العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

                تطهير  الذاكرة الجسدية  في الفضاء  البصري

 

                                  د. فاضل سوداني

 

المسرح قضية حضارية أساساً  ، ينشأ ويتطور في المدينة الحضارية وتحتمه تكاملية  المجتمع المديني . ولهذا فان أي تفكير بجوهر وماهية المسرح هو بحث قوامه وطبيعته اجتماعية و فلسفية وجمالية وفينومينولوجية ـ ظاهرا تية  ـ أيضا ..  وبالرغم من ارتباط المسرح بالمثيولوجيا والطقوس الدينية لمختلف المجتمعات القديمة ،  إلا أنه كان ـ ولايزال ـ يعبر بشكل بصري عن  التصورات والأسس الفكرية والفلسفية والمشكلات  الاجتماعية  للإنسان  .

 وقبل نشوء الفلسفة  ، شكلت الأسطورة التي كانت  قادرة على  تفسير العالم والكون ،  الأسس الفلسفية لحضارات وادي النيل والرافدين والحضارة اليونانية وحضارات الأبيض المتوسط  ، فامتلأت ساحات المدن ومعابدها  بالطقوس البدائية والنصوص الأسطورية والدينية واللتورغيات التراجيدية . ومن خلالها نستطيع أن نكتشف الكثير من المفاهيم الفلسفية والدينية  والجمالية التي امتزجت بالحياة الاجتماعية آنذاك والتي لها إمداداتها وانعكاساتها في حياتنا المعاصرة ، مما يؤكد القدرة الديناميكية الشمولية ـ التجاوزية  للعقل المشاكس لإنسان الحضارات القديمة الذي اعتمد السؤال كمنهج لتفسير الظواهر . والسؤال بدء المعرفة يؤدي  إلى  تراكمات معرفية و حضارية ، فيدهشنا  البعد الاختراقي لهذا الفن  الأسطوري ـ الطقوسي  .

 

غير أن الإنسان وبالتالي البطل المسرحي  تمسك  بحريته في جميع الأزمنة  ، وزاد عناده في تطوير معارفه من خلال  التزامه السؤال والبحث  ، وبهذا  فأنه اختار ذاته وحريته الفردية ، وشخص  مأساته بل حتفه في الكثير من الأحيان  

فامتزجت  أسطورة الإنسان وأحلامه العجائبية المدهشة بالحياة الاجتماعية للمدينة من خلال التعبير عن جوهر المشكلات التي كانت  تقلقه في مختلف العصور وبشتى أشكالها المعقدة  وبهذا فأنها  شكلت  الكون  الطقوسي  ـ الأسطوري والحلّمي والواقعي للمسرح .

لذا فان المسرح بالنسبة لي  هو طقس له علاقة بالحاضر  دائما كفضاء ابداعي  في الطقس  ، هذا الزمن الذي تتلامس فيه الأزمنة .. الماضي والمستقبل .. لتخلق زمناً رابعاً هو الزمن الابداعي .

 

و الوسائل التي تجسد هذا الزمن هي  النص المسرحي البصري  و المخرج  الرائي وكثافة وجود جسد الممثل في  الفضاء الابداعي الملتهب كذاكرة مطلقة وخزين  مثيولوجي  وعلاقته بالأشياء والكتل  لتجسيد وتكامل الرؤيا السرية للعرض الطقسي  . وهذا يعني تحقيق فن النوايا الخفية ، فن الايماءة والحركة المشحونة بالمعنى المطلق والمستحيل والأسرار الخفية للشعر الذي ينتجه الجسد المادي  . إنه رؤيا السر المباح .

 

التمثيل  ـ والجسد .... موسيقى المهارة

إن وجود الممثل في الفضاء في علاقة ديناميكية مع المادة او الشيء هو من أجل انتاج الصورة الشعرية غير الكلامية التي تمس الزمن الميتافيزيقي ـ والوجودي  ، لان جسد الممثل يمتلك طاقة إبداعية تعبيرية   يمكن اطلاقها من خلال مفاهيم انتونين آرتو وغروتوفسكي ومايرهولد  وطقوس الوجد الصوفي الاسلامي   .

 

ولهذا فان فضاء الطقس المسرحي  يكون مُعَبِراً فقط من خلال لغة الهذيان الإبداعي للجسد وارتباطه بالمادة أو الأشياء التي  يتعامل معها . حيث أن المادة  أو الشيء في الفضاء  الطقسي يكون  لهما وجودهما المستقل والمعبر ،  كما أن الجسد هو مادة وشكل وصورة له وجوده وإيقاعه الخاص في فضاء الطقس .

 

إن هذيان الجسد التعبيري يؤدي إلى هذيان الأشياء المحيطة ، فيعديها ويحدث نوع من التحول في وجود  الاشياء التي يتعامل معها الممثل . وعندما تدخل هذه الأشياء في العملية الفنية أو في المملكة التعبيرية للمخرج و للممثل فأنها تفقد وظائفها الحياتية الواقعية ويمنحها الممثل والعرض معاني ووظائف جديدة لها إيقاعها ومكانها في الفضاء والزمن .

 

 

 

ذاكرة الجسد وذاكرة الاشياء

و من خلال  مفهومنا للبعد الرابع للزمن يمكن التأكيد  من خلاله على أن جسد الممثل يشكل لغة متجسدة في الفضاء ، فهو ذاكرة وخزين مثيولوجي كما أسلفنا ، لأن الممثل يتعامل مع الزمن الفني والإبداعي او الزمن الميتافيزيقي ( في البعد الرابع ) باعتباره " زمن فوق الزمن " أو كونه  " زمناً احتفالياً " (مصطلحين  استخدمهما   د. انطوان معلوف ) .

ولو استخدمنا  جسد الممثل  باعتباره ذاكرة حية لها امتداداتها المثيولوجية  والتاريخية للتعبير عن  تكامل الزمن الإبداعي  صورياً ، لفرضَ هذا الأمر أن يكون  الممثل وجسده   مهيئاً للتعبير بصرياً عن  تلامس  الأزمنة  الثلاثة ( الماضي والحاضر والمستقبل  ) ، لينتج بعداً رابعاً هو البعد الإبداعي  .

دائرية اللحظة الابداعية وكينونة الممثل المتوهجة

وتحقيقاً لهذا يمكن أن نورد مثلاً من المأساة الأغريقية  المعقدة  أوديب الملك لسوفوكليس   باعتبار أن الزمن الإبداعي الذي يرغب الممثل من خلاله  التعبير عن أبعاد هذه المأساة هو  زمن  يتلامس ويتداخل  فيه الحاضر  ( انتصار أوديب على وحش المدينة وزواجه من الملكة ـ أمه ـ ) بالماضي ( التاريخ الذي يجب ألا ينساه الممثل ، وهو محاولة قتل  أوديب الطفل و التخلص منه برميه في العراء ليموت خوفاً من تحقيق النبوءة التي تفرض عليه  بأن يقتل أباه ويتزوج أمه ) بالمستقبل (الذي يحتم اصرار البطل  لملاقاة قدره عندما يكتشف الحقيقة حتى وإن أدى ذلك إلى انهياره المأساوي المريع ، و من خلاله ينقاد كالذبيحة المدنسة إلى مصيرها الجحيمي ) .

 

لذلك فأن ممثل أوديب   في الوقت الذي يفكر في حاضر الحدث والشخصية (الآن ) ( كنتيجة ) عليه أن يبني أبعادها وأن يستمد  لغته الجسدية البصرية  والتعبيرية في  العرض الحاضر ، ارتباطاً بالماضي المأساوي مؤثراً وممتداً للمستقبل الذي هو الأكثر رعباً ومأساوية .

إن سعادة الحاضر  القصوى  بالنسبة  إلى أوديب  نتيجة لانتصاره وتتويجه ملكاً بعد زواجه من الملكة( أمه ) ممزوجة بتلك اللعنة التي اطلقتها الالهة بحقه في الماضي  ( النبوءة  )  . ومرتبط أيضا بالانهيار المأساوي المستقبلي  عندما يعي الحقيقة .إذن حاضر الممثل والشخصية هو في ذات اللحظة ممتد إلى الخزين االتاريخي والأسطوري للماضي وما ستكشف عنه الحقيقة في المستقبل الذي يعتبر التحاماً بالماضي وعودة للنبوءة . إذن اللحظة الإبداعية تبدأ لدى الممثل من الحاضر وتلامس   الماضي والمستقبل لتعود إلى الحاضر مرة أخرى  بحركة دائرية . والدائرة كما هو معروف ترمز للأبدية  ، وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد بدائرية اللحظة الإبداعية ودائرية كينونة  الممثل في فضائه الوجودي والسينوغرافي وعلاقته بالأشياء  التي تمتلك كينونتها  الديناميكية في فضائها الطقسي البصري أيضا  الذي لا يتكامل إلا بوجود الممثل    . فلو تصورنا دائرية اللحظة الابداعية  بهذا الشكل لاكتشفنا :

 

                                         

 

 بأن هذا التوضيح يؤكد على أن اللحظة الإبداعية  الحاضرة ترتد إلى الماضي وتغتني به وتحمل تنبؤات المستقبل ومرة أخرى تدور نحو  الحاضر . إن هذه الحركة تؤدي إلى غنى حقيقي لفعل الممثل الإبداعي وإلى التلامس الزمني ومن ثم تكاملية اللحظة الإبداعية ، وهذا يعتمد على منهجه في دراسة الشخصية  واعطائها بعداً جديداً  إلى ميتافيزيقية اللحظة الإبداعية في العرض الذي يعتمد أساسه على النص البصري الذي ندعو إليه  .

وبالتأكيد فأن مثال الملك أوديب  يوضح الأسلوب الذي سيتبعه الدراماتورج  في المستقبل  لكتابة نصه البصري المستقبلي  في المسرح البصري والرؤيوي  ،  حيث من الضروري أن  يعبر الممثل  من خلال الشخصية عن تلامس الأزمنة  الثلاثة  كما أوضحنا   .

وهذا المفهوم يمنح غنى وامتلاء للزمن في العرض المسرحي البصري  ( الآن ) لأنه في الوقت الذي يؤكد فيه على حاضرية العرض  الذي يحدث  أمام المتفرجين ويضج في دواخلهم ، وحاضرية اللحظة الإبداعية،  فأن زمن الطاقة التعبيرية للممثل  يتلامس مع الماضي والمستقبل  في ذات الوقت .

 

ماهو هذا الحاضر ؟  . إنه حاضر العرض الجاري أمام المشاهدين ، إنه انبعاث زمان بأحداثه وشخصياته ، انبعاث يتوجب على المشاهدين أمامه أن ينسوا أنه الماضي ، إنه خلق وهم حقيقي بالحاضر حيث يذوب الممثل بالشخصية التي يمثلها ( عندما يمثل  أوديب )  كما يذوب الزمن الممَثل على الخشبة مع زمن المتفرجين في الصالة .

 

ميتافيزيقيا الذاكرة الجسدية

وضمن ما افترضناه في مفهوم جسد الممثل كذاكرة  تعبيرية ، فأن اللحظة الإبداعية  في الفضاء البصري  هي تلامس وتوحد الأزمنة الثلاثة في ( الآن  ) أي في زمن واحد ( هو زمن البعد الرابع الذي يؤكد  دائما بضرورة   الاحساس بهذا  التلامس الزمني ، وهو الزمن الإبداعي الذي يوحد هذه الازمنة الثلاثة ويكون نتيجة لها ،تؤكد طبيعة الرؤيا الإخراجية التي يجب بالضرورة أن تكون رؤيا بصرية  )

ومن جانب آخر فأننا عندما نؤكد بأن جسد الممثل في مفهوم الطقس البصري هو خزين مثيولوجي وتاريخي حيوي  ، فهذا يعني خضوع هذا الخزين لتحكم وسيطرة " الذاكرة المطلقة  " الغنية  بالمعرفة الكلية  ( مصطلح بوذي يورد ه  مرسيا إلياد ) وأستطيع القول بأن ديناميكية خزين جسد الممثل في الفضاء وتعامله مع الاشياء وتحولاتها تفرضه قدرته على التحول من " المعرفة الذاتية "  الضيقة التي تعنى تاريخ الممثل الذاتي و المعرفي   إلى " المعرفة الكلية " أي إلى الذاكرة الجسدية المطلقة  لأسرار الإبداع  الخفية والماورائية  بما فيها الأسرار التعبيرية والرمزية والمثيولوجية ( الأسطورية ) ، فيصبح الجسد المتوهج في فضاء الطقس  أحد وسائل التعبير عن هذه الأسرار .

لأن الممثل عندما يستخدم جسده في فضاء غير ديناميكي  و زمن واقعي مملوء بالفراغات والانزياح  سيتم التأكيد فيه على التاريخ الذاتي أو الذاكرة الجسدية الذاتية فقط .وفي هذه الحالة أي عندما لا يفهم الإنسان إمكانيات جسده يقع في التعبير الشكلاني  التجريدي للجسد والروح معاً فيتحولان إلى  شرك  للممثل بالتباسا تهما وغموضهما .

ولكن عندما يستخدم الممثل الذاكرة  المطلقة والمعرفة الكلية بامتزاج الأزمنة كما مر بنا ( على اعتبار الجسد  خزيناً مثولوجياً وتاريخياً ) فأن الممثل يصبو نحو التخلص من  ( شرك الجسد غير المتوهج وغموض لغته  ) عن طريق تلامس الأزمنة الثلاثة لتتجوهر في زمن ميتافيزيقي  إبداعي ( أعني البعد الرابع ) وكذلك  عن طريق  التكامل الفني  التعبيري الذي يتحقق بإبداع الرموز والإحالات والدلالات الرؤيوية ـالبصرية والعلامات السرية التي يختزنها في جسده وروحه  .

 وكذلك استخدام لغة الألغاز والتعاويذ والصور التعبيرية  للوصول إلى الحرية وانقاذ ذاته من التكرار الساذج والتقليدية والموت الفني وبمعنى آخر امتلاكه للذاكرة  المطلقة ، حيث أن  هذا الامتلاك هو " يقظة " لجسد وروح  الممثل ويشكل الشرط الأساسي للتكامل الفني أي النيرفانا الفنية . إن التعامل مع الجسد بذاكرته المطلقة هو الكتابة البصرية والرؤيوية الغارقة في مجاهل الأحلام والواقع في الآن ذاته  إنه الهمس والحوار الداخلي الذي يضج بين الممثل وكينونته المطلقة وبين  وذاكرة الأشياء التي تخلق وجودها في الفضاء المسرحي . 

لهذا يمكن الحديث عن ذاكرة جسد الممثل  وذاكرة الأشياء وإعطاء  غير المرئي الكامن في الشيء شكلاً مرئياً ووظيفة  بصرية أخرى غير وظيفتها الواقعية  .

   فجسد الممثل هو وجود وكينونة وطاقة مشبعة بالدلالات والرموز البصرية  ـ والسميولوجية . وكما يمكن التواصل بالكلمة  كذلك يمكن تحويل الجسد إلى لغة تعبيرية من خلالها يمكن التواصل مع الجمهور بمفردات لغوية رؤيوية وبصرية .

وبما أن الطقس المسرحي يستوحي شكله وأساليبه من الحياة والحلم والطقوس ويحدث الإبداع وتلامس الأزمنة عادة عندما يدخل الواقع ضمن شروط الفن الجمالية . فخلق قدرة الفنان ـ الممثل ـ المخرج  الإبداعية  الإشعاعات  التعبيرية السرية مع الجمهور .

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )