود المياه, الظلمة, واجهات بيوت الشناشيل,  القبب, ثم الجرف.. هذا المكان الأليف, ويلتقي بمقذوفات النهر  المحيرة امامه .. ذلك القوس العجيب من الأشياء , كما لو نشرتها كف عراف للتو.. حاضرة, ثقيلة, مقلقة, تمتلئ بالايماء: علامات وطلاسم وانعكاسات.. وجوه بغدادية قديمة وجديدة .. وجوه لسلاطين ولصوص, وصور لحرائق ونكسات وفيضانات وكوارث واوبئة, مخطوطة  اشكالها وتواريخها على الحصى وظهور وبشرة الأصداف والجذوروالحجارة .. ارواح هلامية, واسرار واحلام ودموع.. كسار سيوف, ونتاف كتب وفُتات عظام. التاريخ المأساوي للمدينة,ماضيها المروع, احتفظ النهر بها حتى الآن.

( القى المدافعون عن المدينة بدروعهم وخوذهم ورماحهم وسيوفهم والتجأوا الى الظلال والجدران, بعد ان استبد بهم العطش واحرقت شمس تموز اجسامهم تحت معدات الحديد . اما تيمورلنك المتوجه نحو المدينة فقد امر جيشه المؤلف من عشرة الاف مقاتل, ان يرفع امامه رأسا مقطوعة من روؤس البغدادين كي ينجوا بجلده, ولقد بنيت من تلك الروؤس ثلاث ابراج عالية آمام مداخل  المدينة علامة للنصر والظفر).

حوّل الجريح عينيه النصف مغمضتين النصف ميتتين باعياء شديد الى مجموعة اخرى من الأصداف   والحجرات في محاولة للتخلص من طوفان المشاهد التي كانت ترهقه بشدة.

( اسقط الطاعون في يوم واحد سبعة الاف, واخذت الوفيات تزداد حتى تقلص عدد سكان المدينة الىالنصف  , وطاف الأحياء والأموات حينما فاض النهر. اختلطت الحيوانات والأثاث بالمطعونين والأصحاء. مات الدفانون والحرس والمؤذنون والحطابون والباعة والبلامون ومات الرضيع جوعا بعد ان قضى  الوباءعلى الأمهات والأباء. وخلت الطرقات من المارة, وانقطع الناس عن زيارة اهاليهم واقاربهم. غير ان الجرذان, كانت تقفز من سطح الى سطح ومن دار الى دار, ناقلة الوباء الى الجميع).

كانت ا لسنة اللهيب  في المدينة تتصاعد..تسمع اصوات انفجارات هائلة ورشقات رصاص. صافرات حرس ليلي, تجمعات جنود  وقطعات عسكرية كلها كانت تقترب من الجرف .

 موجة اثر موجة

موجة اثر موجة

( جثث القتلى والجرحى تسري منتفخة فوق المياه..اجزاء بشرية مقطعة أو مبتورة أو متعفنة. بقايا اثاث مجروقة ورماد ملابس وافرشة اشتعلت فيها النيران).

 جابت الشاطئ مجاميع كبيرة من الجنود والحرس وفتشوا المكان بعيونهم وفوهات بنادقهم لكنهم لم يعثروا على شئ.

كان الجريح البغدادي قد نزف كل دمه وفقد الأمل. تأمل المجموعة السحرية التى امامه ’ اغمض  عينيه  وبكل ما تبقى فيه من قوة, رفع يده , وكانما بحركة تحد اراد بها ان يغير كل شئ, عبث برموز وطلاسم النبؤة النهرية, ثم سكن وقد تخلص من لألم.

انزلقت الجثة بكاملها الى المياه. وهبطت الموجة الأخيرة ’ لتغسل عن الشاطئ, تلك التجربة القصيرة المثيرة وتغطيها بالزبد. انسحبت الجثة مع المياه , وهبطت ببطء, ببطء شديد مع أحشاء النهر , الأصداف والأحجار واستقرت في اعماق النهر الذي سرعان ما اشرقت فوقه شمس كبيرة من مكان ما.

 

 

 

الشبيه

 

 

 انحنت العجوز المسربلة بالسواد, واخذت تجمع قطع الصحن المتناثرة, الذي تحطم عفوا  قبل لحظات. كانت تمسح الغبار عن المواعين والقواري في الدولاب الزجاجي ذي المرايا, حين تعثرت يدها بذلك الصحن الثمين القديم, والذي توسطه رسم باللون الأزرق البارز, لشخص ما.

ارتعشت اصابعها فوق المنديل الكبير, وهى تجمع  القطع المتناثرة, ومن عينيها لاح شئ أشبه بالدموع. لكن ملامح الوجه ابت ان تتجمع الى بعضها.

دخل مصلح (الفرفوري) الساحة حاملا معه كيس الجوخ, وعجلته الدوارة, ووجهه وسره الكبير. كان في الخمسين من العمر,  وكانت هيئته, تدعو الى الريبة كما لو ان الرجل تنكر بتلك الحلة لغاية ما. كان فيه لطف لا يناسب صنعته. وتوقف عند طرف الساحة, قريبا من تخوت مقهى مكشوفة, يراقب بعينين نصف مهمومتين الحركة, وردود افعال الناس تجاهه.

أبو جواد, صاحب المقهي, تمتم مع نفسه: أي وجه غريب يملك ذلك الرجل, انه يذكرنى بشخص ما! ثم كما لوخطرت للجميع الفكرة نفسها وفي وقت واحد, نظر رواد المقهي, في عيون بعضهم البعض, وكانهم لا يصدقون ما يرون! تجمهر اشخاص في شرفات حول الساحة, فتحت نوافذ  ثم اغلقت. فتحت ابوب وانسل منها شيوخ وعجائز صبيان تمشوا في الساحة, وتلكاوا هنا وهناك ثم عادوا السير, تجمعت نساء قليلات, وفي أيديهن اوان  محطمة وساكين ومقاص وفؤوس, وجلسن على الأ رض, واخذن يثرثرن  باصوات خفيضة, وأيديهن تتحرك بانفعال تحت فوطهن  السوداء.

 تشمم أعمي بدين متفرد في أحد تخوت  المقهي, الهواء ثم تشمم يديه وعصاه, وزفر متأوها: يا الهي ..  هل هذا معقول!

كان مصلح الفرفرفوري الذي ترك حذاءه علي الأرض, ودفع العجلة الدوارة,  يعمل بجد من دون ان يرفع راسه، مما دعى الأخرين الى التقرب منه, اكثر  واكثر.

وتجرأت عجوز  داكنة السمرة, محنية الظهر, على الوشوشة في اذنه, وهي تنقده اجرته, فظهرت على وجهه   ابتسامة  عريضة, فبدا الشبه الآن عجيبا,  بل غير معقول. وتفوه صاحب سبحة (يسر)  طويلة, كان يطقطق خرزاتها بانفعال, ويلمض بلسانه ماسحا شفتيه, انه هو.. انه هو دون شك!

كان الناس قد  تجمهروا على شكل حلقة كبيرة حول مصلح الفرفوري, مماجعله يحس بالأرتباك  والضيق, فجمع ادواته  في كيس  الجوخ, وعلق عجلته بكتفه تماما كما جاء, ومن الجهة نفسها, سار تشيعه العيون, حتى اختفى تماما.
تقلب الناس في اسرتهم الصيفية فوق السطوح  تلك الليلة ولم يناموا . كانت عيونهم المسهدة قد تعلقت بتلك الصورة الغريبة المرسومة على القمر, فبلبلتهم الأفكار والأمنيات..

وضعت العجوز المسربلة بالسواد, الصحن الذي اعاد ه مصلح الفرفوري الى الحياة. في مكانه بين صحون الخزف الصيني القديمة المتربة.. فتوضحت ملامح الوجه المرسوم باللون الأ زرق  البارز  وسط الصحن, عكست المرأة الجانبية للدولاب, السدارة والابتسامة العريضة, بل كل وجه الزعيم.

 

 

 

الجواد

 

 

 

الى رياض

 

استطاع بأعجوبة ان يهرب, ان يعدوا بكل ما في جسده من قوة. وبما انه عبرجبالا وصحارى.  سهولا ووديان. قطع انهارا ومحيطات, فقد اطلّ علينا بتلك الهيئة  التي  لا يجد امامها ايّ أنسان آمن الا ان يصرخ من الرعب.

لقد هرب من الموت, تسلل من الجحيم بأعجوبة, كانت عيناه جاحظتين بارزتين وشعره تلون بلون ا لطين والقار والدخان, وعلى وجهه ارتسمت معالم وتضاريس الأرضي التى عبرها,  والأمطار والأعاصير. كانت انفاسه قد تقطعت. وكان فمه الذي غدا كفجوة جافة, يتلعثم بكلمات متنافرة غامضة, تترك انطباعا واحدا, هو ان ذلك الشاب ا لمسكين كان يرتعش من الخوف.

كنا نحتل, انا واصدقائي الثلاثة غرفة صغيرة, غرفة من أظلم غرف الأرض وارطبها. وكان من ا لطبيعىجدا ان نفسح لذلك المخلوق المرتعش مكانا على الأرض لينام فيه, وشاطرناه طعامنا.  وكنا طوال يام عديدة, وكلما جمّعنا المقاطع الى بعضها, نعرف با لتخمين ولكن دون يقين, ان الهارب من احشاء الجحيم هذا يدعى جواد. اما وثائقه الصفراء الممزقة والتي ضاعت وامحلت فيها الكلمات, فلم تكن لتنفعنا او تساعدنا في الكشف عن اية معلومات جديدة, سوى انه كان من اصل عراقي ! لم نكن نعرف بالتحديد من اين هو,  من الريف ام من المدينة؟ من الجنوب  ام من  الشمال؟ غير ان ذلك لم يكن يهمنا على الأطلاق, لأننا كنا نري فيه صورتنا الحقيقية.. انعكاسا صادقا دون رتوش لضمائرنا القلقة وارواحنا المرهقة بالأشباح والموتي والظنون. فاذا كنا نستيقظ اثر كابوس صارخين في الضلام, كنا نجده قبلنا, يقظا بعينيه الجاحظتين وشعره الطيني هناك , متشنجا متلفتا الى الزوايا وموشكا على الأختناق. فكوابيسنا كانت كوابيس نوم, اما كابوسه ففي اليقظة ودائم ومستمر. وكنا نرعاه وننتبعه, نحرسه ونمرضه كاخ حقيقي.

احيانا,  وفي اوقات متباعدة , كنا نحصل على عمل, ايّ عمل, وكنا نقدم خدماتنا كمجموعة : صبغ دور, توزيع اعلانات, تنظيف..الخ. نجمع ونقتات على ما نحصل عليه  ببطء شديد وبحرص, دون التفكير بالكماليات او بأي سفاسف اخرى, مشكلين عائلة فقيرة حقيقية, كومونة صغيرة بمعنى الكلمة. فكرنا ذات يوم اصطحاب جواد معنا, علّ جو العمل يعيده للمحسوسات وينسيه خوفه. غير اننا لم نصل باب العمارة, حتى اعترضنا المدير المسؤل  ويديه عند خاصرته! لقد البسناه ملابس نظيفة, لكن شعره بقى اشعثا خشنا متناثرا في الهواء, على الرغم من اننا غسلناه بالماء والصابون, وسكبنا فوقه وعالجناه بكمية كبيرة من الدهون! عدنا ادراجنا وتركناه في الغرفة وقررننا عدم اصطحابه ابدا.

***

مرت ستة شهور, انقطع جواد خلالها عن تناول الطعام بشكل منظم, وكان يبدو اكثر تأزما من أيّ وقت مضى, صامتا متطلعا الى المصباح , ومشيرا بعينيه  واصابعه دائما الى الزوايا: مخلوقات عجيبة وهوام غير مرئية تحاصره فيبدأ الصراخ. وكنا نكمم فمه بايدينا, غير انه كان يعضنا  ويفلت منا. حتى  فوجئنا بصاحبة العمارة, وهي امرأة عجوز زنخة قذرة بكل ما في الكلمة من معنى عند باب الغرفة, وهددت بطردنا أذا ما  بدأنا خصامات جديدة. اقسمنا لها بعدم وجود شجار, وان تلك الصيحات التي سمعها الجميع ما هي الا صرخات الم صديقنا المريض. لكنها حذرت بقبضها من  جديد , وبصقت على الأرض.

قررنا اخذه الىطبيب, وبما اننا لم نكن نملك أىّ نوع من الضمانات الطبية. فقد اكتفينا بالحبوب المهدئة, نسحقها له مع الشاى والطعام. وجدنا ذات مساء, وقد تركناه في الغرفة بمصاحبة مسجل واغان عراقية, باب  الغرفة مفتوحا, والقفل منتزعا, وجواد غائبا.

 لقد هرب جواد .. اختفى, عدا باقدام من ريح.

***

لا اعرف فكرة من كانت تلك؟ غير ان احدنا توقع على ما يبدو مثل هذه الخاتمة. كتبنا عنواننا ووضعناه في جيب جلدي صغير, وعلقناه بسلسلة في عنقه, كما تعلق الأجراس باعناق الجياد الأصيلة. وبما اننا لم نكن نملك هاتفا, لذا فأن رسلة من احدى الدوائر الرسمية وصلتنا وطيها ما يلي :  وجدنا هذا العنوان بصحبة مجهول الهوية , فرجاؤنا من ايّ شخص له معرفة او علاقة بالمتوفي, الأتصال على العنوان التالي. و بنهاية الورقة العنوان’ اما التارخ فيعود  لأسبوع مضى.

لقد مات جواد.. توقف عن العدو!  غير ان حضوره غير المرئي, لازمنا لشهور بعد ذلك , كان ظله الغامض, يقترب منا, نسمع حفيف خطاه, دوراته الخرساء في الغرفة, ثم صرخته الموحشة المفاجئة,  يتردد صداها طويلا طويلا قبل ان تتلاشى مع ضوضاء الضلام.

احتفظ بجواد بعد التشريح, في ثلاجة مدة ثلاثة ايام. وفي مثل هذه الحالات, واذا لم يتقدم احد, فأن الجثة تعاد الى المختبر حيث تنتظرها المشارط والمباضع. تجرى عليها اختبارات وتحليلات, تقطع ثم يعاد تقطيعها اسوة بجثث مجهولي الهوية الأخرى. تبقى شهور وحتى اعوام, حتي اذا ما تم جمع  اكبر كمية من المخلفات والنفايات, توضع في اكياس صفراء, وتدفن في قبر جماعي. وعند الحفرة يرسم قس عجول اشارة الصليب.  اعيدت الجثة الينا اخيرا, وقام ( السيد)  العراقي الذي هب لمساعدتنا وتعهد بنفقات الدفن, على اعادة غسله وتكفينه. وسط الغرفة وعلى منضدة الطعام الطويلة المتاكلة الطلاء, وامام اعيننا غسل ذلك الجسد, عطر  بالمسك وماء الورد, ووضعت بين اسنانه اعشاب لها شذى غريب.

كانت المقبرة بعيدة وكان الثلج  قد بدأ يتساقط. كانت مقبرة واسعة باردة, بل غابة موحشة, مكتضة باشجار الصنوبر العملاقة الباسقة, ولقد قسّمت الي مقاطعات, وكنا نتوغل عميقا عميقا بين الصلبان ونجمات داود, حتى وصلنا الى مرتفعات جرداء , كان المغتربون المسلمون يدفنون فيها موتاهم. قال السيد: قليل من التراب .. التراب فوق ا لميت محبب.

كان الطقس باردا, وكان جواد هادءا, نضيفا, متلفعا ببياض كفنه, لا يظهر منه غير وجهه العراقي.

اتفقنا عندما انفصلنا بعد ذلك بعام, ان نبقى على اتصال ببعضنا.. فلو مات احدنا فسيتكفل الباقون بدفنه. علنا ومثل جواد وبعد ان نتحول الى محض ظلال, ظلال لا يراها احد, ولا تخاف  احد, نعود ولكن احررا هذه المرة.

 

الأنين

ينبثق الصوت  مثل طرطشة امواج ضعيفة فوق ساحل صخري منعزل.. وريدا رويدا تطبق صافرة ريح بعيدة, وتفتح الأمواج كل حنجرتها, وتقسو الصخور, وتتهشم الأمواج بضربات عالية, تزداد حدة وسرعة مع نبضات قلبه. ينظر حوله.. ليس هناك من مهرب. يدخل اصبعه في اذنيه, ويحشر حنكه بين ركبتيه. تنفجر العاصفة فوقه,  يحس  بالريح تطوق مساماته... ثم يهدء كل شيء ..

لحظة صمت.

اصبع ما يتحرك بين الأرض والسماء.

الشفق الأزوردي.

الأشارة السرية, ثم يبتدئ العالم بالولادة:

الأصوات الأولى للطبيعة’ صيحة ديك, انبثاق نبتة من الأرض, خفقة جناحي طائر يحلق للمرة الأولى. خطوات انسان اوحيوان. انجراف مياه. تختلط الأصوات كلها من جديد, خفيفة ولكن مسموعة, بايقاع واحد مظطرب متداخل قوي, ولكن غير مفهوم, ثم تقفز من الوشوشة الغامضة صيحة او صوت ناتئ لتكسر جذع, كلمة عالية, صرخة, آهة, تمتمة, صفير, زئير.. قطرة مسموعة في بئر يعقبها آنين طويل لنفس واحد. قوي جدا, متألم, يشق اذنيه ويرعب عقله.

***

لم يكن هو مؤمنا بالخرافة, غير انه غيّر غرفته. كان الصوت ياتيه حينما يدخل فراشه, ويتذكر انه قضى يوما رتيبا شاقا, وان جسده يستسلم الآن للراحة ولعذوبة بخار الحمام الساخن الذي اخذه قبل لحظات.. سمع الصوت فجأة هكذا وبلا مناسبة او سابق انذار. فنهض من سريره, وطاف في  الغرفةوضرب علىالجدران. مفتشا عن  سبب لكل هذه الجلبة الغامضة ( لابد ان هناك عطبا خطيرا  في احدى المواسير). فكر بادئ الأمر, ثم تخلىعن الفكرة حالما تلاشى الصوت. لقد امضى في هذه الغرفة اكثر من اربعة اعوام,  ولم يعهدله ان سمع شيئا كهذا.. لابد انه التعب والأعياء, غير ان الصوت عاد في الليلة الثانية, في اللحظة نفسهاالتى اغمض فيها عينيه محاولا النوم.

الصوت حقيقي وواضح, انه لايحلم. فتح النافذة فرشقته ريح باردة من طرقات خالية, عاد ووضع اذنه على الجدار( لابد ان شخصا ما قد فتح ورشة صغيرة في احدى الغرف الأرضية! كيف يمكن لاحد ان يقلق نوم الأخرين المتعبين والمرضى على هذا النحو!) . انصت بشكل اعمق.. انها ضجة من نوع اخر, كما لو ان الريح  قد وجدت لها منفدا او نفقا فيها. بل ان االصوت اكثر تعقيدا وتشعبا من ذلك. اصوات وانفاس انسانية غامضة. عاد من جديد الى فراشه , اطبق جفنيه, ووضع حشوتين من القطن في اذنيه وحاول ان ينام. كانت الوشوشة تتحول رويدا رويدا, وبشكل لا يقبل الخطأ الى انين.

***

يخترق الأنين سداد اذنيه, بل ينبع من داخل الحشوة, بل من اذنيه نفسيهما من جسمه, من اطراف اصابعه. انه يسمع حركة مفاصله, قرقرة معدته, نبض قلبه, سريان الدم في اوردته, صمماته الضاربة, الحركة المشحونة داخله, شئ لا ينقطع ولا يمكن تجنبه. انها ضوضاؤه هو. ابعد حشوتي اذنيه بحركة عصبية. فأبتعد الصوت وانسحب الى الجدران من جديد.. كلا.. ان تلك الأصوات لها قدرة غريبة للتحول والوصول اليه. وفكر بالذبذبات غير لمسموعة, غير ان الصوت لم ينقطع. بل اصبح اكثر وضوحا وقوة هذه المرة.. ياتي من ناحية واحدة, من ساعته المنضدية الموقوتة قرب السرير. دق قلبه بعنف, وكان الصوت قد تحول تلك اللحظة بشكل نهائي الى مخلوق شرير. ضغط على الساعة التي ترن  معلنة السابعة صباحا فتوقف صوت المنبه, وتوقف معه الأنين فجأة, ياله من كابوس! ذهب الى المغسلة وفي المرآة الصغيرة , اكتشف وجها لم يعرفه.. كانت بشرة وجهه قد تجعدت واصفرت, وتلون جفناه بلون يشبه لون السخام, وتبعثر شعره الدهني في كل مكان. غسل وجهه بماء ساخن, وضرب وجنتيه بيده عده مرات, كي يعيد الدم واليقظة الى رأسه.

ابتلع جرعات ساخنة من القهوة دون ان تكون له شهية للأفطار. وجد احد مستخدمي الفندق في الطابق الأرضيّ. وبكلمات سريعة غير مبالية شرح له مشكلة المواسير المحطمة داخل الجدران والأصوات التى تقلقه ليلا. غير ان مخاوفه كلها كانت قدتبخرت مع اضواء الصباح ومع الوجه البليد غير المكترث للعامل الذي لم يفقه منه شيئا على اية حال.

***

 عند خروجه من العمل, وجد نفسه ينعطف ويختار من بين المجلات الكثيرة المعروضة في كشك الصحف , مجلة طبية متخصصة. وفي الساعات التالية, في المطعم الصغير, وفي المقهى التى يقابل فيها بعض المعارف. عكف على قراءة  المقالات التي تتحدث عن الأمراض العقلية, صور باهرة التلوين لأجزاء من الجسم منتزعة ومشرحة بكل الألوان: القلب الأحمر القاتم وعروقه السوداء, الوان الدماغ, الخلايا والأوردة  والفصوص والغدد والأفرازات.. البنكرياس, القولون, العضام المحطمة, الخلايا الشوكية, المكروبات المكبرة, البكتريا, الغدد اللمفاوية.. السائل المنوي.. ترك المجلة على طاولة المقهى, وخرج, وحرارة محرقة تطوق حنجرته.

في غرفته, وقد آب مبكرا, اكتشف انه احتفظ بمجموعة من الصحف والمجلات والمنشورات الدورية التي تصله مجانا في البريد.. صور جديدة لجثث وقتلى وجنود وحرائق ونيران وحروب. مقالات عن معارك, انتصارات. عناوين بارزة عن مجازر انسانية, كوارث طبيعية, ارقام محددة لموتى, كتل هائلة من اجسام بشرية متراكمة فوق بعضها او مصفوفة بنسق واحد. وجوه مشوهة, عيون جاحظة. افواه مفغورة, رعب اخر اللحظات, وصرخة الموت التي دفنت والى الأبد  في الحناجر. تذكر انه سأل احد ساكني الغرفة المجاورة عن الصوت غير ان ذلك نفض كتفيه وغادر الرواق بعجل.

انها مشكلته وحده اذن.. ان الصوت في غرفته وحدها. وحينما سمع الصوت.. الوشوشة.. الأنين. اطبق جفنيه مؤمنا ان ليس هناك من وسيلة لأيقافه. غير انه لم ينم وبقيت عيناه معلقتين بشمسية صغيرة متدلية من سقف الغرفة. كانت لطخات الأقذار تتخذ شكلا: عينين, وجها بشريا, انفا وفما مفغورا. وكان الأنين ياتي من تلك الفتحة, من ذلك الفم.

هذه  ثالث غرفة يغيرها خلال اسبوع. حينما انسل الى السرير تحت الشرشف ا لبارد انسل اليه, وبنفس  درجة التوتر الدفين , ذلك الصوت, من لا مكان, بالدرجة التي ايقن فيها بوجود خلل ما, بوجود مخلوق ما ـ ان صح استسلامه اليائس للوهم ـ يطارده ويدفع بموجات الأنين الى اذنيه, بشفرات حلاقة الى اوصاله جميعا.  هل يقفز من الفراش ويضرب الهواء بقبضته صائحا: انت. فيتوقف الأنين. هل يحيل تلك الوسوسة الشيطانية الى حوار: لماذا لا تحدث نتخاطب. مخلوق لمخلوق. نتفاهم وننفض ايدينا من كل هذا لبؤس. انني اعرف اقدار الناس وقدري الشخصي . اعرف انني ساموت يوما بالتفاتة استثنائية من الأقدار ولكن. توقف الانين فجأة. هل يقول شكرا؟  لم يكترث كثيرا, فأن موجة من العبث والسخرية من النفس طوته بعيدا, وهو ينحشر بين الأغطية , في بحر نوم عميق وثقيل. ولكن قبل ان يرن صوت المنبه في غرفته خيل له انه سمع الانين من جديد.

جمع مجلاتا وصحفا وكتبا اخرى.. عن ماذا كان يبحث؟ لم يكن يعرف بالتحديد, غير انه كان يعتقد على نحو ما, غامض تماما, ان سرالصوت  يكمن هناك. فكرة من الأفكار الطائشة معلقة في احدى الصحف او الاعمدة غير ا لمثيرة.

انها فكرة ما, حدث, او اعداد واحصائيات, تنبثق منها الأشارة او التلويحة التي تجعله يكتشف ا لسر. عاد بعد ان زار طبيبا متخصصا بالأمرض النفسية والعقلية الى غرفته والى سريره, والى الانين الذي لا يكف عن ملاحقته. ادعى الطبيب ان لاسبب للخوف والريبة, فهو مجهد لقلة النوم فقط.!

 توقف عند النافذة, كانت الساعة تشير الى الواحدة بعد منتصف الليل. حدق في مربع الظلام الذي هو المدينة كلها بوميضها واضوائها الخافتة المنعزلة. كان الأنين قد جعل يديه ترتعش . سدد انبوبة مسدس اسود قديم مزيت بعناية وبعيار كبير  كاف ليوقف حياته دون خطأ. وحين مس َ الحديد والفتحة الباردة عرق صدغه النابض . انقطع الصوت وحل محله صوت طويل مكبوت, وكان يسمع حشرجة رئتيه وانفاسه. كانت اصابعه تتحسس  النتوء السفلي من الحديد الذي غدا ثقيلا في يده. غير انه لم يكن قادرا على الحركة  او تغيير موضعه.. مشلولا تماما, وكأنما منذ ساعات, شهور, قرون.

كان الصمت يختنق, يبتدئ, يتوحد, ورويدا رويدا, تاتي  الريح.. الريح البعيدة المذهلة. تنبثق من شعب وثقوب مجهولة المكان,  تندفع وكأنما من  الماضي, مختطفة معها ذرات رمل, قطرات دمع, ابتسامات, وجوها, افواها, شفاها.. معالم مقبرة كاملة, متخلفة ومنسية في مكان ما في رأسه. تندفع الريح عبر ماسورة المسدس, تدخل نهاية الأسطوانة السوداء, وتقطع المسافة بين الأصبع المرتعشة, والأذن التى كان ينبض خلفها عصب قوي. يتحرك الأصبع, ينكشف السر, ينقطع الأنين, وينتهي المشهد.