العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 يتوسد الأفاعي الميتة وينام

            كريم عبد

-       هل يستطيع إنسان أن يعيش حياةً كاملةً وهو واقف على قدم واحدة ؟!

-       نعم .

-       نعم !! معقول !!

-       نعم معقول جداً .

-       كيف ؟! بصراحة أنا لا أفهم ما تقول !!

-       لستَ بحاجة كي تفهم، الأمور واضحة وبسيطة، أنت بحاجة إلى الانتباه، انتبه فقط وأنظر إلى ذاك الشيخ، لقد تجاوز الثمانين عاماً، كان طوال تلك السنين واقفاً على قدم واحدة. لقد جلس أخيراً .. قبل أسابيع جلس، وهو ما يزال جالساً عند باب البيت، فقد أخذوا أحد أبنائه، أخذوه خلسةً. لا يعرف إلى أين !! وظل الرجل واقفاً ينتظر ابنه ..

كان هذا قبل أكثر من ثلاثين سنة، عندما أخذوا الولد كان في التاسعة عشرة من عمره، أخذوه وضربوه وهو لا يعرف لماذا !! أرادوه أن يعترف لكن الولد لم يفعل، لأنه لا يعرف أحداً كي يعترف عليه. تركوه في زنزانة مكشوفة السقف لكن الفصل كان ربيعاً فلم يهتم الولد كثيراً. كانت أضلاعه توجعه أحياناً جراء برد الليل، لكن الولد وهو واقف على قدم واحدة، يظل ينتظر دفء النهار. وحين يأتي النهار ينسى أوجاعه. يرفع رأسه وينظر إلى السماء، يحسب أن الله واقف على قدم واحدة. الدنيا كلها واقفة على قدم واحدة، لذلك يضحك. يضحك قليلاً ثم يحني رأسه .. وذات مرة ألقوا عليه أشواكاً وأحذية قديمة وأفاعي ميتة، وفي اليوم التالي ألقوا عليه أكياساً من الزبالة ثم ثياباً مهترئة، لكنها سرعان ما تحولت إلى فراش. عندما يحاول الولد أن يغفو يشعر بقشعريرة في بدنه، يحدث هذا قبل النوم بقليل. يخاف الولد أن تستيقظ الأفاعي من ميتتها فتلدغه. الشيخ يخاف والولد يخاف، ولهذا ظلا واقفين على قدم واحدة. لكن الخوف والتعب يرهقان الولد فيسقط نائماً. يهمد قليلاً فتوقظه الأشواك والأفاعي الميتة. تسري القشعريرة في بدنه لكنه ينام في النهاية ..

يأتون إليه في منتصف الليل أو قبيل الفجر، يصيحون به فلا يحس. إنه ميت من الرعب والتعب، يركلونه على رأسه فيقفز الولد مفزوعاً لكنه سرعان ما يهدأ كي يعرف ما الذي يدور حوله .. يرفع أحدهم مسدسه فيعود الولد واقفاً على قدم واحدة. يقول أحدهم إنه لم يضاجع أحداً على قدم واحدة ويحاول الاقتراب من الولد، يصرخ الولد يتحول نـمراً. يبكي الولد ويعض الرجل، فيعضه الرجل وهو يعضه أيضاً. تحول الولد نمراً وتحول الرجل كلباً قذراً ظل ينبح، يحاول أن يعض الولد ثانيةً لكن الولد هو الذي يعضه، يعضه ويبكي .. يهرب الرجل مع الكلاب الآخرين، يسبون أمه وأباه ويهربون، فيعود الولد ويسقط على الفراش، يتوسد الأفاعي الميتة وينام ..

انتهى الربيع وبدأ الصيف، عرّش على حيطان الزنزانة المكشوفة السقف عشب وأزهار بيضاء وحمراء، استيقظ الولد ليرى كل ذلك فجأةً، أكل العشب والأزهار، أكلها كلها لأنهم لم يعطوه شيئاً منذ البارحة، أكلها وتمنى لو أن أحداً يأتيه بقدح شاي فهو لم يذق طعم الشاي منذ أن جلبوه إلى هنا، لكن الشيخ الذي أخذته النومة لعدة أيام، استيقظ فجأةً، نهض وظل واقفاً على قدم واحدة، ظل واقفاً حتى سقط ومات ..

-       مات الشيخ وأنت لم تنتبه، أقول لك أنظر وانتبه سترى أشياء كثيرة، أناس كثيرون يعيشون مدى الحياة على قدم واحدة، على قدم مكسورة ..

انتبه الرجل الذي كان يسمع فوجد نفسه واقفاً على قدم واحدة، انتبه تلفتَ فلم يجد محدّثه. وجد نفسه وحيداً وقد حلَّ عليه الليل .. المدينة خالية كأنـها واقفة على قدم واحدة .. وجد نفسه واقفاً على قدم واحدة، انتبه وخاف فأنزل قدمه الثانية، أراد أن يتحرك لكنه سمع ضجة مباغتة، صياح وسباب وأقدام وأكف تنهال عليه ركلاً وضرباً فوجد نفسه مرمياً على الأرض يحيط به ستة أو سبعة رجال .. دون أن يعرف ما الذي يحدث ولماذا كان مستهدفاً ؟! استعاد السباب والكلام الذي قالوه، لكنه لم يتبين شيئاً محدداً، تذكر أنه عندما كان واقفاً على قدم واحدة كان الصيف قد مضى، وابتدأ الشتاء وانتصف، لم يعرف كيف أنه لم يشعر بمرور الزمن !! الذي أربكه وأيقظه من غفوته هو برد الليل، كان ليلاً شتائياً بارداً والدنيا أوشكت أن تثلج، لقد أوجعته أضلاعه فحاول أن يـمسدها، أن يمرر أصابعه على مناطق الوجع لكنه خلال ذلك أنزل قدمه الثانية وأوشك أن يصحو ويتحرك، فوجد نفسه مركولاً ومضروباً ومرمياً على الأرض، الرجال الذين أصواتهم نباح كلاب رفعوه وألقوا به في سيارة منطلقة الآن وهو لا يعرف إلى أين !!

لقد أدخلوه إلى بيت كبير في منطقة لا تبدو رسمية، شعر براحة مفاجئة، تنفس الصعداء وألقى بنفسه على الكرسي الوحيد في منتصف الغرفة، باغته شعور بالعطش وقبل أن يفكر بشيء آخر انفتح الباب ودخل رجل أنيق يدخن بـهدوء واطمئنان، أبتسمَ له وربت على كتفه الموجوعة لكنه تحاشى ردة الفعل، فقد شعر للحظة بأن هذا الرجل مُكلَّف بقتله وهو يخفي مسدساً في جيبه سيُخرجه بعد قليل ليطلق عليه النار ثم يعيد المسدس إلى مكانه بـهدوء ليواصل تدخينه مُطمَئناً وهو يخرج كما لو أن شيئاً لم يحدث قطّ!! لكن الرجل لم يفعل ذلك بل أوضح له بأن المشكلة ليست خطيرة جداً، وبالإمكان حلها بطريقة أفضل .. وقبل أن يواصل الحديث، لاحظ أن الرجل الجالس على الكرسي يبدو مذهولاً وخائفاً ويريد أن يقول شيئاً لكنه لا يقوى عليه .. لذلك سأله : هل أنت بحاجة لشيء ؟

-       لا ، شكراً .

-       لماذا أتوا بك إلى هنا ؟!

-       لا أعرف .

-       أنتبه إليَّ، لا تقل مرة ثانية بأنك لا تعرف، لقد أتينا بك إلى هنا لأننا نريدك أن تتكلم عن الأشياء التي تعرفها وتلك التي لا تعرفها، أقصد تلك التي قالوا لك إنك لا تعرفها. هكذا علموك أليس كذلك ؟! آه يا ملعون !! المهم، هل أنت بحاجة لشيء ؟!

-       لا ، شكراً . 

عندما تركه الرجل أحس بوطأة العطش أكثر، وعرف لأول مرة بأن العطش أمر غريب، غريب ولا يمكن احتماله. صحيح أن الغرفة مُدفّأة والكرسي مريح جداً، لكنه عطشان، أراد أن ينادي على الرجل الذي خرج، فوجد أن البادرة غير لائقة .. غير ممكنة، مع ذلك فكر أن يصيح أن يقول مثلاً : يا جماعة .. رجاءً .. لكن قبل أن يفتح فمه أنفتح الباب، دخل رجل يبدو في العشرين من عمره، بيده صينية عليها كأس ماء وقدح شاي. ما أن أقترب منه الرجل حتى أخذ كأس الماء وتناوله بلهفة وارتباك . قال له الرجل : ( إن أشياء كثيرة يمكن أن تحدث، أنني أُريد مساعدتك، صدقني أنك لو انتبهت قليلاً لأصبحت في أحسن حال ) . أراد الرجل الجالس على الكرسي أن يتكلم لكن الرجل الواقف اقترب منه وهمس في أذنه : ( لا تتكلم معي .. معهم ..معهم .. أنا لا أُريد منك شيئاً .. ) انتبه الرجل الجالس على الكرسي، فوجد صوت وهيئة الرجل الواقف أنثوية بشكل غريب، أنثوية حتى توقع بأنه فتاة بثياب رجل. ولم يكد ينتهي من هذا الالتباس حتى أخذ الرجل الواقف يده وبدأ يحتك به لكن الرجل الجالس سحب يده بسرعة وارتباك، فضحك هذا وقال له : لقد نسيت الشاي، تفضل، هل تريد كأس ماء آخر ؟ هل تريد شيئاً آخر ؟! أنت مسؤول كبير ، أليس كذلك ؟! مسؤول كبير وقالوا لك لا تتكلم، أليس كذلك ؟! وتتصور أننا لا نعرف شيئاً، أليس كذلك ؟! 

ثم تركه وخرج !! نعم إنه بحاجة إلى كأس ماء آخر ، لثلاث أو ثلاثين كأساً، لكنه لم يطلب شيئاً، فقدَ الرغبة بأي شيء، فقدْ أثارَهُ تعبير ( مسؤول كبير ) !! من أين جاءتهم هذه الأخبار ؟! مسؤول كبير !! لم يكن مسؤولاً كبيراً ، كان مسؤولاً ثانوياً، لكن هذا من زمان طويل. منذ ما يقارب التسع سنوات. ومنذ ذلك الحين لم يعد له علاقة بالحزب. وبعد كل تلك السنين تغير هو وتغيرت الأمور تماماً. لم تعد له أية علاقة بأحد. الذين عمل معهم لم يعد يرى أحداً منهم. بعضهم ترك السياسة مثله وتفرغ لأعماله الشخصية. أحدهم قُتل في ظروف لم يعرف أحد حقيقتها. البعض الأخر اختفى. هناك أناس غادروا العراق ولم يعد يسمع أخبارهم .. أي مسؤول وأي كبير !! وإذا أصروا على تصورهم حوله، فأي صمت وأي اعتراف سينفع معهم ؟! شعر الرجل برعب بارد يدب في أوصاله فقرر أن يقول الحقيقة. أن يتحدث عن كل ما يعرفه. أراد أن يصيح أن يناديهم .. أن يقول مثلاً : يا جماعة رجاءً ..

لكن وقبل أن يفتح فمه، انفتح الباب ودخلت فتاة مرحة بشعر قصير ، بتنورة سوداء وقميص فضي .. دخلت وهي تضحك، كانت بيدها صينية عليها رغيف خبز وقطعة جبن وقدح شاي وكأس ماء. فكان أن نهض الرجل عن الكرسي، أخذ الصينية من الفتاة وقال لها : تفضلي ، تفضلي أرجوك . فردت عليه وهي تضحك : لا ، لا أستغفر الله، معقولة !! تفضل أنت، عد إلى كرسيك، أنا أصلاً لا يحق لي الجلوس ..

لكنه وضع الصينية على الأرض وقال لها : أرجوك، أريد أن أتكلم، أقصد أريد أن أعترف على كل شيء، كل شيء ..

ضحكت الفتاة بصوت مرتفع وهي تقول : عظيم .. عظيم، هذا أمر جيد، هكذا تكون أنقذت نفسك. تفضل الآن استرح وتناول فطورك. كلامك سيكون معهم، معهم .. هذا ليس شغلي ) خرجت تاركةً الباب موارباً فتناهى إلى سمعه عزفُ عودٍ بغداديٍّ عذبٍ بشكلٍ غريب، استطاع أن يتحسس عذوبته رغم شحوب روحه وارتباكه، لكنه انتبه أيضاً متذكراً بأن الفتاة هذه هي نفس الرجل الذي دخل عليه في البداية !! استغرب من الأمر لكن هواجسه وشحوب روحه وقطعة الجبن وكأس الشاي، كل هذا لم يسمح له بالتفكير كثيراً حول هذه المفارقة. تذكر أنها قالت له أن يظل جالساً. أن لا يغادر الكرسي لكنه أحس بحاجة للذهاب إلى التواليت، سعل عدة مرات متتالية فدخل عليه رجل بثياب عسكرية، قال له : تعال، مشيراً إلى مكان التواليت .. هناك كان يسمع عزف العود بشكل أوضح. عندما عاد ترك باب القاعة مفتوحاً. تناسى توصية الفتاة متمشياً في نهاية الغرفة جيئة وذهاباً .. كان يشعر بأنه مخذول ومحاصر ولا يعرف متى يعتدون عليه أو يقتلونه، استغرب من هدوء المكان فهو لا يشبه دوائر الأمن المعتادة. داهمه خوف مفاجئ. فكر بأنهم ربما يعتقدون فعلاً بأنه مسؤول كبير، وبالتالي فهم سيطلبون منه اعترافات عن أحداث وأشخاص لم يرهم من قبل .. لذلك فقدَ القدرة على التواصل مع أنغام العود، مع هذا الرنين الذي أخذه بعيداً إلى شواطئ وبساتين شاعراً للحظات بدفء تنور ورائحة خبز حار ، انتابته رغبة بالبكاء لكنه انتبه لنفسه، إن حالة ضعف قد تكسره وَتُفقده القدرة على إقناعهم بأنه بريء وجميع ظنونهم حوله لا صحة لها .. سيوضح لهم أن معلوماتهم قديمة، سيؤكد لهم ذلك بالأدلة والتواريخ. لكنه فجأة تذكر الرجل الثمانيني الذي سقط ومات، وتذكر الولد الذي لم يُعرف مصيره منذ أكثر من ثلاثين سنة، تذكر أهله وزوجته وطفلتيه، فأحس بوطأة ذلك على حالته، حاول أن ينسى، أن يهيئ نفسه لما ينتظره من مفاجآت قد تؤدي بحياته ..     

عندما دخلت الفتاة وجدته جالساً على الكرسي. كانت تضحك، تضحك وتقول له : إن توقعاتك صحيحة، أنا فتاة ولست رجلاً، لكن مُقدم ( جلال ) يريدني هكذا أحياناً، يجعلني أرتدي ثياب أحد الرفاق ويجعله يرتدي ثيابي لينام معنا معاً، معاً ) شدّدتْ على الكلمة الأخيرة وهي تضحك مستطردةً : ( هل تودّ أن تنام معنا ؟! أنت مسؤول كبير أليس كذلك ؟! ) واقتربت منه ومدت يدها إلى وسطه لكنه طفر من على الكرسي. قال : ( أرجوك أعصابي تعبانة وأنا الآن .. ) 

-       أنت مطلوب الآن، تفضل، المقدم جلال يريدك ستنام معنا معاً...

سار الرجل وراء الفتاة وهو حائر ومضطرب، لاحظ أنه مضطرب أكثر من اللازم، حاول أن يتوازن لكن دون جدوى ...

أشارت الفتاة إلى باب مغلق، قالت له أن يفتحه ويدخل. وجد أمامه نفس الرجل المقدم ( جلال ) جالساً وراء مكتب أنيق وكبير، كان يدخن والغضب بادٍ عليه. أشار عليه أن يجلس فجلس. نهض المقدم ليقف وراءه ساحباً ياقة قميصه إلى الوراء لينفض رماد سيجارته على رقبة الرجل الذي اضطرب نافضاً جسده وكأن قشعريرة مفاجئة دبت به. مسكه المقدم من شعره وهو يقول : قررت أن تعترف أخيراً يا ابن الكلب، أتعرف أن اسمك موجود عندنا منذ سنوات طويلة. اسمك الحركي يا ابن الكلب، ولم نستطع العثور على اسمك الحقيقي إلا في الأيام الأخيرة. تسموننا أولاد كلب، أليس كذلك ؟! من هم أولاد الكلب يا ابن الكلب ؟! نحن أم أنتم ؟!

حاول الرجل الجالس أن يعتدل في جلسته فلم يستطع. أراد أن ينهض لكنه شعر بثقل غريب على رأسه، توقع بأن المقدم سيضربه على رأسه فأحس بأن الدنيا تنهار عليه، أراد أن ينهض راكضاً ليضرب رأسه بالجدار، لقد نهض فعلاً لكن المقدم وضع كفيه على كتفيه وأعاده إلى جلسته، تهدم قلبه بدأت أعصابه تنهار ولم يعد قادراً على التفكير  بشيء. ودَّ لو أن المقدم يتحرك من مكانه، أن يأتي ليقف أمامه أو يعود ليجلس وراء المكتب. لكن المقدم ظل يضغط على كتفيه، ثم تحرك فجأةً وسأله بحنق وغضب : من هم أولاد الكلب يا ابن الكلب ؟! نحن أم أنتم ؟!

-       أنتم ونحن سيدي ...

-       ماذا ؟!

-       نعم أنتم ونحن ...

ضحك المقدم بطريقة هستيرية، ظل يضحك وهو يسب ويلعن ويتلوى من الضحك : كلنا أولاد كلب يا ابن الكلب ، كلنا ؟!

-       أكيد .. أكيد

توقف المقدم عن الضحك وبدا مضطرباً ومقهوراً ، عاد ليجلس وراء المكتب، أشعل سيجارته وهو يقول : طيب .. طيب، أعترف الآن ..

كان الرجل جاحظ العينين محطماً يابس الريق، باغته وجع في كتفيه، حاول أن ينهض فلم يستطع. قال بصوت جاف ومرتبك : لن أعترف، لا يوجد لديَّ ما أقوله، لم أعد أتذكر شيئاً. أعرف فقط بأنكم كلاب، كلاب أولاد كلاب، أولاد ستين كلب .. تف .. تف .. تف ....

دمشق 1992

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )