|
هناك أكثر من سبب يجعلنا نعود إلى قصة
أندرسن ( ثياب الإمبراطور الجديدة ) لنكشفَ
أمراً أكثر أهمية من مسألة الفضيحة التي
كشفها طفلٌ بريء فعلى
الرغم من الشهرة الواسعة التي حازتها هذه
الحكاية إلا أن الكثيرين لا يعرفون بأن
الحكاية لا تنتهي
عند صرخة الطفل الذي أعلن فيها عريَ
الإمبراطور ( وذلك بسبب أن الكثيرين لم
يقرأوا هذهِ الحكاية على الرغم من شهرتها
وإنما تناقلوها شفاهيةً ) . الأمر الأشد
خطورة هو ما جاء بعد الفضيحة ، حيث أن
الإمبراطور على الرغم من سماعه ما تردد على
أفواه المتجمهرين الذين كانوا حتى قبل
لحظةٍ مبهورين بأناقةِ حلّتهِ وقد تسربَ
الشك إلى نفسهِ إلا أنه أكملَ المهرجان
عارياً وبثقةٍ ( صلف ) عالية جداً ، الثقة
التي أعادت الشكّ إلى النفوس ، ولا أعتقد أن
الحاشية وحدها ومن بينها الخدم الذين
أكملوا المسيرة وهم يحملون المسحل المفترض (
قطعة الثوب التي تشكل ذيلاً في حلّة
الإمبراطور ) ، بل لابد من أن هناك مَنْ عاد
إلى بيتهِ ، يلعنُ الطفلَ ( النزق ) ويكيل
المديح إلى حلّة الإمبراطور الجديدة .
أكثر من سببٍ يجعلنا نعود إلى هذه
الحكاية الخالدة ليس أكثرها خطورة أن
أباطرتنا جميعاً عراة وعنيدون لا يتخلون عن
وهمهم حتى تسقطهم القوة عراةً أذلاء ولكنهم
يظلون مدافعين عن عريهم حتى تأتيهم رصاصة
الرحمة ، فالجماهير هي الأخرى لها طاقة
غريبة على التغني بأناقة الإمبراطور العاري
وهم على استعدادٍ كامل لإعلان براءتهم من أي
طفلٍ يدفعه ( نزقه ) للتطاول على حشمة
الإمبراطور ( الجليل ) ،
وكم من مثقف على مرّ الأزمنة خاط بدجلهِ
ثياباً وهميةً لإمبراطورٍ عار .
ماذا يهمنا الآن من هذهِ الحكاية ؟
الواقع العراقي الآن ينطبق عليه
مدلول هذه الحكاية تماماً ، إمبراطور كُشف
عريه لكنه عنيد ، ولا أعني هنا الرئيس
العراقي المخلوع بل وجوده المجازي في
الواقع العراقي ، وجمهور فاقد للثقةِ معصوب
العيون ، ومثقف دجال يهيم عشقاً بنفسه حتى
وهو يرى وجهه على صفحة السراب .
وطالما بدأنا الحديث بقصة ثياب
الإمبراطور ، وطالما أن الشاعر فوزي كريم
يشاركنا تحرير هذا الموقع فهذا يذكرني الآن
بمقالته التي نشرها في بداية التسعينات
والتي على الرغم من أنها وجدت الكثير ممن
يتفق معها وإن كان بمستويات ودرجات متفاوتة
إلا أنها في المقابل أثارت نخوة البعض
فتنادوا لتشويه جوهر المقالة ولأنهم يحتلون بشكل
مريب أغلب الصفحات الثقافية في الصحف
والمجلات العربية ( والغريب هنا انضم إلى
دعاة الحداثة والطليعية هؤلاء نقاد عراقيون
كانوا ضمن دائرة إعلام النظام العراقي
المتخلف ) إنهم نجحوا بإعطاء انطباع للقارئ
غير المحصن عن مقالة فوزي بأنها ضد قصيدة
النثر أو كما عبر عنها أحدهم بأنها ( أفكار
غاربة ) كي يعيد إلى ذهن القارئ ( الواقع تحت
تأثير هوس المصلحات السياسية الخائبة ـ
تقدمي / رجعي ـ ) الصراع
الطبيعي والمستمر ما بين الجديد والقديم
جاعلاً من موقف فوزي الناقد لأوهام (
الطليعيين العرب ! ) شبيهاً بموقف عباس محمود
العقاد من قصيدة التفعيلة .
القارئ العربي والعراقي بشكل خاص ليس
بطيء الفهم وإنما يمتاز بطاقةٍ غريبةٍ على
سوء الظن ( لعبت السياسة دوراً كبيراً
بتشكيل شخصيتهِ المتشككة فكان ضحية
المؤامرات التي اعتاد عليها فغدت ـ
المؤامرة ـ فكرة
ذات سطوة كبيرة على تفكيره وسلوكه العام ) ،
من هنا تأتي صعوبة إقناعه حتى لو لم يكن خلف
الأكمة غير ظلّ لاستراحة المسافر .
هذا الأمر هو أول ما فكرت به حينما
طلب مني الأخوة في موقع ( الكاتب العراقي ) أن
أتولى الإشراف على زاوية ( نصوص ) التي تحولت
سريعاً ـ لوجود الناصر ـ إلى مجلة ( نصوص عراقية ) فنشرت بقصدٍ ستة نصوص
اخترتها من شعر أصدقائي تتوزع بأصنافها
الثلاثة ( العمودي ، وشعر التفعيلة ، وقصيدة
النثر ) بالتساوي على الرغم من أني واثق بأن
القصيدة العظيمة فاتنة بكل مواصفاتها
وعريها لا يشبه عري الإمبراطور بالتأكيد .
أغلب ما وصلني هو قصائد تفعيلة أغلبها تعنى
بالوطن على حساب الفن وتتسم بالبساطة
والوضوح السلبيين ( كيلا أقول السذاجة ) ، وهنا يُطرح سؤال :
لماذا هذا الفهم السريع الخاطئ ؟ هل السبب
يعود إلى طغيان فكرة الحزب الواحد على عقلية
المثقف العراقي ؟ أو تُرى أنني لم أستطعْ
إيصال الرسالة بشكلٍ واضحٍ وصحيح ؟ .
لذا أود هنا أن أؤكد تلافياً لسوء
الظن والفهم أن ( نصوص عراقية ) برلمان حرّ لا يؤمن
بغير الإبداع الإنساني ومشغول بقراءة
الحاضر ويؤمن بأن ليس من حق أحدٍ أن يدعي
احتكار المستقبل ، ويستقبل القصيدة ( الصعبة
) التي لا تشيع الوهم في القارئ ولا تسخر منه
بل النص المتأمل
الذي تأتي صعوبته من أنه مشغول بالغور في
الروح الإنسانية الهيفاء ، لا بلعبٍ ساذجٍ
على اللغة ينتج نصاً قد يكتبه مخبرٌ أو جلاد
أو في أفضل الأحوال تهويماتٍ ذهنية تحمّلُ
الشعرَ أكثرَ من طاقته .
وبخلاصةِ القول : إننا نسعى إلى النص
الحقيقي الذي يقول ولا يدّعي القول ، النص
المتواضع بامتلائه وليس الزاعق بخوائهِ .
حميد العقابي
( عودة
للبداية ) – (
عودة للفهرس )
|