العدد الأول ........... تشرين الأول 2003  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

                   الشــاهــدة الـقـديـمـة

 

  

للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسُن

 ترجمة : حميد العقابي                   

 

     في إحدى المدن الصغيرة وفي ليلة من ليالي آخـر الـصـيف حيث الطقس لايزال دافئاً ومنعشاً، جلست عائلة مزارع على شكل حلقة ، كان المصباح مضاءً والستائر مسدلةً على النافذة حيث أصص الزهر ، وفي الخارج كان القمر منيراً لكنهم ما كانوا يتحدثون عن الطقس وإنما عن صخرة كبيرة وقديمة ملقاة في الحقل قرب باب المطبخ حيث يعرضون عادة الأدوات النحاسي إلى الشمس وحيث الأطفال يلعبون .

     " نعـم " قال الرجل وأضاف " أعتقد أن هذه الصخرة هي شاهدة قبر وهي من بقايا الدير الذي هُدِم وبيعت محتوياته من منبر الوعظ حتى الشاهدات . لقد أشترى أبي بعضا منها لتكسيرها واستخدام أجزائها لترصيف الطريق وأعتقد أن هذه الصخرة هي من بقايا الشاهدات التي لم تستخدم وهي متروكة في الحقل منذ ذلك الحين ".

     " بسهولةٍ يستطيع المرءُ أن يرى أنها شاهدة قبر  " قال الولد الكبير وأضاف " لايزال بالإمكان رؤية نقش لـساعة رملية وجزء من ملاك على الشاهدة ، أما الكتابة فقد تلاشت تقريباً باستثناء اسم ( بريبـن ) وبعده حرف ( S ) كبير وتحـته بـمـسافة صغيرة يظهر اسم ( مارتا ) ولا شيء غير ذلك يمكن رؤيته . "

     " يا إلهــــي ... إنها شاهدة قبـر بريبـن سـفانــس وزوجتـه " قال رجل عجوز وهو كما يبدو واضحاً من عمره بأنه جـدّ العائلة . " نعم إن هذين الزوجين هما آخر من دُفـن في مقبرة الدير القديم ، كانا زوجين عجوزين محترمين ، أتذكرهما من أيام طفولتي ، كان الجميع يعرفهما ويكنّون لهما الحب ، كانوا يعتبرونهما كأسرة ملكية في هذه المدينة ، وكانوا يعتقدون بأن في حوزتهما دنّـا من الذهب ، وكانا يرتديان ملابس خشنة لكنها ناصعة البياض . كانا زوجين رائعين ، بريبـن ومـارتـا ، كانا حينما يجلسان على مصطبة مربوطة بأعلى درجة من سلم البيت ، تنشـر شجرة زيزفـون قديمة أغصانها مظللة إياهما برقة فيشعر المرء بسعادة لرؤيتهما ، ما وجد لهما نظير بحبهما للفقراء ، يطعمانهم ويكسوانهم ، كانا مخلصين لدينهما بحبهما للخير ومحبتهما للناس . ماتت الزوجة أولاً ، أتذكر ذلك اليوم جيداً آنذاك كنت صبياً صغيراً ذهبت مع أبي إلى بيت بريبن حيث كانت الميتة مسجّـاةً وكان بريبن يصرخ بهياجٍ مثل طفل ، كان جثمانها قد سُجّـي في غرفة النوم ليس بعيداً عن

مكان جلوسنا هذا ، لقد شكا بريبن لوالدي ولبعض الجيران ما سيعانيه من وحدة

بعد رحيل زوجته ، وكم كانت الراحلة كريمة طيلة السنوات التي عاشاها معاً ،  وكم عانا معاً لمعرفة بعضهما حتى اتحدا بحبهما . كنت آنذاك وكما ذكرت صبياً صغيراً ، كنت واقفاً أصغي إلى العجوز بذهول وأراه كيف يمتلئ حياة وتحمـرُّ وجنتاه وهو يتحدث عن يوم خطوبته وكم كانت خطيبته جميلة وكم من الحيل البريئة كان يرتكب لكي يحظى برؤيتها ، وحينما تحدث عن يوم زواجه كانت عيناه تشعان وكأنما قد عاد إليه ذلك اليوم فعلاً  ولكنها الآن ترقد بلا حراك في غرفة النوم  عجــوزاً ، وكذلك هو الآن عجوز ، يتحدث عن أيام سعادته ـــ . نعم نعم هكذا مضت الأعوام ، كنت طفلاً وها أنا اليوم عجوز مثل بريبن سلفانس  ، الوقت يمضي سريعاً والأحوال تتغير , أتذكر الآن جيدا يوم دفنها ، كان العجوز بريبن يمشي خلف الجنازة تماما . بعد سنتين على رحيل الزوجة وضعت الشاهدة على قبرها وبعدها بسنة واحدة رفعت الشاهدة ثانية وأنزل جثمان بريبن إلى جنب زوجته . ما كانا غنيين كما اعتقد الناس وتحدثوا عنهما آنذاك ، فحينما جاءت عائلتهما التي لم يعرف عنها شيء لم تجد سوى البيت والمصطبة المربوطة بأعلى درجة في السلم تحت شجرة الزيزفون . وبأمر من إدارة المدينة هدم البيت بسبب قدمه وكذلك هدم الدير وألغيت المقبرة ، وهكذا عرضت شاهدة قبر بريبن ومارتا كبقايا الدير والمقبرة للبيع وبالمصادفة وحدها سلمت الشاهدة من التكسير والاستخدام لرصف الطريق وها أنتم ترونها هنا في الحقل يلعب عليها الأطفال وتنشر عليها البنات ثياب الطبخ ، أما هذا الطريق فقد أُنشــئ هنا ماراً بمكان استراحتهما . لا أحـد يتذكرهما الآن . "

     حـرك الرجل العجوز الذي روى ذلك رأسه مردداً بأسىً " نُــسيا ... كل الأشياء ستُنـسـى  " .  ثم دار الحديث حول أمور أخرى ولكن الولد الأصغر وكان صبياً صغيراً ذا عينين صارمتين تسلل خلف ستارة النافذة ، ومن على كرسي أطل إلى الحقل حيث الصخرة الكبيرة ملقاة وقد كانت واضحة تحت نـور البدر ، لم تكن شيئاً في نظرهِ سوى صخرة مهملة لا توحي بشيء ولكنه الآن يراها كورقة كبيرة من كتاب التأريخ ، كل ما سمعه عن بريبن وزوجته يراه كامناً في الصخرة . رفع رأسه إلى البدر المنير في السماء الصافية فـرآه كوجه الله ينشر ضياء جلاله على الأرض . " نُـسـيـا ... كل الأشياء سـتنسـى " كان صدى هذه الجملة يتردد في الغرفة وفي تلك اللحظة قبّـل ملاك لا مرئي صدر الصبي وجبهته هامساً بإذنه " احفظْ هذه البذرة ... احفظها حتى يحينَ وقتُ نضوجها ... فإنك يا طفلي أنت الذي سيعيد كتابة ما قد انمحــى وستكتب بضياء ذهبي سلالةً جـديدةً للذين قد رحلا فسيعودان بذراعين متعانقين  يمشيان في الشوارع القديمة بوجهين متوردين وابتسامات جميلة ، يجلسان على درجة السلّـم تحت شجرة الزيزفون يلوحان بحبٍّ إلى الفقراء والأغنياء ، وسـتـزهـرُ البذرة شعراً ، فـالأشـيـاءُ الجـمـيـلـة لا تُـمحــــى بل ستبقـى أغـنـيـاتٍ وأسـاطـيــرَ .

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قصائد مترجمة عن الهولندية للشاعرتين سلفيا هوبرز ولويزا فوندل

ترجمة : عبد الرحمن الماجدي

الشاعرة الهولندية سلفيا هوبرز

ولدت الشاعرة سلفيا هوبرز عام 1965.

 تكتب الشعر والقصة القصيرة.

 نشرت، وماتزال، نتاجها في مختلف المجلات الهولندية.

اصدرت  اولى كتبها عام 1988 " صراخ الموت" قصص قصيرة.

" ايام العيد على وشك الوصول"  شعر 1990.

" افروسين، او غدا ايضا جميل" شعر 1993.

"هيرمان، فراولة هولندية"  قصص قصيرة جدا 1995.

فازت بجائزة( دنيا) للشعر عام 2001 

علينا أن نفعل أشياء صغيرة

أشياء صغيرة يتوجب علينا فعلها.

أن نخلق معجزة ً صغيرة،

أن نخلق معجزة شخصية صغيرة.

أن يخلقَ كل شخص معجزة ً .

ثم، بعد أن ينجز الجميع معجزاتهم،

نعد المعجزات

ونجمعها معا،

لتكون لدينا معجزة كبيرة.

انظر : مأسهل ان نخلق الان ، مجتمعين ، معجزة كبيرة.

  

ركـّابٌ سـمرٌ

ركـّابٌ سمرٌ في القطار .

انظر : ركاب سمر!

رجالٌ سمرتهم فاتحة .

نظراتهم  خطرة

وعيونهم كبيرة.

لديهم حقائب. آه: الان

سيخرجون منها شيئا ما!  

اني قلقة جدا

أرقبهم، خلال زجاج النافذة اذ تبدو كمرآة،

يخرجون  كتابا ً!

آه، يا للخطر! 

اختبأتُ خلف الـ Spits   و الـ Metro *

لاراقب كل مايفعله الركاب السمر. 

ياالهي... الركاب السمر بدأوا يقرأون. 

آه... انه عمل ارهابي. انا في وضع خطر جدا.

سأتصل بهاتف الطواريء 112  من الـ 06 خاصتي**.

آه آه، كم كنت مضطربة

اخيرا أستطيعُ، انا أيضا، ان أفعل شيئا ضد هجمات الارهاب.  

ــــــــــــــــــــــــ

* Spits  و Metro   صحيفتان يوميتان توزعان مجانا في محطات القطار والمترو الهولندية.

** 06 هي التسمية الثانية للهاتف الخليوي في هولندا لانه يبدأ بالرقمين 06.

 

الشاعرة السورينامية لويزا فوندل

أعدائي

أحب اعدائي

لانهم ، باهتمامهم بي، يجعلوني متيقظة .  

أحب أعدائي

فهم ، بما يفعلونه ، يجعلوني أعرف من أنا وما أستطيع ان أفعل .  

أحب أعدائي

لانهم لايصدقون اني احبهم .  

أحب اعدائي

لانهم حمقى ،

لايفهمون بأن الكلب والدجاجة حيوانان من جنسين مختلفين .  

أحب أعدائي

لأنهم عديمي الفائدة

لايعلمون بأنهم ، أبدا ً ، غير مميزين  

أحب أعدائي

لأن قذارة المنزل

أفضل منهم حتى . 

أحب اعدائي

لانهم يهرقون وقتهم سدى

فيما انشغل بعملي .

أحب أعدائي ،

أنهم يمضون بطريقهم

لكني اعلم ان الله منحني موهبة لاساعد السورينام .

وهم لن يحصلوا حتى على فضالة الرز المحترق .

هم يمضون في طريقهم

لكنهم أعدائي .

 

تعال بقربي  

تعال بقربي ،

تعال ، دعني اتحسس الاوردة المتصلة بقلبك .  

تعال بقربي ،

تعال ، دعني أحسّ نبض قلبك .

تعال بقربي  ،

تعال ، دعني أصغي لرسائل قلبك .  

تعال بقربي  ،

تعال ، حسسني دفء جسدك .

تعال بقربي ،

تعال ، أشعرني انك هنا بقربي .  

تعال بقربي ،

تعال ، دعني أصغي لقصص قلبك السرية .

تعال بقربي ،

تعال ، لنتحادث معا ،

نتحدث عن حياتنا ،

عنك وعني ،

وعن الوقت المتبقي لنا .    

 

صعب

أنه لصعب أن أعلم بمَ تفكر ،

فالله لم يخلقك كائناً يمكنني قراءة افكاره .

صعب أن أعلم بماذا تحلم

لأن رأسينا يختلفان عن بعضهما .

صعب ان أعلم ماتريد

فلا علم لي بمَ تفكر .

صعب أن أعرف مشاعرك

اذ لاقدرة لدي لقراءة أفكارك .  

صعب ،  الحب نفسه صعب

وأنت تزيده ، فلن يكون الامر سهلا . 

لكن هلا فتحت فمك ،

هلا ّ قاسمتني مشاعرك ،

قل بم َ تفكر ،

أسمعني صوتك ،

 اظن بأني سأفهمك

فبالكلام  وحده اقدر ان اتابع أفكارك ،

أن اعلم بم تفكر .

نستطيع ، هكذا ، ان نفهم بعضا .

الامر ليس صعبا

افتح فمك وتكلم.

ـــــــ

* السورينام احدى المستعمرات الهولندية  السابقة في البحر الكاريبي.      

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )