|
على
الرغم من كرهي للطغاة وإدراكي بأن إزالتهم
بأية طريقة هي مكسب كبير للشعوب التي
ابتليتْ بهم إلا
أني وجدتني مشفِقاً
( بل تحشرج شيء في صدري ) على طاغية رومانيا
نيكولاي تشاوشسكو وأنا أتابع على شاشة
التلفزيون عمليةَ إعدامهِ وأرى جثته وجثة
زوجته مرميتين على الأرض ، أما حينما
شاهدتُ جثتي عدي وقصي شعرتُ بأن كفّاً
تنتشلني وتُخرجني من مستنقع آسن ، تلك
اللحظة كانت بداية شعور جديد يغمرني كأني
دخلتُ بعدها في طقس تطهري ينشرني على حبل
غسيل لتتبخر كل أحقادي وأعود إلى إنسانيةٍ
كنتُ افتقدها بفعل ما أصيبت النفس بورمِ
الحقد والتشفي ، هذا الشعور التطهري قرأته
مرة في مقابلة مع الروائية التشيلية
اليزابيل اللندي ولم أكن أدرك مغزاه .
القصاص
من الطاغية فرصة لاختبارِ النفس وتمرين في
التسامي وفي الوقت نفسه طريقة نبيلة
للتشفي ، فأكبر شماتة بالطغاة هو محو
آثارهم من النفس ، آثار ما خلفوه في نفس
الضحية لتصبح فاقدةً لإرادتها ، مسخاً ،
تلتذ بآلامها وربما تعجب وتقلّد جلادها ،
وهذا ما قرأناه وشاهدناه عند بطل رواية
جورج ارويل حينما يعلن عشقه للأخ الكبير .
منذ
تلك الولادة الجديدة وأنا كلما قرأت مقالة
لكاتب عراقي أبحث عما يوحي بأن كاتبها
يشاطرني الشعور وقد مرّ بالتجربة نفسها
التي مررت بها ، ربما تكون فترة ما بعد سقوط
النظام قصيرة لكني هنا لا أعني التغيير بل
الوقفة ولا أعني فئة معينة من المثقفين
العراقيين بل أعني كل عراقي ولا أعني
الإجابة بل أعني طرح السؤال .
منذ
سقوط النظام العراقي وبسبب ظهور مواقع
كثيرة على شبكة الإنترنيت صرنا نقرأ
يومياً مقالاتٍ كثيرة لكتّابٍ عراقيين من
بينهم من لم تكن له تجربة سابقة بالكتابة .
يشعر المرء بفرحٍ وهو يرى هذا الكم الكبير
من الكتّاب وهم يعبرون عن آرائهم بحريةٍ لم
تتسنَ لهم فرصة ممارستها سابقاً . ولكن بعد
التمعن في هذه الكتابات نجد بسهولة أن
كتّابها لا يكتبون بالقلم بل بحربةٍ
والكتابة عندهم أشبه ما تكون بالتدريب على
معركة بالسلاح الأبيض .
يصطف
الجندُ على شكل نسقٍ في ساحة العرضات يتقدم
كل جندي وهو يحمل بندقيته وقد برزت في
مقدمتها حربة عطشى للدم ، يتقدم بخطوات
وئيدة نحو الشاخص وهو دمية تمثل العدو
المفترض ، العريف يصرخ بالجندي ، يحثه على
التقدم بإرادة صلبة والطعن برجولة ، يقترب
الجندي ويطعن الدمية في الدائرة التي تمثل
قلب العدو مطلقاً صرختين قصيرتين ليختم
المشهد بصرخة ثالثة طويلة ، وكلما كانت
الصرخة أقوى ، زاد
استحسان
العريف . في البدء تبدو اللعبة سخيفة
للجندي المستجد ولكنها ( اللعبة ) تفرض
نفسها على الجندي ودونما شعور يدخل دائرة
المعركة بكل شراسة الاستبسال .
الأفكار
وافرة والأساليب متعددة ولا يهم الاختلاف
بالرؤية والمقدرة لكنْ هناك قاسم مشترك
واحد في أغلب الكتابات وهو وجود الشاخص
الذي يضعه الكاتب أمامه ليفرغ شحنات
حقده . لو كان الشاخص ظاهرة لهان الأمر لكن
الشاخص في أغلب الأحيان إنسان أو حزب أو
شعب يستهدفهم الكاتب لا لشيء سوى لإرضاء
عريف يكمن في داخله يصرخ به كي يسدد حربته
إلى قلب العدو ـ الشاخص وكلما كانت صرخة
الطاعن مدوية ، حاز على إطراء من عريفه
الذي يقف في الجانب المظلم من الساحة .
يقال
إن الشاعر أبا العتاهية أو الحطيئة ـ وقد
اشتهرا بهجاء الناس ـ هجا يوماً نفسه ، فهل
نجد يوماً كاتباً عراقياً يضع نفسه شاخصاً
ويسدد حربته نحوه ، لا أعتقد ذلك فحتى
القميء بيننا توهمه المرآة بأنه يوسف في
الحُسن وليته اكتفى من يوسف بحُسنه بل لا
بد أن يجعل له أخوة يتآمرون عليه ليتحول هو
ذئباً ينهش بلحم أخوته مدعياً العكس .
سأضع
أمام القارئ مثالين ( من وسطنا الأدبي )
ينطبق عليهما ما ذكرته أعلاه :
المثال
الأول :
بتاريخ
20 /9 /2003 نشر الكاتب عبد الستار ناصر في
عموده بجريدة الزمان تقريظاً للشاعر خزعل
الماجدي لكنه وبدلاً من أن يركز على موهبة
وإبداع الشاعر أشهر حربته وسار بيقينيةٍ
واستبسال لطعن الشاخص الذي وضعه أمامه
فكتب :
(
أسماء مضت ولم تترك أيما بصمة في تاريخ
التجاوز والتطرف والاختلاف وكان مصيرها
النسيان مبكراً مع أنها مازالت تكتب الشعر
يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة ولها من الكتب
ودواوين الشعر ما يكفي لتدفئة البيوت في
أقسى شتاءات الكرخ والرصافة )
وأنا
أتساءل هنا : هل هذا تقريظ للشاعر الماجدي
أم تقريض سواه ؟
ماذا
أراد أن يقول الكاتب غير أن يوجه حربته إلى
صدر جيل من الشعراء على الأقل ، ولا أعتقد
أن عبد الستار ناصر قد أطلع على شعر أغلبهم
؟ ثم ألا تشبه هذه اليقينية بإعلاء شأن
الفرد وإلغاء الآخرين بهذه السهولة
المفرطة طريقة تفكير النظام العراقي
الساقط ؟ ( أعتقد أن كلمة المباد التي
يتداولها الإعلام العراقي الآن غير دقيقة
لمسألة لا تتعلق بالتفاؤل والتشاؤم ) . وهنا
أود الإشارة إلى أن شاعراً عراقياً كتب
بالأسلوب نفسه مدعياً موت الشعر العراقي
بعد جيله جاعلاً من الشاعر هاشم شفيق ( آخر
العنقود ) لكني لن أتوقف عنده لأن مقالته
نشرت في فترة ما قبل سقوط جدار برلين .
المثال
الثاني :
نشر
الكاتب عدنان حسين أحمد المقيم في هولندا
افتتاحية للعدد الأول من مجلته ( وأعاد
نشرها في أكثر
من جريدة وموقع ) يقول فيها :
( إن
أغلب هذه المجلات ـ يقصد المجلات التي صدرت
قبل مجلته ـ إن لم أقل كلّها قد ولدت لتموت
في إطلالتها الأولى أو الثانية أو الثالثة
أو الرابعة في أفضل الأحوال ) ثم راح يعدد
المجلات ( البديل ، اللحظة الشعرية ،
الإغتراب الأدبي ، عيون ..... ولا يغفل عن ذكر
مجلتنا التي لم تزل في بداية مشوارها ) ،
ويبرر الكاتب توقف هذه المجلات بسبب (
الرغبة في تأسيس مشاريع ثقافية لإشباع
نزوة ما لدى صاحب المجلة أو رئيس تحريرها ) .
بهذه السهولة واليقينية المتنطعة جعل
الكاتب من ( سعدي يوسف وفوزي كريم وصلاح
نيازي وخالد المعالي وآخرين ) ذوي نزوات ، أصدروا
مجلاتهم كي يثبتوا ذواتهم كرؤساء تحرير (
وكأنما هم بحاجة إلى مثل هذا الإثبات ) ،
ولا يخجل الكاتب من أن يكذب علانية فيتجاهل
أن مجلة ( البديل ) صدر منها سبعة عشر عدداً
في وقت كان المثقف العراقي لا يجد ما يسد به
رمقه بل لم يجد مكاناً يقيم فيه سوى بيروت
الحرب الأهلية فاستشهد العدد الخامس من
المجلة بقصف منطقة الفاكهاني من قبل
الطيران الإسرائيلي واستشهدت مصممة
المجلة . أما مجلة ( الاغتراب الأدبي ) فقد
صدر منها اثنان وخمسون عدداً على مدى عشرين
عاماً ( فأية نزوة هذي ؟ ) أما مجلة (عيون )
فقد صدر منها حديثاً العدد الرابع عشر ويقف
وراءها شاعر مثابر أعزل قدم للثقافة
العراقية بجهد شخصي محض ما لم تقدمه مؤسسة
ثقافية .
إني
أتساءل هنا ما الذي جعل هذا الكاتب أن
يشهرَ هذه العدوانية الوقحة غير هذا
العريف الكامن في داخله صارخاً به كي يرفع
صوته ( حتى لو كان صوته ناشزاً ويثير القرف )
حينما يطعن العدو ـ الشاخص ؟
وأتساءل
كذلك أليس هناك تشابه واضح بين مقالة هذا
الكاتب ( من حيث كذبها وركاكتها وقلّة
حيائها ) وخطب طه الجزراوي أو لطيف نصيف
جاسم .
مرة
ثانية أقول إن القصاص من الطاغية فرصة
لاختبار النفس وتمرين في التسامي وفي
الوقت نفسه طريقة نبيلة للتشفي ، فأكبر
شماتةٍ بالطغاة هو محو آثارهم من النفس .
|