|
حميد
العقابي
(*) بمناسبة
الذكرى الأولى لسقوط النظام العراقي،
أنشر هنا الفصل الأول من رواية كتبت خلال
هذه السنة بعنوان ( أقتفي أثري ... )
أخيراً
سمحتْ
لنا الظروف الجديدة بالعودة إلى الوطن،
ففي لحظة سقوط التمثال كان كلّ منا يفكر
بطريقٍ توصله إلى هناك، بل إن بعضنا قد
شدّ رحاله منذ تلك اللحظة دونما تفكير بما
ستأتي به الأيام، وفي أيام قليلة بعد ذلك
اليوم أصبحت العودة إلى البلاد حقيقة بعد
أن كانت مجرد فكرة لا تتحقق إلا في كابوس
يستيقظ بعده الرائي وهو يحمد الله أنه
بعيد عن الوطن حتى أصبح الوطن مكاناً
شاغراً في نشيد يردده لاوعيّ جريح وأغنية
محبطة تثير الشجن أو حنيناً يستحلب قصيدة
من ضرع ذاوٍ.
"
نعود معاً "
كلما
التقيت بصديق يقترح عليك أن يرافقك أو
ترافقه في طريق العودة، وهكذا أصبح عددنا
نحن مجموعة المغتربين الذين قررنا أن
نعود معاً من كل جهات الأرض يشكّل قافلة
كبيرة. هل كان
ذلك بدافعٍ غريزي كما هو حال الطيور
المهاجرة ؟ أم أن الخوف من شيء غامض هو الذي دفعنا إلى
هذهِ الإلفة المصطنعة ؟ فحتى الأمس
القريب كان أحدنا لا يطيق الجلوس إلى
الآخر ساعةً وكل منا كان مشغولاً بهمومه
الشخصية وأحزانه وربما بمغامراته
الدونكيشوتية. كيف أمطرَ إذاً هذا الصحو
ودّاً ؟ كانت لعبة نردٍ يبدؤها صديقان
للتسلية أو قتل الفراغ تنتهي بمعركة تسيل
فيها دماء وتكسر أنوف، عاهرة قبيحة
يلفظها الشارع تكون سبباً في عراك أخوة،
جدل سياسي عقيم يولِد أحقاداً بين صديقين.
هل
كانت لحظةُ سقوط التمثال تعزيماً فتح
أبواباً نحو سماء كان أحدنا لا يفكر أن
يرفع رأسه نحوها ؟ هل كنّا ونحن نشاهد
المشهد على شاشات التلفزيون نتطهر من
أحقادنا التي اندلقت من قربة نفوسنا
وسالت إلى مجاري تصريف الأدران ؟
لم
يتجرأ أحد منا على البوح أو حتى التلميح
بهذا الخوف كأننا متواطئون على الصمت، ثم
جاءت أخبار الفوضى التي عمتّ البلاد بعد
زوال النظام القديم وقطاع الطرق الذين
أتاحتْ لهم ظروف الفوضى وغياب الأمن أن
يخرجوا بجرأةٍ من مخابئهم فوجدنا ذلك
مبرراً لخوفنا الغامض والمتكلس في نفوس
أذاقها الوطن والمنفى مرارة أنستها طعم
الحياة.
اقترح
أحدنا أن نلقي نظرةً أخيرة في طريق عودتنا
على الأماكن التي تركتْ آثارها في
أرواحنا، فمررنا بمدنٍ ودخلنا حدائق
وحانات، عبرنا جسوراً وزرنا مستشفيات
وسجوناً ومقابر. حاول البعض أن يبوح بكرهه
لتلك الأماكن مُعبّراً عن فرحه بالعودة
وهو يقسم بأغلظ الأيمان بأنه لن يغادر
أرضه مرة أخرى حتى لو كلفهُ ذلك حياته
وحياة أطفاله، لكنه لم يكن واثقاً من
كلامه هذا فقد رأيت في عينيه وعيون رفاق
رحلتي ما شعرتُ به تلك اللحظات حيث أني
كنتُ أشعر بحميميةٍ وحب لكل حجرٍ مررت به
على هذهِ الأرض الشاسعة حتى المقابر بدت
لي وديعة والسجون رحيمة، كان الحزن
لفراقها كفاً تخنقني وأنا أودع كلّ هذا
الجمال، هل كان الجمال يقيم جنبي ويسير
معي واستيقظ على صوته كل صباح كأغنيةٍ
عذبة وأراقصه في نشوتي امرأةً فاتنة وحينما أغفو أسمع
صوته كتنويمة أمّ وأشعر به يداً تهدهدني وتداعب بقايا شعري
الأبيض، أكلّ هذا الجمال كان هنا ولم أكن
شاعراً به ؟ أم أنه هبط في غفلةٍ مني ؟
نافذة
تطلّ على غابة وأطفال يلعبون عند بوابة
البناية وأنا أجلس أتأملُ المشهد منتظراً
قدوم ساعي البريد برسائل أنتظرها بشغف،
رسائل أغلبها لا يحمل أخباراً سارة، يأتي
ساعي البريد، أهرع إلى باب شقتي منتظراً
الرسالة التي ستنزلق من فتحة البريد،
يتوقف، فتتوقف دقات قلبي لكنه يجتاز باب
شقتي، أسمع وقع أقدامه تصعد السلالم إلى
الطابق الأعلى، ربما سيعود مرة أخرى،
ربما نسي الرسالة في حقيبته، سيتذكرها
ويعود، يخرج من بوابة العمارة وأسمع صوت
دراجته البخارية تشخط الأرض، لكني أبقى
عند النافذة منتظراً قدوم ساعي البريد،
واقفاً مثل تمثال شمعٍ يلوذ بالجليد،
الثلج يهطل، الأشجار عارية، الشوارع
فارغة والوحدة تعوي في الرأس والهواجس
بنات آوى يغرزن أنيابهن في خشب الباب،
أخرج للشارع ... كل يومٍ بوجهٍ جديد، مرةً
بلحيةٍ كثّةٍ وهيئةٍ رثّةٍ ومرةً أخرج
أنيقاً، لكنني وكلما مررت في طريقٍ
يعرفني المقيمُ وابن السبيل ، فغربتي
دليلٌ وعلامة فارقة، وليس من قناع يصلح لي.
صباحاً أول ما تستيقظ آلامي وشبقٌ
منتعظٌ، أتلمسُ جسدي عضواً عضواً... ها أنا
أحيا ثانيةً، وكما أتفحصُ أعضائي أتفحص
ذاكرتي وأهشّ على ذباب الأوهام بكتاب
العمر، في آخر ساعات الليل آخر ما تغفو
آلامي والشبق المنتعظُ ، أتلمس جسدي
ُثانيةً، ها إني مازلت حياً، أندم .. أندم
.. لكن، لا أتعظُ ، في غرفتي المظلمة أطلقُ
صعّاداتٍ من نار الوهم تضيء الليل، فأضحك
.. أضحك مثل طفل وأنا أرى النار تحرقني.
انتهت سنةٌ ومفكرتي السنوية تخلو من
قصيدةٍ أو خاطرة أو فكرةٍ أو موعدٍ، لم
يلد أحدٌ ولم يمتْ أحدٌ، لم يزرني أحدٌ
وما زرتُ أحداً ... مفكرتي خالية إلا من
عشرةِ مواعيد مع طبيب الأسنان، فمي الذي
لم يذق قبلة واحدة قد خسر عشرةَ أضراس.
ولكن
لماذا أشعر الآن بأن كل شيء كان جميلاً ؟
... هكذا فجأة اكتشفَ
بعضنا أن هناك أموراً كثيرة عليه تصفيتها
قبل العودة، حتى الذي كان عاطلاً عن العمل
اكتشف أن له عملاً يجب إنجازه ومهماتٍ يجب
إتمامها، البيت، العائلة، الأطفال
ومدارسهم وهل بإمكانهم تحمل حرارة الطقس
والتلوث البيئي الذي انتشر في البلد من
جراء الأسلحة التي استخدمت في الحروب ؟
"
لتكن سفرة اكتشاف أولاً "
"
سنترك عوائلنا هنا ونعود وبعدها سنقرر
العودة جميعاً إلى الوطن الحبيب "
هكذا
وجد البعض حلاً لهذه اللاقناعة لذا فقد
كانت قافلتنا تضم رجالاً وبضع نساء امتصت
الغربة شبابهن فلم يبق منهن سوى ذكرى
أنوثة، نساء وحيدات، عوانس، مطلقات،
أرامل، ركاماً، هشيماً، كتلاً سوداء
خاوية تقذفها ريح صفراء فيتلاشى أنينها
مع صفير العواصف الرملية فلم يبق من دليل
على آدميتها سوى الحزن اللامع في العيون.
كانت
حانة ( مفترق الطرق ) أول قلاعِ الغربة
وآخرها للعائد ولنا فيها ذكريات لا تنسى.
"
ربما التقينا بنادلةِ الحانة مرةً أخرى
واغترفنا من حكمتها قبساً ينير طريقَ
عودتنا "
قال
رفيق ٌ فأضاف آخر ضاحكاً ليموّهَ الشكّ
والتردد وليبدو أمامنا واثقاً من نفسه :
"
وربما وجدنا السيد جلجامش وسمعنا منه
حكاية العشبةِ والأفعى "
ضحك
الرفاق بل بالغ البعض بإطالة ضحكته
الفاضحة للخوف والتردد الذي ارتسم بجرأة
على وجوههم حينما قلتُ دون أن أرفعَ رأسي
عن الأرض :
"
وربما سيكون في الحانة القرار الأخير "
ساد صمتٌ ووجوم على
الوجوه التي غارت نظراتها كأنها تفتشُ عن
خاتمٍ ضائعٍ في الرمال ، شعرتُ بالندم
لثقل عبارتي على نفوس رفاقي التي كانت
طافحة بالأمل وإن كان أملاً محاصراً
بالحيرة والشك، ولكي أعيد إلى رفاقي بعض
تفاؤلهم قلت:
"
على كل حال إن الطريقَ إلى ايثاكا في كل
حين أجملُ من ايثاكا ، ولم تخدعنا فقد
منحتنا هذهِ الرحلة الجميلة كما يقول
كافافيس "
لم
تترك إشارتي أي انطباعٍ واضحٍ على الوجوه
التي لفّها ضبابٌ فشعرتُ وكأن الوقت غير
مناسب لمثل هذه التلميحات المبطنة
بالإحباط ، أو ربما كنتُ أنا نفسي أحاول
الهرب من صدق مشاعري الخائفة، غير
المقتنعة بالعودة لسببٍ أجهله.
قطعنا
الطريق إلى الحانة بصمتٍ كأننا سائرون في
حقل ألغام.
على
شفا الأرضِ
كنّا
نبتني حجراً
نطوفُ
حولهُ،
وهماً
قد سقيناهُ
بالأغنياتِ
لعلَّ
الحلمَ يُرجعنا
في
دربِ صدٍّ
مشينا
فيهِ فتيانا
( مقطع من
قصيدة كتبتها في طريق عودتي كي انشدها في
حضرة نادلةِ الحانة )
"
كل شيْ تغير "
عبارة
انطلقتْ من أفواهنا في لحظةٍ واحدة عندما
لاحت لنا ( أو هكذا تراءى لنا ) من بعيد
أنوار الحانة الوامضة بجنون وتناهى إلى
أسماعنا صوت الموسيقى الصاخبة، ونسينا
بأن السنوات الطويلة التي قضيناها في
المنفى كفيلة بتغيير كل شيء، ألم نتغير
نحن؟، بل إننا نسينا لحظتها بأننا كنا على
يقين من ذلك وقد وطنّا أنفسنا قبل انطلاق
رحلة عودتنا على تقبل الواقع حتى لو كان
مرّاً.
كل
شيء تغير.
لم
تعد الحانةُ ذلك القبو المنزوي ذا
النوافذ الصغيرة والتي ينبعثُ منها ضياء
يشبهُ هالاتٍ بنفسجيةً تحيط برأس ولي ،
حانة ( مفترق الطرق ) التي لا تقع على مفترق
طرقٍ كما يشي اسمها، بل يبدو أن اسمها ذو
مغزى عميق يلمسهُ من يرتادها ويتأكد
حينما يرى وجوه روادها وحين يرتشفُ
خمرتها ويسمعُ حديثَ نادلتها الجميلة
التي على الرغم من عريها ومفاتن جسدها
فأنها تشيعُ في نفوس روّاد الحانة عفّة
ونبلاً نادرين، ولأن الحانةَ تقعُ على
درب الصدّ فليس لها روّاد دائمون
والخارجُ منها لا يدخلها مرةً أخرى ولكن
سيحملها معه أينما يرحل، فمذاقُ خمرتها
يعطّر الأنفاس ويبقى لصيقَ اللسانِ
والذاكرة وكل خمرةٍ بعدها مرارةٌ ولغو،
ونادلة الحانة برقتها وحديثها الذي أخمن
بأنهُ حديثٌ متكرر، جديدٌ على سامعه
وحكمتها الخالدة التي لم يبطلها الزمان،
بل جسدها العابق برائحةِ أنثى بتول يجعل
صورتها عالقةً في الروحِ والجسد كصورةِ
الأم التي لا تقارن بامرأة أخرى.
الطريقُ
إلى الحانة ليست كما حسبنا، فعلى الرغم من
أن أنوارها الوامضة تبدو لصقَ عيوننا
وأغانيها الصاخبة نسمعها بوضوح إلا أن
الطريق كانت بعيدةً فها نحنُ قد قضينا
يوماً كاملاً ونحنُ نسيرُ باتجاهها ولم
نصل، حتى خطرَ في ظننا بأنها ليست حانة (
مفترق الطرق ) التي عرفناها وقال أحدنا :
"
إنها سرابُ حانةٍ "
فعلقَ
آخرُ :
"
بل حانةُ السراب "
همّ
شخص ثالث أن يقول شيئاً لكنه يبدو أنه قد
نسي ما يريد قوله أو ربما تدارك أمراً قبل
أن ينطق به ثُم أصر على صمته على الرغم من
إصغائنا إليه.
في
البدء كانت حانة ( مفترق الطرق ) مجرد فكرة
خطرت في ذهن أحدنا لكنها سرعان ما تم
التواطؤ بيننا على وجودها، ولم يسأل أحدٌ
منا عن حقيقة وجودها أو مكان وجودها، فلم
نكن جميعاً قد غادرنا الوطن من نقطةِ
حدودٍ واحدة أو من جهةٍ واحدة، بل إن
أغلبنا قد غادره من الجهة الشرقية أو
الشمالية وها نحن نعود إليه من الجهة
الغربية، فهل كانت ( مفترق الطرق ) حانةً
أم حانات، ولكن ـ وكما قلتُ ـ إنها فكرةٌ
تجسدتْ كالحقيقة في أذهان الراحلين،
ولأنها فكرة فقد تحولت بالوهم ومرور
الوقت إلى رمز وطقس، فصار الحج إليها
فريضة على العائد إلى الوطن كي تكتمل
دائرة المنفى.
انتفض
البعض كمن يستيقظ من نومه أو كمن يكتشف
أمراً بعد سوء تقدير :
"
وما شأننا بحانةِ مفترق الطرق ونادلتها ؟
"
فهبّ
آخر جافلاً بعد أن سمع كلمة ( حانة ) وراح
يلعن صحبته لنا مردداً :
"
استغفر الله، استغفر الله " .
ظهرتْ أولى بوادر
الانشقاق في صفنا ولولا حلول الظلام
والإعياء الذي بدا واضحاً على الوجوه
لربما تشتت جمعنا ولكن هذا لا يخفي الأمر
فقد ظهرت الفرقة بيننا واضحة أو بالأحرى
عدنا إلى ما كنا عليه وكأن ما حدث في الوطن
من تغييرات كبيرة والتجربة العميقة التي
خضنا غمارها والدرس البليغ الذي تعلمناه
في غربتنا غير كاف لكي يطهرنا من أحقادنا
التي توارثناها. افترشنا الأرضَ وأضرمنا
النار في الشوك والعاقول الذي جمعناه
وجلسنا نتأمل ألسنة اللهب وعيوننا تخترق
أفقاً يقع خلفنا، أفقاً لا نراه ليس بسبب
الظلام الذي حلّ في هذه الصحراء
المترامية بل لأنه فكرة غائمة الملامح،
رجراجة تسيح على الخاطر مثل الزئبق، وما
أن تحاول مسكها حتى تتسرب من بين الأصابع
تاركة قي الذاكرة ثقلها وملمسها الخشن.
ليس الإعياء وحده الذي جعلنا نغط بصمتٍ
قلقٍ بل ثقل السر الذي نحمله في أرواحنا
المتعبة فكان كل منا يداري ماردَ قلقهِ
بالصمت والعزلة.
هبتْ
نسائم صحراوية باردة من جهة البحر،
التصقنا ببعضنا فعادت إلفتنا التي غدت
كالمد والجزر، تكفل أحدنا بإحضار الشاي
الذي أعلن رفيقنا بأنها المرة الأخيرة
التي نشرب فيها شاي المنفى، فغداً سنشرب
شاي أهلنا المطعم بالهيل والمُخدّر على
الفحم، سنشربه عند أول نقطةٍ داخل الحدود.
بعد
أن شربنا الشاي دبّ فينا نشاط وفرح غريب
فانطلق البعض يتمطى طارداً عنه التعب
وراح الآخر يدندن بأغنيات قديمة وتفتحت
شهية الرفاق للكلام فَرُويَتْ قصصٌ ونكات
كأن كل منا كان يمرن ذاكرته لكي يفتح
خزائنها غداً ويروي حكايات سنوات الغربة
لأهله وأصدقائه الذين ينتظرونه حتى غدا
الكذب والمبالغة طريقة بريئة هدفها
التشويق، ولم يعترض أحد على الآخر وهما
يرويان الحدث نفسه بشكل مختلف فكل منا تفتحت قريحته على اجتراح
أساليب جديدة في القص. اقترح أحدنا ( وهو
يعبر عن نفاد صبره وحنينه الذي استيقظ
كماردٍ يتململ في قمقم الغربة ) أن نواصل
المسير :
"
كي نصل ساعة قبل "
فاعترض
آخر وكانت في نبرته مسحة من السخرية
وافتعال الصلابة في الموقف :
" قضينا دهراً في
الغربة ألا تصبر ليلة واحدة "
شعرتُ
بأنه غير متحمس للعودة، قال ذلك معللاً
نفسه بأن يفيق من الحلم ليجد نفسه ماشياً
في شوارع المدينة التي ألفها، كما كان
يحدث له طيلة عشرين عاماً مضت.
فجأة
هبط صمت مفاجئ وتجمد الكلام حينما لمعتْ عيون براقة
في الظلام، أحاطت بنا كدائرة من نقاط
ضوئية، وككمين يتهيأ للانقضاض علينا راحت
الدائرة تضيق نحونا، تحفز الرفاق وحمل
البعض منا أحجاراً هي كل ما نملكه من سلاح
في هذه الصحراء، العيون تقترب أكثر
وحينما انعكس ضوء اللهب عليها تبدت لنا
جيشاً من الذئاب التي أحكمت حصارها
حولنا، تضيق الدائرة شيئاً فشيئاً ونحن
نتمركز في منتصفها، النسوة اللواتي كان
أغلبهن متحجبات نسين خجلهن والتصقن
بأجسادنا وهن يرتعشن من الخوف، البعض
يردد ما قد حفظه من آيات وأدعية لطرد
الشر، صرخات مكتومة وقلوب تكاد تخرج من
صدور الرجال تدق بعنف، لكن الذئاب
وبحركةٍ منتظمة أقعت أمامنا بطاعةٍ ودعة .
كانت
عيونها المستريبة خالية من الشر، هكذا
شعرنا، أو ربما هذا ما كنا نتمناه بعد أن
أحكمت حصارها لنا ولا نملك حولاً ولا قوة
على ردها. وضعتْ رؤوسها بين قوائمها وغفتْ
برقة غريبة .
حميد العقابي
3/10/2003 ـ 6/2/2004
فايله / الدنمارك
|