نصرت مردان
إن ثراء
التجربة و الإبداع الشعريين الذي يمثله باقتدار
متميز عبد الوهاب البياتي ، يعكس بوضوح لا
يقبل الشك الحالة المتقدمة التي وصل إليها
الشعر العربي المعاصر . إن الحالة الشعرية
التي يمثلها البياتي تعكس أن الشعر العربي
ليس في أزمة في أيدي فرسانها الحقيقيين .
كما أن الحالة الصحية المتميزة في شعر
البياتي تكشف من جانب آخر أقصى درجات
الصحوة التي يعيشها الشعر في عصرنا . و ما
تواصل الترحاب التي يقابل به البياتي و
شعره حتى بعد وفاته في مختلف لغات العالم
إلا دليل ساطع لا يرقى إليه أدنى شك في أن
البياتي من الشعراء القلة الذين يمتلكون
معرفة سر الإبداع الشعري ، وكثف دهاليزه
للتعبير عن أصالة التجربة الإنسانية و
نقائها و فرادتها في مفردات شعرية تجد
صداها المتميز في بقاع شتى من العالم بهذه
القناعة الأصيلة و الشهادة التي أؤمن بها
كامل الأيمان ،عشت عام 1976 تجربة ترجمة نصوص
البياتي الشعرية إلى اللغة التركية خلال
سنوات دراستي في تركيا .و رغم امتلاكي
لناصية هذه اللغة إلا أنني حرصت أن تكون
هذه التجربة في حجم الاحترام الذي أكنه
لشعر البياتي . اتفقت مع الشاعر التركي
توركاي كوننج ( وهو أحد شعراء حركة التجديد
الثانية التي تعتبر أهم تيار شعري حداثوي
في الشعر التركي المعاصر ) حيث انبهر
تماماً من خلال إطلاعه على مسودات ترجمتي
بلغة البياتي الشعرية ، ووافق على أن نعمل
معاً لصياغة النصوص المترجمة من قبلي
شعرياً . كنا نلتقي ثلاثة أيام في الأسبوع
في بيته و نعمل معاً في ترجمة إبداعات
البياتي الشعرية وكثيرا ما كان يحدث أن نستهلك
الكثير من الوقت للاتفاق على معنى ملائم
لبيت شعري أو مفردة شعرية معينة .
كان مبرر هذا الحرص
دائماً هو احترام إبداع البياتي الشعري .
وقد تحقق ما كنا نتمناه ، فقد أحدث نشر
قصيدتي البياتي ( القربان ) و ( الى رفائيل
البرتي ) في مجلة ( صويوت ـ التجريد ) في 1976 و
بعدهما ( كتابات بعض المحكومين بالإعدام
بعد سقوط كومونة باريس ) و ( مرثية الى ناظم
حكت ) في 1977 حالة من الدهشة الممزوجة
بالإعجاب متأتية من عدم توقع المثقفين
الأتراك من وجود شاعر عربي عراقي يتساوى في
حجم إبداعه الشعري مع ناظم حكمت و اراغون و
بابلو نيرودا .
.إن الإعجاب الذي
صادفته النصوص الشعرية المترجمة للبياتي
لا يعود الفضل فيه في رأيي إلى جودة
الترجمة لأنها لم
تكن إلا انعكاساً صادقاً لحجم الإبداع
الشعري في تلك القصائد. و مما يشرفني أن
أكون أول من حقق للبياتي إحدى أغلى أمانيه
التي طالما عبر عنها وهي ترجمة المقدمة
التي كتبها ناظم حكمت عن البياتي عند صدور
ديوان ( القمر الأخضر ) باللغة الروسية و
التي نشرت في مجلة ( اولوشوم ـ التكوين ) عام
1978 .وقد ترجمتها إلى التركية حسب النص
العربي لمقدمة ناظم حكمت التي نشرها
البياتي في كتابه ( تجربتي الشعرية) .
إن
انبهار الوسط الثقافي التركي بشعر لبياتي
أدى إلى أن يكلفني القاص أحمد صاي و الذي
كان يتولى رئاسة تحرير مجلة ( توركيه
يازيلاري ـ كتابات تركية ) بإعداد ملف خاص
عن البياتي . و حينما أرسلت رسالة للبياتي
حول الموضوع خص المجلة بقصيدة حديثة و بنص
أدبي خاص بالمجلة أيضا بعنوان ( نار الشعر
التي لا تخبو ) كما ترجمت للملف عدداً من
قصائد البياتي . وقد صدر هذا الملف عام 1979 .
لا أزال
احتفظ باعتزاز بالنص الذي خص به البياتي
مجلة ( كتابات تركية ) بخط يده . و احتفظ أيضا
ببعض الرسائل التي كان يرسلها لي من مختلف
دول العالم . و في هذه الأيام التي لا يزال
البياتي يشغل حيزاً هاماً في المجلات
الثقافية ، والصفحات الأدبية في الصحافة
العربية يسعدني أن يشاركني قراء (موقعكم)
قراءة ( نار الشعر التي لا تخبو) :

|