العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

مراقم الطين

       م. ج. حمادي

كل هذا المنفى شرفٌ لنا

ونحن نتعرى عند رؤية البحر

من جوع خوفنا

المزمن

ونزيح في انطلاقتنا

أسلابَ الجموع المتذرعة بالمَحْلِ

وأشجار الفاكهة مازالت

تمسك سفوح التلال ، والكمأة

تزدحم على أكفنا عقب الصواعق

كذلك غلال الأرض

التي روتها أختام الطين ، أول الكتب،

وفي تلك الخضرة التي ترنو

فوق أهداب الضياء

وقد تدافعت أعماقها بثبات

يتلثم الرجال بعدةِ كينونتهم من

                      مرور عابر تحت

                       اشتعال الهواء

خلف ذاك الهمس

وخلف الخشوع على نواصي

شعاب الجبال

والسهول لأرواحٍ كانت ..

 

                ******

يُجالسُ قارعة الطريق ، في بياض القماش القطني،

شيوخ المدينة ضمن حساب أوروك وبابل

عن الزمان وأبعاد السماء

وخلل تكهّف جرف الشاطئ أين

 تعب المويجات

حاجتها من الهواء

كانت حياتنا

تطفو كحصاةٍ على دوائر الماء

تصفر كمثل وحشتنا المتكررة في المنفى

وعلى أعالي غابات القصب.

كان يدرك ذلك .. تتشاور النساء ، بعباءات

الليل النيلي ، لكنه لم يتوانَ ، لكنه لم يتوان عن تعبئة الصفحات

عن مهاترات الليل ، والكمائن ضد

قادة العساكر وقد جلسوا

فوق ركام معالفهم الجبرية.

 

                *****

يرمي الأطفال حصاة أخرى من ذاك القدر

المرمي على عتبات الأبواب

التي لمعت حجارتها كمفارق الكهول

فيتردد صراخهم في عثملة الروح

وعلى المكاتب والأروقة المزدحمة

مع ضجيج سكان يأمون الأسواق

مثل مأخوذين يلجلجون في أن يجدوا منفى

                                       وعبرة للخلاص .

 

                     *****

في ظلال شجر الأثل

أعياد قائمة تزدهر فيها أضوية الشارع

تنهمر الهتافات

تترى ، تتابع مرّةً أخرى عقب الصياح

تتردد قسراً في دواخلنا فنهرب

وقد تلونت الأماكن تحت أشجار الكالبتوس

بحمرة حبّ الرمان والتوت

ثم نهمُّ بالانتباه

لتلك المزحة المُقالة

المُعادة كنشيد عسكري

بأننا اتخذنا

خياراً مثل خيار حيتان المحيط

ثم أغلقنا نوافذنا

وجلسنا نتذكر .

 

             *****

نقاد إلى الحياة رغبةً أو بدون

نقاد بذلك العتو النازل

كسرٍّ من الأسرار

كصخرةٍ من انبثاق الجلالة العظمى لسومر

وعلى عمود الشرفة الأخير

ومقرنصات الخشب وقد تقادمت

خضرة الدهان

تحط فاختةٌ

تسمعنا شدوها

هل نحزن ؟

أم نعيد الكرّة ثانية

ونمسك بالجلالة

ثم نشرب احتفالاً

عصير أعنابنا الطازج

إلى أن تنتفخ الأوداج بالغناء ؟

صاحب المقهى يشارك

صاحب البقالة

الديك أيضاً يغني

الحمار المربوط في خرابة المحلة

إلى غصن التوى كرقبة

الكل يغني والخيام تُنصب على الهضاب

المُمجدة بالخضرة والأقوام الهازجة

لهطول المطر تغني ، تبدأ أسمارها

هناك ، ليس إلا هناك ، بعد العشية

هناك أغمسُ النفس .. مسافر الأسحار

أنتزع النبض بعيدا عن عواء القلب

اللذة تشتعل

والجموع تهزج

أعراسهم ترتحل ، تمسّ الحندقوق وعشب الصباح الندي

والفتية يمدون أذرعهم يتسابقون

لئلا يسقط شيئاً

من العنبر ويبطل عمق النشوة

هذا الرواح الممل والمجيء

في بلدان يقتلها الضجر .

 

               *****

يجلس شاعر الأفكار

يمجد أقواله عن بطالة الفعل

في أسى هذا المنفى

يضرب الأرض التي جفت أعصاب أفعوانها الهرم

فلا يباركها إلاّ شمّ التراب والحناء والصَهدِ

يعلو صوته

كصوت سادنٍ مُزقت أوصاله لتوزع شواهد

أين تلتهم الصحراء خلافها القائم مع الندى

والحادي يغني

تلك النيران من العاقول والحنظل

فلا تَزنْ أطرافه مُقسَراً لذاك البيع

وأسواق النخاسة قد لحقها البوار

لا تزن أي شيء من الشاعر .. مسافر الأسحار

والأهل قد غابوا خلف التلال

بعد أن أخلفوا أحمال الرقّة خلفهم ،

ولطافة الحب وحسن نظافة الملبس

                  ( وكم كانت نظيفة )

فأي همّ ٍ هو هذا

الذي يجعلك تسافر

وتقامر بما أودعته الرياح والمدن

 

              *****

أصبحنا مثل شعوب في مزاد

يحتفي ببيع العفن ومخلفات البشر

لكن منْْ يدري أن كل هذا

ليس إلاّ

رسالة إلى نيزك أو إلى مساومات

ما بين أسماكٍ تعيش خضم أعماق سحيقة

قرب نيران الأرض

أو كركامٍ يوزن بالمثاقيل ويضيء الغرف والأبنية ،

التي يُعلم عن تشييدها كل مساء،

مثل شُعَبِ المرجان

فلنعطِ الشاعر أحجاره وتعاويذهُ

وموضعاً قرب النهر

من أجل تيممه وقت الصباح

ومن أجل المزودة التي تركها الآباء

ملأى بالياقوت الحرّ

والمرجان منذ القدم

 

          *****

طوال صيف الجنادب

كنا نصيخ السمع لذاك

الصرير ما بين النجوم ونسرح

مثلما يسرح النغم عبر  عتمة مخابئ المراقم

                                   من كتبة سُبَّر (*)

خشية أن لا يفهم أحدهم

شيئاً ونحن نحبس الأنفاس حين نلجُ

تكايا الدراويش

مثل هائمين في غمار الموج

 عن أسماك ذهبية صغيرة                            

والنهار أنهى يقظته

فوق الخيام

والأعراب تقاعسوا

عند اضطراب الرياح

التي تكاد أن تبني فوقهم مدناً وهمية أخرى

فلن يستفيق أحدهم

حتى تتابعهم النسائم في ليالي القمر

على سفوح تلال الرمل

وعلى باحات البيوت المتروكة .

 

                       *****

سنوات الترمل تقتسمها القبائل أمام الشاعر

ونساء أرض السواد بعد الجزر في حظوظ الحياة

                                   رششن القبور باللبن

وجلسن تحت سقائف مطرٍ  جفت كعظامٍ متحجرة

يرتلن بسملات الحمد لهذا البلاء

وما أصاب رَيــعَ القلب بالثكلِ

وراعي الخيول العراب يبكي

حاملاً على أكتافه جلود الألجمة وحشف التمر

ثم أومأ له بحارة الخلجان بالسفر

( حركة الرؤوس الهادئة هذه) كعلو الزمان الراكض خلف

أهابٍ هارب والأنام تذرع الأرض وسرهم لائـذ تحت

                                        خرائط حركة الرمل

ومتمسكون بالكتب في الزوايا يحتبون مع إصرارهم

أحاطهم الجند من كل مكان ولم يبرحوا

فمن يريد أن يتقدم

عليه إذن أن يغتسل بالبحر

ويترك أكفانه على النوافذ

مباركة للسلام وللقوارض

ولزمان الحظوظ الكبرى

التي رماها الجند

كراهةً وتلذذاً بالعشو الذي أعتم القلب

ثم تهرف بالأكاذيب جموعهم ، صرخ الشاعر،

من أجل ذاك الضاحك على مغاليق جحيمه الأبدي

                                             وعنابر الديدان

 

                      *****

ومشينا تضمنا الأرض الدغلاء وقد أرهقنا

بكور الصياح على أطراف المدن

من دون أن نقوى

كفاية على تمجيد الدرب

الذي انكسرت عليه قواقع الأعماق

واندهاش محتبسي اللآلئ

بقوارير الضوء السحري وفي ذاك

الانعكاس والبريق من عيونٍ حبيبة

والظلماء حندس انتصفت

حيث تنتشر اللآلئ مثل عيون القطط

على حصيرة الوصيد

               *****

يستفيق الصيادون

في دوران أخيلتهم

والضوء اللؤلؤي يختتم

لُبانة سكراتة

على محاجرهم الغافية

يستفيقون والشاعر قرب مزودته

مازال يقظاً يتأملُ الفجر

                           والشاطئ

  

                          بلجيكا

                       23- 3 - 2003

                 م. ج. حمادي

 

(*) سُـبّر : مدينة قرب الكوت ، يرجع تاريخها إلى 4000 سنة ، عثر فيها على مكتبة ضخمة من أختام الطين .

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )