العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

حكاية وسادة  

د. علي عبد الأمير صالح

 

                                              (1)

   أنا وسادة، وسادة بسيطة، لست من ريش النعام، بل أنا وسادة من القطن، جيء بي أول مرة إلى تلك الدار العتيقة المرصوفة بالآجر، وضعوني في حجرة نوم ذات سرير نحاسي.

   في تلك الحجرة شممتُ أول مرة عبق نسائم دجلة، وتناهت إليّ عبر نافذتها صيحات الصيّادين إذ يجمعون شباكهم في صباحات جميلة ندية.

   كان الرجل الذي يريح رأسه فوقي يغادرني فجراً، فأتطلع إلى الوسادة الثانية، لصقي، وأرى شلالاً من الشعر الكستنائي اللامع يجري فوقها.

   كانت تلك الشابة السمراء البشرة تمد أصابعها الحانية وتتلمسني، أما أصابع الرجل الخشنة، فكانت تسحب فجراً شباكاً مثقلة بالأسماك الفضية.

   تترك فوقي تلك المرأة آثاراً من لمسات يديها، خصلات من شعرها الكستنائي، مسحات شفتيها المكتنزتين المصبوغتين بأحمر شفاه بنفسجي اللون، تضمني على صدرها، تقبّلني، أتنشق عطرها الجميل، أتحسس نعومة ثيابها الهفهافة: كان الرجل يحب فستانها البنفسجي، حين ينهض من نومه فجراً تكون السماء بنفسجية اللون.

   يغيب عنّي الرجل أياماً معدودات، ينتابني قلق شديد، تضعني المرأة على وجهها الناعم، تتشمم رائحة الرجل الغائب، تقبّلني، يسيل فوقي ماء أسود حار، لم يخيل لي أبداً أن البشر يمكن أن ينبجس منهم ماء حار مالح، ما كنتُ أعرف أن في أجسادهم سوائل أخرى غير ذلك السائل الأحمر اللزج الذي كنت أراه غالباً على ملاءة السرير. كان الماء الحار يبلّلني كلما يغيب عنّي الرجل، غالباً تحتضنني المرأة بحنان، تضغطني بقوة، فأكبتُ ألمي حياء وأتمنّى عودة الرجل.

   كان الرجل يحلم دوماً بالأسماك الفضية تتراقص في شباكه، أما المرأة السمراء فتحلم دوماً بطفل يحبو فوق أرض الدار المرصوفة بالآجر.

   كانت المرأة ترفعني عن الفراش بين حين وآخر، تزيل عنّي أحلام الرجل وتأخذني إلى سطح الدار، أبقى هناك حتى الأصيل، بعدها تنزل بي درجات السلم الحجرية المثلّمة، وتعيدني أنا والوسادة الثانية إلى الفراش الناعم في الحجرة ذات النافذة الواسعة.  

 

                                       (2)

عشتُ سنيناً طوالاً في تلك الدار، كانت سنيناً حلوة لا يعكر صفوها شيء.. ثم فجأة، تغيرت الدنيا، وصرتُ أرى الوجوم بادياً على وجهي الرجل والمرأة، وصار الرجل لا يبكر في نهوضه من النوم.. بل يجلس على تلك الأريكة وسط الحوش، ويدخن سكائره بشراهة، أما هي فتجلس إلى جانبه صامتة تحدّق إلى الجدران التي تشقق كلسها وفي السقف الذي أنهكته الرطوبة.

   وذات يوم أحس الرجل بألم في صدره، غادرني متعباً، جرجر ساقيه بتثاقل، غاب ساعتين ثم عاد وارتمى فوقي، شعر بالغثيان، لمحت حبيبات شفافة على جبينه، أتته المرأة بقدح ماء بارد، قرّبته إلى شفتيه الذابلتين، وضع قرصاً تحت لسانه، وأغمض جفنيه المتعبين.

   أخذ يضع علبة الأقراص الصغيرة تحتي، حين يشعر بألم في صدره، يمد يده إليّ، يرفعني قليلاً، يضع قرصاً تحت لسانه، يتقلّب في فراشه ثم يغفو.

   لم يغادرني طوال أسبوع، كانت المرأة تعتني به، تجلب له طبق الحساء، وترفع الملعقة إلى فمه، يبتلع الحساء صامتاً واجماً، حين يفرغ نصف الطبق، يرفع رأسه ناظراً إلى سقف الحجرة، يمسح شفتيه بمنديل حائل اللون، ثم يرتمي فوقي ثانية.

   صار الرجل لا يغادرني إلاّ سويعات قلائل، يجرجر قدميه إلى مقهى الصيّادين يحتسي شاياً مراً، يستذكر مع صديق قديم أيام الطفولة والشباب، صديقه يردد بأسى أغنيته الأثيرة: "يا صيّاد السمك صد لي بنية" يطفىء عقب سيكارته.. يضرب كفاً بكف.. يطلق حسرة عميقة ويهتف قائلاً: "ضاع كل شيء.. جفّ النهر وتحول إلى ساقية صغيرة". يعود للبيت، يحكي للمرأة عمّا جرى له في المقهى.. أرهف السمع لكلماته الطافحة بالألم والمرارة.

   أخذت المرأة تغيب عن الدار وتعود عصراً منهكة، في ثيابها القديمة البالية رائحة قمح، يكسو منديل رأسها الحائل اللون مسحوق أبيض ناعم.

   أصيل كل يوم تصنع أقراصاً سمراً خشنة، يأكلها الاثنان مع صحني الحساء في الحجرة ذات السرير النحاسي.

   حين أخذتني المرأة ذات يوم إلى السطح، فوجئتُ بأن الدار تكاد تكون خالية، فقد اختفت الدراجة الهوائية الحمراء ذات العجلات الثلاث التي تمنت أن يعتليها طفل ضاحك الوجه، واختفى ذلك الجهاز الموضوع على الرف الذي كان يصدح بالأغاني ذات يوم.. أغاني الفلاحين في خلال موسم الحصاد، أغاني العشاق في ليالي السهر والانتظار، أغاني الصيّادين المسرورين بصيدهم الوافر.. اختفت أشياء أخرى.. لا أدري ربما هي مثلي معروضة للبيع في أحد أسواق المدينة.

   أنا مجرّد وسادة، وسادة بسيطة رقد فوقها رجل امتلأت شباكه في ما مضى بالأسماك الفضية، هو الآن طريح الفراش، ينهشه الجوع، يمكث في غرفة لم يعد يسمع عبر نافذتها الواسعة صيحات الصيادين، ولم يعد يشم منها عبق نسائم دجلة.

   أحدّق إلى وجوهكم يومياً، وأنتم تمرون بي كل صباح، ذاهبين إلى مدارسكم، دكاكينكم، دوائركم، دوختكم الدنيا.. وجوهكم شاحبة، متعبة، ناشفة.

   الشيب شرع يغزو شعوركم، الغضون تلوح على جباهكم وحول شفاهكم المزمومة باستياء، معظمكم يرتدي أسمالاً رثة، نفر قليل منكم يرتدي ألبسة زاهية الألوان.

   مع أنكم جميعاً تمرون بي، إلاّ أن أحداً منكم لم يكترث بي يوماً، ولم يخطر بباله قط كم قاسيت، كم سهرت، كم بلّلني الماء المالح، وكم عانيتُ من الأحلام المزعجة والذكريات المريرة.

   عتبي عليكم، أنكم لا ترونني، مع أنكم تحدقون إليّ يومياً، لعلي سأبقى هنا في هذا السوق، حتى يأتي رجل أو سيدة، فيأخذني تحت ذراعه، لأبدأ حياة أخرى.

                                      (3)

   لم يأتِ إليّ رجل محترم أو إمرأة محترمة، بل شحاذ أشعث الشعر، يرتدي دشداشة رثّة حائلة اللون، ذات جيب صدر ممزق إلى النصف، وقف قبالتي، رفعني وشرع يتأملني بإمعان. قال الشاب الذي يلبس النظارة الشمسية: "ضع البضاعة، أيها الخروف الأجرب". ذهل الشحاذ، لم يقل شيئاً، انتزعني الشاب من بين يديّ الشحاذ بقوة هاتفاً بسخرية: "إتركها أيها القذر.. إجعل من نعليك وسادة لك، هذا إذا لم تكن حافي القدمين!!".

   لم يرد الشحاذ بشيء، أعادني الشاب إلى مكاني فوق عدد من البطانيات السميكة التي نقشت عليها نمور ملونة، فتح الشحاذ كفه اليمنى القذرة، الرطبة، كان فيها يضع أوراق مالية.

   قال الشحاذ: "لم انتزعتها مني؟ خذ ثمنها، كم ثمنها؟ رد الشاب ذو النظارة الشمسية: "مائة دينار ليس غير".

   ضحك الشحاذ ضحكة بلهاء، فتح فمه المتسخ على وسعه، بانت أسنانه الصفر الكبيرة، قال بنبرة ألم: " خذ مائة دينار إذاً، وأعد لي الباقي".

   إستل الشاب ورقة مالية فئة مائة دينار، رفعني الشاب ورماني إلى صدر الشحاذ قائلاً بارتياح: "خذ البضاعة إذاً، أحلاماً سعيدة،Sweet dreams ".

   أخذني الشحاذ تحت ذراعه، صدمتني رائحته، كانت نتنة ومقززة.

   سار بي مسافة، توقف قرب عربة خشب يلتم حولها صبيان يمدون أيديهم ويأخذون مخاريط فيها ثلج أحمر قان.. مرت من هناك فتاة ترتدي قميصاً أخضر فاتحاً، يطوّق كتفيها شاب أنيق الملبس، يعتمر قبعة من القش.

   إصطدمت الفتاة بي، فصرخت مذعورة: "يا للتعاسة!! شحاذون يحلمون!!".

   ضحك الشاب الأنيق ضحكة صافية، أنزل ذراعه من حول كتفيها، قادها من يدها متحاشيين الشحاذين، الباعة الصغار، أصحاب عربات الخشب، أخذني الرجل النتن إلى رصيف ترامت عليه الظلال، كان المكان بارداً بعض الشيء، طرحني أرضاً قريباً من جدار مطلي بالأبيض، ثم تمدّد على الرصيف الذي سرعان ما أغفى في ذلك الظل البارد، وانكشفت ساقاه القذرتان، النحيلتان، الناتئتا العظام، وسرواله الداخلي الأبيض، هز رأسه عدة مرات وهو يتحدث بصوت أقرب إلى الهمس: " نامي جياع الشعب نامي"..

بعد قليل أقبل رجل يرتدي قميصاً أبيض متسخاً، وربطة عنق زرقاء متسخة أيضاً، نظر إلى الرجل النائم شزراً، قبل شفتيه بامتعاض.

   أشار على سائق سيارة كبيرة، غريبة الشكل بالتوقف، أوقف السائق سيارته الصفراء قرب الرصيف.. انحنى الرجل ذو القميص الأبيض، شد الشحاذ من شعره، انتزعني كمن ينتزع جذراً، أعاد الرأس إلى الأرض.

   كان الرجل لا يزال يغط في النوم، مشى خطوات قلائل ورماني في الجزء الخلفي من السيارة الصفراء، وفي لحظات شرعت السيارة تتحرك، حاولت النظر إلى الشحاذ، لكنني كنت في جوف السيارة ولم أرَ شيئاً بعدها، يا ويلي يا لحظي العاثر، شعرت أن شيئاً ما ينزل عليّ ويكبسني بقوة، وبلا رحمة، وفي الحال شعرت أن ستاراً أسود ينسدل عليّ إلى الأبد.     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 

 

 

 

   التمثال

     مهدي قاسم

لم يتضح له ’ كيف وجد نفسه يركض ’ أو خيل أليه : أنه يركض متهالكاً ’ متداعياً ’ مخترقاً الضباب القرمزي ’ حينما كانت الثيران المخيفة بقرونها المعقوفة الحادة ’ تتواثب خلفه هائجة  مثل سهام منطلقة .. كان يحاول أن يجمع ما يمكن جمعها من بقايا وهم ’ حلم ’ خداع ذاتي ’ على ما يعينه على تصديق يقين مترجرج ’ أشبه بمعجزة على وشك الحدوث : إنه قد أبتعد عن أسوار المعتقل ! .

و لكن أصوات كلاب متدربة ’ أزيز رصاصات قد ذكرته على أن ظل المعتقل الطويل ’ مازال ملقياً على جبينه و ملتفاً على خطوه الثقيل : يجرجره إلى الخلف كلما سعى و بذل جهده و جمع قواه ’ لينتزع نفسه من هذا الطقس الوحشي الذي كان يخيم فوقه’ حوليه مثل أخطبوط دموي .

توجس في أثناء جريه بأنهم ’ إنما أرادوا أن يقع في كمين وهمي ليطاردوه مثل ( جرذ في البلوعة ) - حسب تعبيرهم - ’ لأنهم تعبوا ’ دون أن يتعب جسده الذي نزعه ( كقميص بال ) ليفعلوا به ما يريدون : من تمزيق و نهش , و لكنه تحصن حول روحه التي بدت له مثل حمامة تتشمس على محفات النخيل ’ مناجية المدى البعيد البعيد ..

قيل إنهم تركوه ليركض ’ حتى ينطح جدار الوهم : ليتابعوه فيما بعد نحو مكامن فرائس جديدة ليواصلوا رقصهم الهمجي فوق الجماجم و الأشلاء المهشمة ..

- أركض .. أركض !

هل كان يسمع صوت أمه ؟! .. ولكن من أين ؟ .. من تحت الأرض ؟ .. من بين غيوم مسرعة نحو الجنوب ؟ .. من تلافيف الهواء المتوتر كالسهم المنطلق ؟ .. أم من تقدم هذه الشجرة المسرعة نحوه كعاشقة متلهفة ؟ ..

ثم أحس بوخز ناري في أحدى رجليه .. ترنح قليلا مثل جياد تكبو منحرفة .. لكنه تمكن من مواصلة جريه بأقدام مهتزة ’ متخبطة مثل أجنحة محطمة .. كان بأمكانه سماع لهاث كلاب بين نوبة نباح و آخرى .. مع دغدغة رائحة البارود لأنفه .. ثم هذه الضوضاء المسعورة لمطارديه المقتربين منه كما الضباع من غزالة جريحة

..

ثمة رغبة جامحة .. رغبة ملحة جدا , أشبه حكة في العظم : عصفت في داخله لكي يلتفت إلى الخلف من أجل قياس المسافات  الآخذة بالتقلص بشكل يدعو إلى صرخة الفزع المباغتة :

-- لا ! ..

صرخ بصوت متهدم مرفوعاً بمحفات ذهوله : إن الالتفات يعني ضياع ثوان غاليات جداً في هذا السباق القاسي و غير المتكافئ ..

و بدلاً من الالتفات ’ دفع ذراعيه إلى الإمام ’ نحو الريح ’ حتى يتشبث بمهب كسول لرياح عابرة : أنذاك تخبطت يداه في فراغ قاتم , و بدا مثل طائر يندفع للانطلاق بأجنحة مشلولة ..

كم كانت دهشته كبيرة ’ عندما تذكر فجأة : في تلك الأيام الدافئة بشمس الطفولة ’ كانوا يذهبون لاصطياد الفراشات الملونة المرفرفة بأجنحتها الأخاذة حول الينابيع الناعسة و السواقي المتذمرة بخريرها .. كان يندفع بشدة ’ مطارداً فراشة كبيرة ’ زاهية بقوس قزح ألوانها .. كان يندفع بكل ما لديه من قوة ’ لاهثاً ’ منقطع الأنفاس ’ ( .. كأنما مسألة اصطياد فراشة هي مسألة موت أو حياة ).. و عندما كان يفلح في اصطياد فراشة ’ كان يأخذها إلى البيت و يثبتها - وهي مازالت حية مضطربة بأجنحتها الهشة - بدبوس على أحد الحيطان .. كانت الفراشة المغلوبة على أمرها ’ تصوب أجنحتها نحو الأعلى مندفعة باتجاه الهواء النابض ’ المهيج للطيران ’ و تئز حانقة و بعصبية ’ دون أن تعرف لماذا عاجزة ’ هكذا ’ عن الانطلاق في رحاب الريح .. و بعد مضي لحظات تنزف الفراشة كل رغبتها في الطيران .. و تبدو مصلوبة ’ إلى الأبد ’ في وسط أنقاض جمالها الباهر ! ..

تمتم مع نفسه بتأنيب :

 - ما كان ينبغي أن أكون قاسياً هكذا ! ..

و فجأة أرتطم بحائط واطئ .. ندت عنه صرخة رعب ’ ولكن العواء الحاد للكلاب المقتربة ’ و الجلبة الشرسة : كل ذلك قد أرجعه إلى صوابه ’ و أدرك حقيقة وضعه القائم ’ فجمع كل قواه ’ و ركزها على قدمه السليمة ’ و أندفع بقفزة شديدة ’ مرتفعاً ’ مقذوفاً إلى الجانب الآخر من الحائط .. ليجد نفسه منزلقا ’ مرتطما بحفرة عميقة ’ معتمة ’ تشبه ضريحا قديما .. و كم كان ذهوله شديدا ’ عندما وجد نفسه مقعيا ’ داخل قاعدة لتمثال قديم صدئ متآكل ’ و لكنه مازال صلداً ’ متماسكاً كالصخرة ..

خيل إليه الآن : أن مطارديه بكلابهم الشرسة ’ و قعقعة أسلحتهم ’ يتهيأون للقفز عبر الحائط  للإمساك به أو رشه بالرصاص الزاخر .. إنه الآن في كمينتماماً مثلما فكر قبل لحظات : إذ إنهم هذا ما كانوا يريدون تحقيقه .. و الآن لا يوجد أي أمل في الهروب .. و شعر بأنه محاصر تماماً مثل - كما قالوا - ( جرذ في البلوعة ) ! ..

رفع رأسه ’ و تأمل التمثال ’ مستعرضاً : الرأس ’ العنق ’ الكتفينالذارعين ’ ثم الصدر ’ البطن ’ الخصر ’ الفخذين ’ الساقين ’ و أخيراً القدمين .. بدا التمثال فارغاً من الداخل .. فارغاً مثل قصب ’ زلقاً بصدأ مخضَر و بأشياء أخرى ..

فجأة صاح بصوت خائر ’ كأنما ليرد على إقتراب ملاحقيه و حصارهم له :

- لا ! .. لن أكون مثل جرذ في البلوعة ! ..

أنتفض قائماً ’ واقفاً على قدمه السليمة ’ دافعاً نفسه ’ لينزلق إلى الأعلى .. و لكنه أكتشف بأن ذراعيه المرفوعين تمنعانه من التقدم نحو الجزء الأعلى من التمثال .. دمدم مع نفسه : لأبدأ من الرأس ! .. أنزل ذراعيه ’ و أخفض كتفيه دافعاً  رأسه باتجاه الأعلى ’ نحو رأس التمثال ’    متأوها من الألم المباغت : لقد تسطح أنفه منسلخا من جلده .. كما شعر بألم مكتوم في جمجمته .. ثم مال بكتفه اليسرى قليلا ’ محاولا أن يدَس ذراعه اليمنى ’ متابعاً الحركة بالذراع اليسرى .. و من جديد نفضَ نفسه ’ بقفزة عالية ’ في الوقت نفسه ’ مطلقا صيحة مكتومة : اكتسحه ألم حارق ’ فظيع .. إذ غطت جسمه خدوش و انسلاخات  جلود .. و لكن مع شعور معاكس آخر ’ وهو الشعور بالإرتياح و الأمان : إنه الآن قد تلبس التمثال !!! .. إلى درجة كما لو كان قد ارتدى معطفاً ! .. تمتم مع نفسه بدهشة :

 - يا سبحان الله ! .. كأن النحات قد نحت هذا التمثال خصيصا لي ! .. يا إلهي ’ إنه على قدر حجمي تماما ! ..

تيقن _ من شدة نباح الكلاب .. من صليل جلبة البنادق - أنهم ( تحته ) .. يبحثون عنه .. فزحزح رأسه قليلا _ إذ أحس برأسه كأنه محاط بالصفيح - و قَرب عينيه من ثقب في بؤبؤ التمثال .. و بصعوبة بالغة - و بعدما حاول جاهداً أن يحرك رقبته المتصالبة - رأى عبر ضباب متكسر ’ مهتز : كلاباً تنبح مسعورة ’ متهيجة برائحة دم حار طازج  .. تندفع نحو الحفرة التي أنزلق فيها .. كانوا قد اقتربوا منحنين بأنصاف أجسادهم مستطلعين حول الحفرة بحثاً عنه .. حتى صاح أحدهم بصوت خائب لاهث :

 - سيدي ! .. لا أعتقد إنه مختبئ هنا ..

رد صوت آخر حانقاً :

حسنا لنتقدم إلى الأمام بحثاً عنه .. ولكن مع ذلك و للإطمئان الكامل أطلقوا عدة عيارا ت  نارية إلى عمق الحفرة و حوليها ! ..

ثم تناهت إلى سمعه دفقات من صلي متواصل و أصوات ضوضاء و ضجة تبتعد عن محيط التمثال  .. قال مع نفسه بصوت عارم بفرح النجاة  :

- آه .. و أخيراً نجوت ! ..

أحس بالسكون يخيم مشوباً بالخواء و الإنهاك.. ولأن شعوره برعب المطاردة و احتمالات الإمساك به قد زال ’ فإنه لأول مرة أحس بألم في صدره الذي بدا له مخضباً ’ ندياً ’ ربما بسائل ما .. قال متحدثا مع نفسه كما لو كان يسأل ذاته المنهكة : هل تعرضت لإصابة في صدري دون أن أحس بذلك ؟! .. أراد أن يمد يده ليلمس مكان الألم النابض ’ إلا أنه اكتشف عدم قدرته على الحركة .. بل كان جسده أكثر تصلباً ’ و كأنه مصبوب في قالب من الأسمنت: : كان يحس بالتمثال و كأنه معطف ضيق على جسده إلى حد لا يمكن إنتزاعه ! .. و الحل الوحيد للخروج و النفاذ منه هو تحطيم التمثال  بدقة و احتراس !..

ابتسم بسخرية مريرة مهمهماً مع نفسه :

-  حلو ! .. جميل جدا ! .. يالها من نجاة عظيمة ! ..

قرب إحدى عينيه من بؤبؤة التمثال .. باذلاً جهداً جباراً - لأن وجهه هو الآخر , كان مضغوطاً بالوجه المصفًح للتمثال - ليلقي نظرة حول التمثال ’ فرأى مقبرة قديمة - لربما مهجورة منذ أمد بعيد - ذات شواهد متداعية ’ و قبور متخلخلة ’ مبعجة ’ متهدمة على نفسها ’ توحي بعهود موغلة في القدم .. نظر طويلاً طويلا دون أن يرى من الكائنات الحية غير بضعة غربان منهمكة بالبحث عن الديدان .. قال بنبرة ارتياع  :

- حتى الكلاب الضالة لا تأتي إلى هنا ! ..

و لأنه كان ينزف من كعبه .. من صدره  و الله أعلم من أي مكان آخر أيضا  .. و لأنه أصبح منهكاً .. و متعبا لحد الإغماء فأغمض عينيه و غاص في نومة عميقة ..

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )