العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

فؤاد ميرزا : ثلاث أفاع

هذه الأفاعي التي  تسكن حدائقنا وجدران بيوتنا أو التي تحيا معنا, داخلنا لكننا لا نراها, علينا أن ننتظرها لنقابلها ذات يوم.    

أفعى رقم(1):

   

على إحدى البلاطات المرمرية الصقلية. والتي تكّون في ما بينها سلماً صغيراً, وقفت الفتاة تتطلع إلى الحديقة. إنها تلمح الآن أحد جوانب السور المرتفع والذي حجب عنها كل ما يقع في الخارج. تملأ رئتيها رائحة جذور النباتات الرطبة المسحوقة وتدعوها لأن تنقاد مستسلمة, فتخطو ببطء, وببطء شديد, تتلفت برقة إلى البيت الضخم الصامت! وكأنها تخشى أحداً يراقبها. عبرت الفتاة ممراً ضيقاً بين نباتات كثيفة, تكوّن سياجاً طويلاً, وكانت تتوغل داخل البستان.

 كانت الفتاة ذلك المساء قد ارتدت ثوباً عريضاً شفافاً, ذا لون أرجواني, توزعت عليه وريقات خضر زين محيطها خيط فضي له بريق, كانت تحس خشونته على طول ذراعها  العارية. وحينما مرت ببركة رائقة للمياه يتوسطها تمثال (كيوبيد) شاداً قوسه ودافعاً بمياه الصبي من فمه, مرت بانعكاس صورتها في الماء, وأحست بأن شيئاً ما في داخلها قد تغير. هذا البيت اللعين أما كان على والدها شراءه في مكان أفضل! لمحت الفتاة عجوزاً خرباً يقف عند  البوابة الجانبية للبستان, فتقدمت منه وراحت تتأمله..

ـ البستان مليئة بحشائش وحشية متشابكة قد تعرضين حياتك لخطر إحدى الحشرات أو الزواحف إذا توغلت اكثر..

ـ أنت الحارس؟

ـ نعم.. لقد أعفاني والدك من صيانة البستان ولقد بعثنا إلى القرية لجلب بستاني شاب. . مثل هذا العمل لا تقوى عليه إلا عضلات مفتولة.

ـ ابق ولا تخشَ شيئاً.. سأجوب البستان بمفردي.

كان ظل الفتاة يبتعد رويداً رويداً, وقريباً من البوابة, استسلم الحارس الشيخ لصمت وسكون محايد.  كانت الفتاة تحس برائحة التربة تملأ خياشيمها, وكانت الأرض تحتها قد استحالت هشة, وأخذت الأعشاب البرية التي نمت في كل مكان تسد عليها طريقها, وتخدش ساقيها غير أنها كانت تمضي, بخطى عنيدة غير  آبهة بشيء.  حينما التفتت إلى الخلف وجدت أن القصر  أمسى بعيداً, وفكرت  أنها بستان كبيرة, كما أن هذه الزهور التي تملأ المكان رائعة. فكرت للحظة أنها بعيدة ووحيدة في هذا المكان. هذه الفكرة جعلتها تقاوم شيئاً وحشياً ملأ صدرها, فأخذ يرتفع وينخفض بسرعة فائقة.( ترى ماذا لو فاجاءتها أفعى الآن!) .

وشكل الأفعى جعلها تحس برعدة تسري في بدنها. لن تفاجئها الأفعى فانها ستقوم بعمل فريد, ربما لم تسبقها إليه واحدة من بنات جنسها.. إنها ذاهبة لتبحث عن جحور الأفاعي.. ستجد واحداً, جحراً صغيراً يقع في جذع شجرة عجوز , وستمد يدها, لن ترتجف, وستلامس أصابعها

كرتين رقيقتين, وحينما ترفعهما إلى وجهها ستجد بيضتي الأفعى تستقران وسط راحتها. حينها تُقبل الأفعى وتقابلها وجها لوجه, ستخرج الأفعى لسانها المشطور  وتتوثب للهجوم, وستكون الفتاة في وضع يتيح لها كامل المجابهة. ستبدو قوية وجريئة  إلى حد كبير, ستمد قبضتها إلى أمام وبينما عينا الأفعى تلتمعان بوحشية, ستطبق هي أصابعها على البيضتين فتسحقهما.

اضطربت الفتاة, ودون أن تشعر أخذت تقفز ببطء بادئ الأمر فوق النباتات الشوكية, ثم انطلقت راكضة  ورغبة غامضة تفجر شرايينها.. قنفذ صغير يتحرك ببطء, بقايا جذور محروقة, طفل تدلى من شجرة يسرق ثماراً قريبة من السور, ثلاث علب من الصفيح استحال طلاؤها إلى اللون الأسود, براز حيوانات.. أعشاب برية.  البستان استحالت حولها إلى دغل كثيف يعترضها ويحاصرها من كل جانب,,,, لم تتذكر في النهاية وهي تعود بخطى بطيئة, وأنفاسها قد هدأت تماما, كيف أنها قد سقطت على الأرض, وهل أن هذا الجرح في إصبعها والذي كان يسيل منه ببطء دم وردي اللون .. قد سببته لها أفعى حقا.

   

 أفعى رقم 2

   

 تجلس المرأة التي هجرها زوجها وحيدة على العتبة. اتخذت لها من بساط مربع الشكل ذي خطوط طويلة عديدة الألوان, مقعدآ, ومن جدار غرفة نومها ( جدار الطين) متكأ. السماء وحدها وجدار الطين يحاصرانها في بؤرة روحها المتفجرة المتدفقة المتجددة الخامدة.

ليست تعيسة.

ليست سعيدة.

لكنها أمرأة مهجورة وتنتظر. تنتشر فوقها خيوط النور اذا حركت رأسها الى السماء. كل هذا النور مصدره نجمة واحدة, نجمتها التي رافقتها منذ ولادتها, والتي ولدت حينما ولدت هي. حظها الصغير وبؤسها الذي لا يحد.

ما الذي جعلها تنتظر, لماذا لا تغادر هذا البيت  الى الأبد, تغادر هذا الجدار وهذه السماء الكاذبة التي لا ترحم؟ واذا هبطت عيناها علي الجدار, فهناك عشب اخذ يخضّر من حول الثقب, ثقب الأفعى!!

على الجدار نفسه أخذ العشب ينمو. عام أو عامان.. من يعرف, ربما سيغدو هذا الجدار حديقة, وستبقى هي جالسة ترقب الزهور وهي تتفتح, زهرة بعد زهرة. تتفتح أوراقها الدقيقة واحدة تلو اخرى وتصيح بأسمها. ستكون هناك حديقة ياسمين كاملة!!

انها تحس بالتعب. ما هذا العرق الذي أخذ ينفد من جسمها ويبللها. الا تنهض؟ الا يمكنها ان تقف على قدميها؟... لقد حان الموعد.. ها هي ساعة غرفة الزفاف تدق الواحدة بعد منتصف الليل. دقائق وستظهر الأفعى من  الثقب. غرفة الزفاف التي جلست عند عتبتها, نظيفة ومرّتبة كغرفة من البلور, وكأنها مهيأة لأستقبالها لأول مرة. أما الغبار فقد ازالته الأفعى بنفسها.  السرير الواسع وشرشف الدخلة نظيف لم يتسخ بعد, لم تسقط عليه قطرة دم واحدة.  مرآة ( ميز التواليت ) الواسعة لم تر نفسها فيها بعد. ثمة خط أحمر قد شوه المرآة, لقد لمحته الأفعى  وهي تمر فمسحته لها, كما لو كانت امها هي التي فعلت ذلك.. أما تذكر أمها الآن؟!

أحلام وأحلام, سماء وجدار وأفعى, مصيرها المجهول, ها هو. ستة شهور وهي هنا لا تنام ولا تغادر مكانها. ستة شهور طويلة وهي وحيدة ومرمية في قعر هذا البيت, هذا التنور.

ـ وأخيرا عدت!

ـ عدت.

ـ متأخرا!

هبت المرأة من مكانها والتصقت بزوجها الذي أخذ يضمها الى صدره.

ـ كل يوم كل ليلة.. وفي مثل هذا الوقت كنت متأكدة من انك ستعود.

ـ لقد أصبحت نحيفة ولونك شاحب.

ـ انها هنا.. ستظهر بعد قليل.

ـ من؟

ـ ألأفعى.. أفعى طيبة تتحلى بعدة أجراس, تدق وتدق حينما تتحرك.

 ـ أين؟

ـ هنا في الجدار. بعد أن رحلت! كانت تظهر لي كل يوم. شيء مثل حلم.. حينما رأيتها أول الأمر, خفتُ  لكنها تكلمت معى كلامآ طيبآ, قالت انها ستصبح صديقتى.

ـ ماذا بعد؟

ـ كانت تحضر في مثل هذا الوقت, تدور في أنحاء البيت, تنظفه وتعد لي السرير. تنظف الغرفة وتنفض عنها الغبار. وحينما تنهي عملها في البيت, تعود فتجلس قبالتى.. هنا.. في نفس المكان الذي تقف به الآن بالضبط, تحدق فيّ, وأنا احدق فيها, وأشعر كل يوم, أن شيئا فيّ ينضب. ووجهي يجف, وشفتاي تذبلان,  كما لو أن الموت يدب الي. نبقى صامتتين كل ليلة, وتبزغ نجمة الصبح,  فتعود الأفعى بهدوء وسط الجدار, وكأن شيئا لم يحدث.

ـ ها ان  لونك بدأ يعود اليك.. ووجهك يتورد, تعالي لأظمك الى أحضانى.

ـ أتعرف.. أشعر وكان كل ذلك كان حلمآ.. حلمآ مزعجآ.

ـ تعالي لندخل.

دخل الرجل وزوجته(غرفة الزفاف) بينما كانت الأفعى تغادر الجدار ثم البيت والى الأبد.

   

أفعى رقم (3).

   

كانت الغرفة مظلمة, يدخلها ضوء ضعيف شاحب من فرجة الباب, على شكل مثلث غير متناسق الأضلاع يرتسم فوق السجادة ثم ينكسر وتتلاشى نهايته فوق السريرين المتلاصقين. حاول إيقاض أمه المريضة

.ـ أنت نائمة؟

 ـ هل وضعت لها الماء والملح والخبز؟

.ـ نعم.

 ـ حسنا نامي الآن.

خطا الأعزب الكهل على السجادة, وبينما كان يفتح الباب, اندفع الضوء فجأة فغمر جسم الرجل ووجهه, بينما انقلبت المرأة العجوز في سريرها متضايقة.  كان الممر المنّور ضيقاً جداً, ويتصل مباشرة بدرجات السلم المؤدية إلى الطابق الأرضي. وفي منتصف السلم توقف الرجل الكهل ليلتقط أنفاسه, فامتلأ أنفه برائحة نتنة, هي رائحة غرفة التواليت المنبعثة من أسفل. كان الطابق الأرضي مهملاً تماماً, وكانت الفسحة الصغيرة المبلطة بطابوق عريض أصفر, والتي تتحلق حولها الغرف الثلاث الخالية, قد بدت أشبه ما تكون بمطبخ على الرغم من قطع الأثاث القليلة المتناثرة فيها.

 أدار الرجل الكهل مفتاحاً صغيراً في قفل أحد الأبواب, فأنفتح بصرير حاد. كانت الغرفة خالية وقد عششت فيها العناكب. وعلىالأرض الترابية الرطبة ( أرض الغرفة) كان هناك صحنان وقطعة خبز يابسة (لقد قضمت من الخبز وشربت من الماء والتهمت قليلاً من الملح) تأوه الرجل العجوز

.ـ لقد أصبحت واحدة منا.
الآن هو والأفعى وحيدان في هذا البيت الفارغ. التفت فرآها. كانت صغيرة جدآ وجميلة. تبعها. خرجت من الغرفة واتجهت إلى إحدى الأرائك القديمة الموجودة في مجاز الحوش. كانت بجلوسها الخفيف قد تركت أثراً غير محسوس على ظهر الأريكة.

 .ـ كنت أنتظرك..  كل يوم تضع أمي لك الماء والملح والخبز.

 ـ ماذا كنت تعمل؟

ـ أين؟

 ـ فوق.

ـ كنت أعتني بها.. المرض والشيخوخة.
ـ سأعد لك الشاي..هل أنت جائع؟

الوجه بسيط, شعر فاحم, عينان داكنتا السواد, شفتان رقيقتان بل بالغتا الرقة. ملأت الغلاية بالماء ووضعتها علىالنار.

.ـ سأشرب معك الشاي.

 كان الرجل قد جلس على الأريكة المقابلة, وكانت قواه قد وهنت تماماً.

.ـ أمي تقول بأني رجل خرف. وإنك غير موجودة في البيت.. لقد كنت أنتظرك كل ليلة!

.ـ ها هو الشاي  قد أعد.

صبت الشاي في الأقداح.

ـ كم عمرك؟ سألت الأفعى.

ـ فارق كبير .. كنت قد هيأت لك هدايا.. كل مرة أذهب إلى السوق أتذكرك.. أدوات زينة وفساتين.. أخشى أن لا تناسبك.

ـ الحجم؟

ـ سأقول شيئاً.. واتمنى أن لا تغضبي.

ـ لا لن أغضب!

ـ كنت  أتخيلك بشكل أخر.. طويلة وبيضاء.. عمرك أكبر!

رفعت الأفعى الشاي وقربته من يديه. راحت تشرب بهدوء وهي واجمة تحدق في عينيه.

.ـ أهذه مواصفات الجمال في نظرك؟.. أعتقد الآن انك ترانى قبيحة!

ـ كلا.. شيء أخر.. رجل عجوز وقنوع, ماذا تنتظرين.. مخيلة ضعيفة.

صمتت الفتاة وانسحب الرجل الكهل بنظراته إلى الأرض.

 .ـ أتعتقد أن بالإمكان أن يكون بيننا شيء مشترك؟

ـ لم يرفع الرجل وجهه ولم يجب.

.ـ حسناً سأغادر الآن.. وداعاً.

 تطلع حوله, فوجد الظلام واللون الأسود, يلف كل شيء يقع في الغرفة, وأمه العجوز المريضة تتلقف أنفاسها بصعوبة.

 قال للأفعى:

 ـ وداعاً

. ثم خاطب أمه:

ـ أأنت نائمة؟

ـ نعم.

لقد شربت من الماء وأكلت من الخبز والملح.

 ـ أنت تحلم.. نم الآن.

كيف يمكنها أن تصدقه. منذ لحظة فقط كانت معه. وكان يحس بوجودها وبأنفاسها.. دفع جسمه الثقيل المنهك في فراشه. ولم تمض لحظات حتى كان هو وأمه قد غطا في نوم عميق.

   

      

نشرت  هذه القصص في مجلة الثقافة العربية العدد 3 اذار 1979.

 

 

  ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )