|
د.إسماعيل نوري الربيعي
الثقافة
والاستجابة الفاعلة
يقف العرب في ظل
هذه اللحظة الراهنة،وهم في أشد حالات العجز
والوهن والاضطراب.وإذا كان مكمن العجز
يتبدّى في الواقع السياسي،هذا بالاحتكام
إلى طبيعة توزيعات القوى وترسيمات
العلاقات الدولية،ومقومات السلوك السياسي
الذي يميز هذه القوة السياسية عن تلك،فإن
واقعا آخر يتمثل فيه الضعف وقلة الحيلة إلى
حدّ الاضطراب،يبرز في المجال الثقافي.ومن
دون التوسع في طبيعة الأنشطة الداخلية التي
تميز المجتمعات.فإن القول حول التباطؤ في
الفعاليات الداخلية وعلى مختلف
المستويات،يكون بمثابة النتيجة
المنطقية،لحالة الخلل التي تفرد قسماتها
على الواقع.فإذا كانت القطاعات الرئيسة من
الحياة تعاني الوهن والخلل،فإنها تكون
بمثابة العدوى التي تستشري أعراضها على
مختلف المفارق والمفاصل.
إن الارتباط
الذي تحققه الثقافة في المجال الاجتماعي
بوصفها أداة استجابة للواقع المعاش،تبرز
عن هذا التقاطع الفاضح بطبيعة الدور
الطليعي الذي يجب أن تضطلع به،هذا بحساب
المأمول والمرغوب فيه.والواقع أن الثقافة
العربية بوضعها الحالي تفصح عن التأثر
الشديد والبالغ،بطبيعة البيئة والمحيط
الذي تعيش فيه.حتى لتكون تجلياتها والنتائج
المتمخضة عنها نتاجا شديد الموضوعية لهذا
الاختلاط وسوء التدبير الذي يحيط بالمجتمع
العربي برمته.
الوقوف على حافة
التحدي الدائم،والانغماس في الاستجابات
الناقصة،يكون الملمح الأشد حضوراً
وتمايزاً في المفاصل والقسمات الثقافية.وبقدر
الفشل الذي يتبدى من خلال الترهل وسوء
الاستغلال للموارد والطاقات
والكفاءات،فإن الثقافة بدورها،تكون هي
الأخرى من ضحايا هذا الواقع المتردي.وإلاّ
فإن تحميلها مشروع قيادة المجتمع نحو
النهوض والتقدم،سيكون إثقالاً وتمثلاً لا
يمت للواقع بأية صلة.ومهما تعالت الأصوات
برفض التخلف وتوجيه الأنظار نحو تحقيق
الغايات والآمال الكبرى.فإن الواقع يبقى
يمثل المساحة الكاشفة والفاضحة لمجمل
التفاعلات والعلاقات السائدة داخل النظام
الاجتماعي.ولعل السؤال الأهم هنا يتعلق
بالطريقة التي ننظر نحن بها إلى الثقافة،هل
هي غاية أم وسيلة؟هل هي سبب أم نتيجة؟ومن
هذا التعالق الذي يحيط برأس المثقف
العربي،وليس المواطن البسيط العادي يتم
تغييب الحقيقة في لجّة من ضياع الإدراك
والمقاصد والأهداف.فالأصوات ومنذ قرنين
تتنادى بالنهضة باليقظة والإصلاح
والثورة،لكن المنجز والمتحقق يبقى لصيقاً
بمستوى الواقع المباشر.فالثقافة مجال
اجتماعي حالها يكون كحال السياسة
والاقتصاد والتذوق الجمالي.
سؤال الغاية
التصلّب الذي
يسود وجهات النظر إزاء الثقافة كمضمون
ومدرك واعٍ ،يجعل منها واقعة تحت إسار هذه
الجاهزية،التي يدمجها البعض في مضمون
الهوية،باعتبارها أصلا غبر قابل للمداولة
أو حتى التداول في شروطه وأسسه.في حين أن
طبيعة الوعي بفكرة التقدم تفصح عن أهمية
توسيع مجال النظر بالمضامين المتعلقة بهذا
الكلي والشمولي بالثقافة ذاتها.ومن هنا
تحديداً يكون الوقوف على طبيعة النظرة إلى
مفهوم الثقافة لدى العرب،حتى لتكون
النتيجة التي يتوقف عندها بعض الباحثين
والملاحظين إلى المسألة الثقافية،والخروج
منها بتوصيفات من نوع البنية الثقافية
والمحدد والاستجابة.في انغماس تتوجه فيه
الغايات والأهداف،نحو تصور موّحد غير قابل
للمعاينة والمراجعة والتفحص والتدقيق.
لعل العودة إلى
سؤال الغاية والوسيلة،في الوضع الذي يحدد
طبيعة العلاقة ما بين المجتمع العربي
والثقافة من حيث الوظيفة التي يمكن أن
تضطلع بها،وأهمية الدور الذي تكون عليه.وعبر
تجربة التحديث التي عاشها العرب
والمجهودات البالغة التي بذلوها نحو ترصين
مجال الواجهات الثقافية،حيث التّطلع نحو
العناية بالتعليم والصحافة والطباعة.إلاّ
أن هذا الانشغال الطويل والذي يكشف عن مداه
الزمني،هذا التأصيل المرتبط بجهود
الرواد،وإبراز الكفاءات والخبرات،إنما
لينطوي على هذا الإدراك بالجوانب الخارجية.ولعل
النتائج التي يفصح عنها الواقع،تكون
بمثابة الدليل الملموس على هذا التطلّع
الذي اكتفى بالواجهات،فيما تم غض الطرف عن
التمثّل الأصيل لمفهوم الثقافة.
فقد انشغل العرب
جميعا رسميين وأهليين،بأهمية الحصول على
حظهم من هذا الميدان،الذي اعتقدوا فيه
المقياس الأهم للتقدم والتطوّر،حتى أنهم
وفي الكثير من الأحيان كانوا يتطلعون إلى
التفاعل العاطفي واتمام المظهر الاجتماعي.حتى
لتكون القراءة ذاتها وقد استحالت إلى فعل
تنحرف وظيفته الأصلية إلى مجال آخر،قوامه
المباهاة والتفاخر،وجعلها أداة للتمايز
الاجتماعي.فيما عكس الاتجاه الرسمي الصادر
عن المؤسسات التعليمية،عن هذا التوسع
الكبير والهائل في حجم التعليم وبمختلف
مراحله وأنواعه.إلاّ أن الحماس المفرط الذي
اندرجت فيه هذه المؤسسة،جعل مخرجات
التعليم تقع في هذا المأزق المفجع،والذي
انتج أفواجا هائلة،من المتعلمين
العاطلين،الذين يعانون من الإحباط وفقدان
الأمل بقيمة التعليم
ودوره في تغيير المجتمع.بل أن النظرة
القاصرة جعلت من الأمر المفيد عبئا يعسر
تفسيره والوعي به.
بحثاً عن الدور
لقد توقفت
الثقافة العربية تحاول رأب الصدع
فيها،فيما تكون بعض الدعوات وقد توجهت
لمطالبتها بأهمية أداء دورها،من خلال
الغور العميق في التفصيلات المتعلقة
بأحوال وشؤون الأمة.ولعل الفقدان الفاضح
لإمكانات الفحص والتقصّي،تكون بمثابة
العائق الأول والأساسي الذي يرتبط،بتحديد
هذا الموقف الذي يتخذه العرب إزاء الأحوال
المريعة التي يعيشون.والتي لم تقف عند مجال
غياب الاستقلال الحقيقي على صعيد
السياسة،بل كخطة تبرز ملامحها في المجال
الثقافي،الذي بات يفصح عن هذا المدى المقلق
من الاندراج في ثقافة الآخر المهين
والمسيطر.حتى غابت أو انعدمت ملامح الثقافة
العربية الأصيلة.وبات الحديث يكون على
هوامش هذه الأوضاع،يتعلق بالأصالة
والمعاصرة والذات والآخر.على طريقة إسقاط
الفرض،ومحاولة العبور إلى مجال توكيد
الحضور من دون الانشغال بمدى أهميته
وتأثيره على الواقع.
من أي مجال يمكن
للثقافة العربية،أن تنجز دور الترصّد
والحفز الحقيقي في مكنون العلاقات
الداخلية،وكيف يتسنى لها تحديد
الاستراتيجيات والفاعليات المؤسسة،من أجل
حفز القوى الاجتماعية وقيادتها نحو النهوض
من خلال رؤيا واسعة وشاملة،وليس استنادا
إلى الحماس العفوي والارتباط بالمعالجات
المباشرة المتعلقة بقضايا طارئة.
ما بين التوكيد
والإنكار يبرز مجال العلاقة الحاكمة بين
المجتمع والثقافة،فهذه الأخيرة ومهما بلغت
من الغايات والطموحات،فإن التعالق مع
المكونات المادية والمرتكزات الاجتماعية
التي تكون مادتها ومساحتها العاملة فيها
وعليها،تحدد فيها مجالات الاستمكان
والأهداف،بل وحتى الاتجاهات والتيارات
الفاعلة والناشطة فيها.فالثقافة ليست
المجال الخارج عن نسقية المجتمع والأحوال
والظروف المحيطة به.هذا مع أهمية الملاحظة
أن الثقافة هنا لا يتم التوقف عندها،بوصفها
وسيلة تجريدية تحاول من خلال التنظير بسط
هيمنتها على الواقع.في الوقت الذي تبرز
ضرورة تفاعل العامل الثقافي مع العوامل
الأخرى داخل المضمون الاجتماعي،من أجل خلق
المناخ المناسب والملائم،لتبني مشروع
الفعل نحو التغيير،وليس الإيغال في
التنظير من أجل التغيير،ولعل الفاصلة
هذه،تكشف عن عمق المأزق الذي وُضعت فيه
الثقافة،وأُريد لها أن تبقى جامدة تسودها
السكونية،وانعدام المبادرة،حتى غدت في
مجال التداول العربي،وكأنها الملهاة التي
يحاول الجميع إفراغ الهموم فيها.
القراءة الجديدة
لا غرو أن الواقع
العربي يكشف عن هذا الملمح العميق الذي يقف
عقبة في طريق الإنجاز العميق والفاعل
للقطاعات الأساسية داخل البنية الاجتماعية.وفي
ظل الاحتدام الذي يخيم على التفاصيل،يكون
العامل الثقافي وقد غدا نهبا للاستدراج
والتلّقي السلبي،بل والتلقين الساذج الذي
يودي به للوقوع في مهالك الفهم المبتسر
والإدراك المنقوص.حتى غدا المثقف العربي
نهبا للتأثر بالتيارات الجديدة والطارئة
من دون أن تبدر عنه مواقف حاسمة أو استجابات
واعية لحقيقة ما يجري من حوله.
وتحت وطأة الثقل
الذي تعاني منه مجمل القطاعات الرئيسة في
الحياة العربية،يكون الاتجاه نحو تلّمس
الأثر من هذا التعارض والتقاطع الذي يحيا
وسط مكنون الثقافة ذاتها.وإذا كان الاتجاه
السائد في الثقافة العربية واقعا تحت إسار
الضغط الذي تفرضه العوامل الموضوعية،فإن
هذا لا يعني انعدام إمكانية المبادرة من
قبل المثقف العربي من أجل أخذ دوره الطليعي
في مواجهة التحديات.والتي لا تأتي كما جرت
العادة،من خلال التوجّه نحو الشعارات
والشجب والتنديد والمطالبة بالقضاء على
هذا التيار أو ذاك.بقدر ما يستدعي الأمر
رؤية جديدة قوامها الاحتكام إلى القراءة
النقدية الصارمة والعميقة،المتطلّعة نحو
المزيد من تفعيل الأفكار والعمل على تفعيل
القيم من نطاقها المتخشب والمتصلب،إلى
مجال الاقتراب الشديد من الإدراك والوعي
الإنساني.
إن الحديث عن
الواقع المضطرب الذي تعيشه الثقافة
العربية في هذا الراهن المتداخل
بالاتجاهات والتزاحمات،لا يعني بأن دورها
قد توقف ولم تعد قادرة على التعبير عن ذاتها
أو إمكانية التماهي مع الواقع.ولعل الإجابة
تكمن في الدور التاريخي الذي لعبته الثقافة
العربية على مدى أجيال من المواجهات
والتحديات،إن كانت على مستوى التأسيس أم
الحفاظ على مقوّمات الأمة.ولكن تبقى مقومات
التفاعل الصادرة عن المثقف العربي،بمثابة
التأكيد على حيوية هذا القطاع،لكنها
الحيوية التي تحتاج إلى المزيد من الترّصد
والفرز والتدقيق،في مختلف الاتجاهات
والمؤثرات،والتي لا تتوقف عند الجوانب
النظرية،التي تحرص الكثير من القوى على حشر
الثقافة فيها.بل أن أهمية دور الثقافة يكمن
في الدور الأصيل والفاعل نحو ردم الهوة
القائمة بين النظري والواقعي،حيث تبرز
أهمية الرؤية الواسعة والشاملة نحو المزيد
من الممارسة الحية القائمة على التصورات
والمدركات المتطلعة نحو صميم الحياة
وتفصيلاتها،من خلال جعل الثقافة في صلب
الحياة،وجعلها المعبّر الحقيقي عن آمال
وتطلعات المجتمع.
|