|
حميد العقابي
حالما
أنهى الإمامُ خطبتهُ ونزل عن المنبر وقبل أن
ينفضَّ جمعُ المصلين ، نهضَ شيخٌ ذو لحيةٍ
بيضاء هاطلة على صدرهِ صارخاً في الجمعِ
بصوتٍ جهوريّ مبحوح :
"
أيها الناس لن يستقيمَ دينُ آبائكم إلا
بقتلِ صفوان "
جاء
وقعُ الاسم كصاعقةٍ على أسماعِ المصلين
فشلَّ حركتهم على الرغم من أن ما قالهُ
الشيخُ لم يكنْ مفاجئاً لأحدٍ فقد كانتْ
قضيةُ صفوان مدارَ حديثِ الناس في المدينة
إلا أنهم حاولوا تهوينَ الأمر احتراماً
لمشاعرِ الإمام ، انشدّتِ الأبصار إلى حيثُ
المنبر لكنّ الإمامَ توارى مطأطئ الرأس
وهذا ما شجعَ المصلين على الاستماع إلى ما
يقولهُ الشيخُ العنزي ، كانوا جميعاً
متفقين على ما سمعوه لكنهم مختلفون مع
أنفسهم . أُفلتَ صوتُ أحدهم من عقال تناقضهِ
، ولكيلا يُغضبَ الجمعَ جاء خطابهُ على
صيغةِ سؤالِ مَنْ يجهلُ الوسيلة :
"
وكيف نقتلُ صفوان ولم نرهُ يوماً يحملُ
سيفاً أو خنجراً ؟ أليسَ هذا غدراً ؟ "
كانتْ
وجوهُ المصلين تدلُّ على اتفاقهم مع
القائلِ لكنهم التزموا الصمتَ كيلا تفتضحَ
خباياهم فجاء صوتُ الشيخِ مرتعشاً غاضباً
موجهاً كلامهُ إلى السائل باستهانةٍ وتأنيب
:
"
لكنهُ يحملُ ما هو أمضى من السيفِ والخنجر
"
نطّتْ
ضحكةٌ من شابٍ أعمى كان يقفُ منزوياً
فالتوتْ إلى جهتهِ الأعناقُ ، ولولا
افتعالهم الحرص على جديّةِ الموضوع وقدسيةِ
المكانِ لأثارتْ سخريةُ الشابِ عاصفةً من
الضحك بل والشماتة بالإمام ، ولكي يعبروا عن
قناعتهم بما سمعوه فقد فوّضوا أمرَهم وأمرَ
صفوان إلى الشيخِ العنزي الذي بدتْ عليهِ
علاماتُ الارتياح لهذا التفويض فنفضَ
عباءتهُ وخرجَ من المسجدِ مسرعاً يتبعهُ
جمعُ المصلين منطلقين نحو سوقِ المدينة
راغمين التجار وأصحاب المحلات والحرفيين
على ترك أعمالهم والاشتراك في الجهاد
المقدس فلم تجدْ دعوةُ الشيخ من معارضٍ إلا
بعض السكارى الذين أفلتتِ الخمرةُ ألسنتهم
بجملٍ عن الشرفِ وامرأةِ الإمام وصفوان
الوعل ولم تجدْ من المجاهدين مَنْ يتجرأ على
الردّ بغير المزيد من الهياج وصبّ اللعنات
على المارقين والنساء .
خرجتِ
النسوةُ بالصنوجِ والزغاريد لاستقبال
الرجال ظنّاً منهنّ بأنهم قرروا أخيراً
التطوع لصدّ هجماتِ الأعداء المتربصين
بثغورِ البلاد ، وحينما لم يلتفتِ الرجال
إليهنّ حسبنَ ذلكَ من شيمِ وصلابةِ
الذاهبين في أمرٍ جللٍ فانضوينَ تحتَ لواء
الشيخِ العنزي وسرنَ خلفَ الرجالِ بنسقٍ
طويلٍ يشقّ غبارهُ الطريق حتى توقفَ الشيخُ
عند دار صفوان الوعل ملتفتاً إلى الرجال
الغاضبين رافعاً عصاهُ كأنهُ يهددُ بها
السماء مردداً جملتهُ الغاضبة :
" لن
يستقيمَ دينُ آبائكم إلا بقتلِ صفوان "
عندئذٍ
أدركتْ النسوةُ ما ينوي الرجال فعلهُ
فتوقفنَ عن الضربِ بالصنوج وسرتْ همهمةٌ
بينهنَ وضحكاتٌ خبيثةٌ أثارتْ غضبَ الرجال
فحاولَ كلّ منهم إبعاد حرمهِ فخرجنَ عن
كردوسِ المسيرةِ واكتفينَ بالوقوف على
جانبي الميدان الذي كانتْ تلوح عليهِ
ألويةُ الثأرِ والغضبِ للشرفِ المنتهك .
انتخبَ الشيخُ شاباً مفتولَ العضلات كي
يقتحمَ الدار فخرجَ مزهوّاً وهو يرتجزُ
هازّاً سيفهُ بوجهِ الرجال :
" إني أنا الشبلُ سليلُ العنزي
رضعتُ في المهدِ حليبَ العزِّ
أقطعُ نسـْلَ راعياتِ
المعزِ
بضربةٍ قاصمةٍ من ......... "
توقفَ المرتجزُ حيثُ أن قريحتهُ لم
تسعفهُ بقافيةٍ يختمُ بها رجزَهُ فراح
يكررُ البيتَ الناقصَ علّ هبةً من السماء
تنقذُ شرفهُ الرجولي وهو الذي انبرى ليعيدَ
للإمام شرفهُ الذي انتهكهُ صفوان . أثارتْ
حيرتهُ همهمةً تحولتْ إلى قهقهاتٍ وغضبٍ
حينما ارتفعَ صوتُ مجهولٍ من بين الجمعِ
ليكملَ البيتَ بقافيةٍ انهارتْ لها كبرياءُ
ألويةِ الميدان ، فقد سُمعَ صوتٌ يرتفعُ
بكلمةٍ سيبقى صداها مدوياً حتى يومنا هذا
وسيستمرُ بالتأكيد طالما بقيتْ سيرةُ
الإمام تترددُ في محافلنا كلها ، وطالما بقي
البعضُ في شكِّ من براءةِ زوجةِ الإمام مهما
حاولتْ كتبُ التأريخ وأئمةُ المساجد إقناعَ
الناس بترديد عبارات قاضي الشرع الذي أصدر
حكمهُ ببراءةِ زوجةِ الإمام كبراءةِ الذئب
من دمِ ابن يعقوب .
وعودةً
إلى الميدان ، فبعد أن انطلقتْ كلمةُ
المجهول ، القافية التي كانتِ السيف الذي
قطعَ الجمع إلى فريقين ، فريق يساندُ الشيخ
العنزي ويرى أن الدينَ لن يستقيم إلا بقتل
صفوان ويطالب بتسليمِ صاحبِ الصوت الذي
مرّغَ راية الشرفِ والعزيمة في الوحل ،
وفريق آخر كان لا يرى الأمرَ يستحقُ ذلك بل
ويرى أن مسؤوليةَ العار الذي لحقهم لا
يتحملهُ صفوان الوعل وحده ، وقد انضم إلى
هذا الفريق الكثير من النساء اللواتي
انفلتتْ ألسنتهن بأسرارٍ لا يعرفُها
الرجالُ ، بل تجرأ البعضُ منهن بالثناء على
صفوان ورجولتهِ ، فأقسمَ رجالُ الفريق
الأول على هجرِ زوجاتهم والانتقامِ من
صفوان والخوارج وهذهِ صفةٌ أطلقتْ في ما بعد
على الفريق الثاني ، ونشبتِ المعركة بين
الفريقين وسالتْ دماء غزيرة حتى ارتفع صوتُ
المؤذن لصلاةِ المغرب ، عندها انقسم
المصلّون إلى جماعاتٍ متفرقة منها تفتي
ببطلان إمامةِ رجل خانتهُ زوجتهُ ومنهم منْ
يصرّ على تكذيب الأمرِ وما بينهما جماعات
شككتْ حتى باتجاهِ القبلة
وخلافات فقهية أخرى .
بعد
صلاة الفجر وقبل أن يتمَّ دفنُ القتلى
انطلقَ صوت الشيخ العنزي يوقظُ النيامَ
وينددُ بالمتخاذلين والخوارج فتجمعَ الناس
ثانيةً في الميدان الذي تتوسطهُ دار صفوان
الذي لم يخرج منها منذ يوم الفضيحة . حاولَ
بعضُ شيوخ المدينة وعقلاؤها ثني الشيخ عن
دعوتهِ إلا أنه استطاع إقناعهم بما يدعو
إليه لئلا تكونَ فتنة وتصبح قدسيةُ إمامهم
لقمةً تلوكها ألسنةُ الملحدين والروافض ،
ولكي يحسمَ الشيخُ الأمرَ بضربةٍ خاطفةٍ
ويتفرغَ بعدهُ لمقاتلة الخصوم ، انتخبَ
عشرةَ رجالٍ من شباب المدينة كي يقتحموا
الدار فتقدموا بزهوٍ وكبرياء ، حاول أحدهم
أن يرتجل رجزاً فنهاهُ الشيخ ، عندها
ارتفعتْ قهقهاتٌ شامتة . تراجعَ الرجالُ
العشرة قليلاً وفي هجمةٍ واحدة اندفعوا نحو
باب دار صفوان وسط حماس وتكبير الرجال
فانهارَ الجدارُ وارتفعَ غبارٌ كثيفٌ حجبَ
الرؤية ، هرعَ الجميع ليزيحوا الأنقاض
وليشهدوا مقتلَ صفوان المحاصر إلا أنهم
وجدوا أنفسهم مشغولين بإزاحةِ الركامِ عن
عشرةِ أجسادٍ هامدةٍ تحت أنقاض الجدار
المنهار وليشهدوا ما لم يكنْ في حسبانهم ،
فبعد أن أُزيحَ الركامُ انتصبَ أمامهم
جدارٌ آخر فتراجعَ البعضُ منهم بذهولٍ
وارتفعتْ أصواتُ المعارضين بالتكبير
والتهليل وإعلان براءةِ صفوان ، فتشدد
الشيخُ العنزي بمسعاه مفسراً الأمر بأنهُ
حكمةٌ إلهيةٌ لاختبارِ صبر المؤمنين
وإيمانهم . انتخبَ عشرةَ رجالٍ آخرين
مبشّراً إياهم والشهداء والصابرين بالجنة ،
تقدمَ الرجالُ والشيخُ العنزي يصرخُ بصوتٍ
أرعبَ الجميع " منهم منْ قضى نحبهُ ومنهم
منْ ينتظر وما بدلوا تبديلا " ، ارتطمَ
الرجالُ بالجدارِ الثاني محدثينَ دوياً
ترددَ صداهُ في الوادي وغطتِ الميدان غيمةٌ
داكنةٌ من الغبار ، تنادتِ الأصواتُ لإنقاذ
المجاهدين فهبوا جميعاً حاملين المجارف
والسيوف ليعودوا بعد لحظاتٍ ووجوههم مغطاة
بغبارٍ كثيف لا تظهر منها غير عيونٍ يبرقُ
فيها سؤالٌ غريب . انفلقَ بحرُ النساء
بصرخةِ امرأةٍ جاءتْ راكضةً باتجاهِ الشيخ
العنزي وهي تحملُ عمودَ خيمةٍ ، وحينما حالَ
الرجالُ بينها وبين الشيخ راحتْ تطلقُ
صرخاتٍ هيستيرية شاتمةً الشيخ والإمام
وزوجتهُ الزانية ، انضمتْ إليها نسوةٌ
كثيرات نادباتٍ شاتماتٍ بكلامٍ يعفُّ
اللسانُ عن ذكرهِ فانقسمَ فريقُ الشيخِ
مرةً أخرى إلى مؤيدٍ ومعارضٍ مؤكدين على أن
ما رأوه بأعينهم من معجزاتٍ لهو دليلٌ على
براءةِ صفوان ، ونسبَ بعضٌ منهم إلى صفوان
كراماتٍ وأفعالاً خارقة ، بل ذكر البعضُ
منهم بأنهُ شاهدَ بعينهِ كيفَ ينتصبُ جدارٌ
جديدٌ كلما انهارَ جدار فنشبتْ معركةٌ
حاميةٌ بين حزبِ الشيخ العنزي ومعارضيه
الذين انضم تحت لوائهم أغلب النساء . قال
الراوي إن أكثر من خمسين ألفاً من الرجال
والنساء قد
قُتلَ
ذلك اليوم وحدهُ ، وتجدد القتال في الأيام
التالية على الرغم من توقيع معاهدات الهدنة
، وكاد الناسُ أن يتنفسوا الصعداء
ويستبشروا بانتهاء الفتنة حينما علموا
بمقتلِ الشيخِ العنزي وولدهُ بعد أثني عشرَ
يوماً من المعارك ، لولا الأخبار التي جاءتْ
بها القوافلُ التجارية والركبان والشعراء
الجوالون والتي ذكرتْ بأن المعاركَ قد
نشبتْ في مدنٍ أخرى وأمصارٍ كثيرة مطالبةً
بدم الشيخ العنزي والاقتصاص من قتلتهِ من
الخوارج والروافض وآل صفوان فاشتدّ القتالُ
ثانيةً حتى أشاعتْ امرأةٌ بأنها رأتْ صفوان
في منامها يخبرها بأن الحربَ لن تتوقفَ حتى
تترملَ النساءُ أجمعهن " عندها سأظهرُ
وأتزوج كلّ النساء لأملأَ الأرضَ حبّاً
وأخوّةً بعد أن مُلئتْ ضغينةً وأعداء "
عندئذٍ خبتْ نارُ الحرب وتبادلَ الرجالُ
قبلاتِ الصلح الزائفة خوفاً على نسائهم من
أن تسرقهنّ فحولةُ صفوان بعد موتهم ، ولم
يكنْ هذا الهاجس محض وهمٍ بل إن البعضَ قد
ذكر بأن نساءهُ يرددنَ اسمَ صفوان في
أحلامهن أو في زلاتِ اللسان .
في
الذكرى السنوية الأولى لمعركةِ صفوان خرجَ
الجميعُ لزيارةِ قبورِ قتلاهم وهناك تجدد
القتال ثانيةً ، ولم يتوقفْ حتى اجتاحتِ
البلاد جيوشُ الفاتحين من أمصارٍ أخرى
بحجةِ حمايةِ دار الولي صفوان ( قُدس سره )
ودام احتلال البلاد ثلاثَ مائة سنة لم يتوقف
خلالها القتال بين الشعب والمحتلين سنةً
وبين العنزيين والصفوانيين سنةً أخرى حتى
سقطتِ البلاد تحت حكمِ فتى ادّعى بأنهُ من
سلالةِ الشيخِ العنزي فصدّقهُ البعضُ
وكذّبهُ آخرون ، إلا أنه استطاع بحكمتهِ أو
دهائه أن يستميلَ القلوبَ نحوهُ بالتساهلِ
مع الصفوانيين واحترام تقاليدهم وطقوسهم
السنوية بل ورضوخاً لقوتهم راح يشاركهم كلّ
عامٍ بطقوسِ اليومِ المقدس وذلك بتقديم
عشرةِ رجالٍ ممن يتبعون المذهب العنزي
لذبحهم عند عتبةِ دار صفوان ، بينما هو قد
استولى على الأرض والماشية وثروات البلاد .
أمسِ
حاولتُ أن أكبحَ رغبتي في مشاهدةِ
احتفالاتِ الذكرى الألف ليوم صفوان
وتساءلتُ عن حقيقةِ انتمائي ، وعلى الرغم من
أني لا أؤمن بكلتا الطائفتين إلا أني وجدتني
واقفاً وسطَ احتفال تقديم القربان كما
يفعلُ المؤمنون من الصفوانيين ووجدتُ العذر
لصديقي العنزي الذي كان خائفاً من أن تقعَ
القرعةَ عليهِ فيكونُ واحداً من العشرةِ
الذين سيقدمونَ قرباناً للولي صفوان .
في
طريقِ عودتي من الاحتفال توقفتُ عند مسجدِ
الصفوانيين وبعد ترددٍ دخلتُ ، توجهتُ إلى
المحراب حيثُ جلسَ الشيخُ قَصاصُ الدين
الصفواني بعد صلاةِ الوفاء ، سجدتُ عند
قدميهِ وبصوتٍ مخنوقٍ بالعَبرةِ والرهبةِ
سألتهُ :
"
متى سيظهرُ الأمامُ صفوان يا مولاي ؟ "
فأجابَ
بثقةٍ مُشفقاً على جهلي ومزهواً بطاعتي
وإيماني المتمثل بالدموعِ التي راحتْ تهدرُ
على صفحتي وجهي :
"
إنهُ لم يغبْ يا ولدي ، إنهُ شاخصٌ بيننا كلّ
لحظةٍ ، لأنهُ مقيمُ في الهواء الذي نستنشقُ
وفي الخبز الذي نأكلُ وفي الماءِ الذي نشربُ
بل إنهُ مقيمُ في سرائرنا وفي أعماق أرواحنا
"
وحينما
لم يجد أن إجابته قد اخترقتْ جدار عقلي ، قال
بهدوءٍ وجلال :
"
إنهُ الحقيقةُ يا ولدي "
12/6/1998 دمشق
( عودة للبداية ) – ( عودة للفهرس )

قطـرة
الماء
هانس كريستيان أندرسُن
ترجمة ( عن الدنماركية ) :
حميد العقابي
أنت
تعرف المكبرة بلا شك ، زجاجة دائرية الشكل
تُظهر الشيء أكبر من حقيقته مئـــــــــات
المرات ، لو مسكتها ووضعتها قرب إحدى عينيك
ونظرت إلى قطرة ماء من بركــــــــــــة
ستشاهد الآف الحيوانات الغريبة التي
ليــــس بالإمكان مشاهدتها بالعين المجردة
، ولكـــــــن تلك
هي الحقيقة . القطرة تبدو كأنها صحن مليء
بروبـيـــانــــات تتقافز وبشراهة
ينهـــــــش بعضها أرجل وأذرع ومؤخرات
البعض الآخر ، لكنها كائنات سعيدة قانعة
بطعامها.
كان
هناك رجل عجوز يدعى كريبل كرابل ، يفعل كل
شيء على أفضل وجه فإن لـــــــــــم يستطع
بقــــدرتـــــــــه فسيحقق ذلك بطريقته
الخارقة .
ذات
مسـاء أمسك الزجاجة المكبرة مقربا إياها من
عينه متفحصا قطرة ماء أخرجها مـــــــن
بركة آســــنــــــة . أوووه الآف
الحيوانات الصغيرة تتقافز وتتدافع ويفترس
بعضـها بعضا .
" منظر
بشع ، أليس بإمكان أحد أن
يجعل هذه الحيوانات تحيى
حياتها بسلام وسكينة ؟ " ردد العجوز مـــع
نفسه وراح يفكر بصمت ويفكر ولكنه لم يجد حلا
غير أن يجــــــــــــرب طريقته الخارقة .
" يجب
أن ألـوّن هذه الحيوانات كي تبدو واضحة "
فكر بذلك ثم صبّ قطرة صغيــرة مــــن سائل
يشبه النبيـذ الأحمر على قطرة الماء ، لم
تكن قطرة نبيذ بل إنها قطرة
مـــــــــــــن دـم سحري فاخر كانت تباع
القطرة الواحدة منه بشلنغين . اصطبغت أجساد
الحيوانات الغريبــة باللون الأحمر فبدت
قطرة الماء وكأنها مدينة مكتظـــــة بعـراة
متوحشين
.
" مـا
هــذه ؟ " سـأل طنطل عجوز آخر لا اسم له .
" هل
تستطيع أن تخمن ما هي ؟ " سأل كريبل كرابل
وأضاف
" سأهبها
لك إن عرفت . "
نظر
الطنطل الذي لا اسم له في المكبرة الزجاجية
فرأى مدينة ناســها يركضــون عــــراة . كان
مشهدا شنيعا والأشنع من ذلك إنهم يتدافعون
ويتناهشون ، يعض بعضهم بعضا ويسحل بعضهم
بعضا ، الأعلـــــــــــى يصبح أسفل
والأسفل يصبح أعلى .
" انظـرْ
! ، انظـرْ ساقه أطول من ساقي ، هه ، انظر ذلك
الذي خلف إذنــــه ثؤلـــــــــــــول
يؤلمه ، يؤلمه كثيـرا ، انظـرْ ، سحبـوه
، أكلـوه ، انظـرْ إلــى تـلك الجالســة
بهـدوء كأنـــها عذراء ، يبدو أنها تنشد
الهدوء والسـلام، أتــوها ، سحبـوها ، وأخيرا
أكلوها . "
"إنه
منظر مُضحك حقا
" قال الطنطل .
" نعم
وهل تستطيع أن تخمن ما هذه ؟ " سأل كريبل
كرابل
" واضـح
جدا " قال الطنطل وأضاف
" إنها
كوبنهاكن أو أية مدينة كبيرة أُخرى ، فالمدن
الكبرى تتشابه "
" هذه
قطرة ماء من البركة " قال كريبل كرابل .
( عودة للبداية ) – ( عودة للفهرس )
|