العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

"خريف المدن" مجموعة حسين الموزاني القصصية

              المنفى يضرب أعمق العلاقات الإنسانية

 

                                                         سلام إبراهيم

في ثلاث من قصص المجموعة الأربع يخوض "حسين الموزاني" في موضوع المنفى والإنسان، في أمكنة وأجواء وشخصيات قصصية مختلفة، لكنها تجمع على وحشة الإنسان المنفي ولا معنى لحياته في تلك البقع الغريبة رغم أمان تلك الأمكنة وسلامها. فالنصوص تبحث عما هو جوهري في الوجود، فما دام الإنسان يحس بالوحشة والاغتراب فما فائدة كل الترف والسلام إذن.   

 إشكالية المنفى في أول نص "طريبيل" حادة، وعميقة، فثيمة تغيّر المنفي واختلاف أحواله وأحوال المكان الأول التي طالما خاضت بها العديد من نصوص المنفى، تأتي هنا مختلفة من حيث اختزالها لكثير من التفاصيل، فحدث النص يذهب مباشرة إلى أعمق علاقة بين الكائنات، علاقة الإبن بالأم وما يطرأ عليها من متغيرات تضرب عميقاً بذات الطرفين. هذه العلاقة التي من المفترض أن تكون راسخة لا تتغير تحت كل الظروف حسب ما هو شائع في الثقافات المختلفة والقصص والحكايات الشعبية ذات المغزى الاجتماعي. نجدها هنا تختل في محنة النفي المستمرة، وفي إرباك حدث القصة حيث يجري لقاء الإبن بالأم بعد عشرين سنة لمدة يومين. يبدأ النص بجملة افتتاحية مكثفة ومختزلة من لحظة إغلاق الهاتف بعد الاتفاق مع أم الراوي على اللقاء بعمان العاصمة الأردنية في الغد. وفي الطائرة المتجهة نحو الأردن نرجع مع الراوي إلى طفولته خلف السدة في بغداد، وهي منطقة فلاحين هاجروا من أرياف الجنوب إلى العاصمة في أواخر الخمسينات، وتفاصيل صغيرة حميمة عن حنو الأم عليه وهو يداس من قطيع جِمال، وهو يهرب مستوحشاً من صفعه فتلحقه وتعود به من ذلك المكان البعيد، ثم يتذكر بعض التفاصيل من طفولته الأبعد في ريف العمارة. بهذه الذكريات أضفى بعداً عميقاً للقاء المرتقب. كما أن العديد من الأحداث الثانوية في هذه الرحلة جاءت متوافقةً ومعمقة للثيمة المركزية فمتنت بنية النص وماسكته، ففي المطار يسمع حوار بين أحد العراقيين وشرطي الجوازات الأردني حول تابوت لشخص عراقي توفي في ألمانيا والذي نعلم لاحقاً من حوار بين الراوي وذلك الرجل. أن المتوفى يبلغ الخامسة والستين، وكان يلح في السنين الأخيرة " أريد أشوف العراق، أريد أموت بالعراق،أخذوني للعراق" (ص9). ومحنة عدم استقبال الفنادق في عمان للرجل بصحبة التابوت. رؤيته في الساحة الهاشمية غبشاً وجه عراقية تبيع الفول يشبه وجه أمه، وصف لحالة العراقيين المتواجدين في الفنادق والساحات والبارات في عمان، والحوارات المكثفة التي تجري بين الراوي ومن يصادفهم كذلك البدوي الأردني الذي جالسه في الحانة:

يقول البدوي ـ أول ما دخلت عرفت أنك عراقي.

ـ كيف عرفت أني عراقي؟

ـ "إني أعرف وجوه العراقيين عن بعد"، قال،"وجوههم صلبة حزينة."(ص17)        

اختلال العلاقة هو جوهر ما رصده النص وما ميزه عن غيره من النصوص التي تناولت نفس الثيمة. ففي أولى ساعات اللقاء تسرد له تفاصيل ما جرى للناس والمكان في فترة غيابه الطويل ليجدا "الأم والإبن" نفسيهما ساقطين في صمت وحيرة هما هوة سنين الفراق الطويل:"في الطريق إلى المطعم أصابنا الوجوم، أنا أفكر بلا جدوى الأسئلة، وهي ربما شعرت أنها قالت كل شيء. أكلنا بصمت، هي ببطء شديد وعينين شاردتين، وأنا تصرفت كما لو أنني أجاملها"(ص16).    فتتهرب من الخروج معه في المساء، وللخلاص من الصمت وتلك الفجوة يهرع إلى البار ليلاً ليسكر. ويتكرر هذا الصمت في اليوم التالي وفي مطعم أخر (ص23). ثم يتطور إحساس الأم بالفجوة المتسعة، وما طرأ على الإبن من تغيرات لاحظتها وسألته مراراً عنها إلى تصريحها عدم تحملها البقاء يوماً أخر. هو يعي ما أصابه من خراب في المنفى فيهرع إلى المرأة ليحدد طبيعة هذا الخراب الذي لاحظه بنظرات أمه:"اجتاحت جسدي رعشة خفيفة، نظرت إلى وجهي في المرآة، فبدا لي مثل قناعٍ مثلوم. بالطبع أني تغيرت، وعندما حدست الوالدة هذا التغيّر الداخلي أبداً. ربما أنا مصاب بمرض غريب مجهول دون أن أعلم به. مرض الوحشة؟ مرض الخوف؟ ما الذي تغيرّ بي إذن"(ص23). تشوه رؤية المنفي تجعله لا يرى فقط ما طرأ عليه من تغيرات لا يدرك ما هي وما أسبابها بل هو الأخر يجد بأهم رمز روحي لدى الإنسان "الأم" تغيرات يراها بعينيه الجديدتين اللتين تحرزان عماء عشرون سنة من المنفى " قد تكون الوالدة نفسها هي التي تغيّرت. ألم يختف ذاك البريق الخاطف في عينيها الصغيرتين"(ص23). هذه المحنة المركبة العميقة تجعله يتمنى الموت في تلك الليلة. وجعلته في اليوم التالي يحس بالضياع لفكرة سفرها في الغد فيعود طفلاً مذعوراً دونها: "أمسكت يدها وأحسست وأنا أقبض على أصابعها كما لو أنني طفل يخاف الضياع وسط الزحام"(ص25). وفي الليلة الأخيرة يصاب بحمى الفراق، فتنقبض روحه ويتساءل وكأن ذهابه سيضيعه من جديد: "سترحل أمي غداً، وأنا؟ وأنا؟ إلى أين سأرحل؟(ص26). هذا الخراب الروحي التام خراب مطلق لا علاج له حتى بوجود الأم التي يتوهم المنفي بأن يجد جوارها السلام وهي التي تراه وقد تغير تماماً، وأختلف تماماً عن إبنها الذي تعرفه كما هو حال أم الراوية التي لم تستطع أن تمكث مع إبنها سوى يومين ثقيلين، احتشدا بالصمت والارتباك. هذا النص الذي ينتهي بوداعها وعودة الراوي إلى الساحة الهاشمية يبحث عن وجه البائعة العراقية التي تشبهها يعد من أجمل وأكمل النصوص العراقية المكتوبة عن إشكالية المنفى.

في نص "دورية" ينقلنا السارد إلى أجواء الحرب الأهلية اللبنانية قبيل الاجتياح الإسرائيلي (1982) حيث يقوم الراوي العائد من معسكرات تدريب المقاومة الفلسطينية في الجنوب اللبناني، بزيارة صديق ورفيق له في بيروت الغربية "أبو سرحان" الذي أصيب على خط التماس وهو يحاول التسلل إلى سينمات تعرض الأفلام الإباحية بطلقة قناص، فقامت قيامة حزبه اليساري الطهراني، إذ طردوه من المستشفى بعد أسبوع معتبرين عمله لا أخلاقي مس شرف الثورة. ينهار باكياً شاتماً قسوة رفاقه، وشاعراً بأن العدو أكثر رحمة منهم. مما يجعل الراوي يبكي معه. هذا الحدث المركزي في القصة يطرح إشكالية الثوري المنفي في علاقته الملتبسة بقيم الثورة الطهرانية وما تفرضه الغرائز الإنسانية من رغبات مشروعة غير قابلة للإشباع في ذلك الوضع الملتبس. والمحنة لا تخص "أبو سرحان" فقط بل الراوي أيضاً وهو يرفض أن يعير صديقه المصاب مسدسه خوفاً من أقدامه على الانتحار كما يلمح النص، فيخرج إلى البحر والصباح ويحاول هو الأخر مدفوعاً بغرائزه الحصول على امرأة يصادفها على الساحل، لكنها تتركه فيخرج مسدسه ويطلق رصاصة في ضباب الفجر. لينهي النص بطلقة أخرى وهو يقول لنفسه: "لعلني انتشلها من المتاهة".(ص116)، يقصد نفسه.

نص "منصور الراهب" يحكي قصة جندي يهرب من الجيش وينجح في التسلل إلى خارج العراق، ثم يصل إلى ألمانيا. وهناك يدعي أنه من أصل ألماني مستنداً إلى قصاصة ورق عثر عليها صدفة تحكي قصة قس ألماني ضاع أثره في سوريا في القرون الماضية. النص فيه تفاصيل عديدة يعكس حياة شريحة من اللاجئين العاطلين الذين يعيشون على هامش الحياة الأوربية، أجواء لقاءاتهم في المقهى، همومهم حواراتهم. النص مبني على فكرة ضعيفة. عدا أنه يستطيل في سرد متدرج تقليدي، فيه العديد من الأحداث الثانوية، كحدث مضاجعة الشخصية المحورية لفتاة ألمانية، أو حدث دخوله ليلاً إلى مقبرة وخيالات الليلة المستقاة من أفلام الرعب الرخيصة في اختبار إرادة لا داعي له في سياق النص. كل ذلك أفقد القصة حبكتها، وجعلها مشتتة فبدت كرواية ملخصة بشكلٍ سيء.

نص "زيارة الهدوات" هو الأخر يخوض في موضع الاغتراب الوجودي، ويحكي قصة "جبوري" المحاسب في دائرة الضرائب. رجل جاوز الخمسين دون زواج يعيش حياة رتيبة ومملة في دوامة ثابتة بين البيت والعمل والمقهى. يبدأ النص بجملة ظرفية يخبرنا فيها السارد عن مغادرة "جبوري" البيت وهو في حالة شكٍ من نسيان المكواة مفتوحة. ويظل طوال اليوم مشغولاً بهذا الهاجس حتى عودته مساءً فيجد أنه قد فصل المكواة، لكنه يجد البيت محتلاً من قبل كائنات خرافية تشبه الذئاب بوجوه بشرية تحتجزه في البيت رابضة جوار الأبواب والنوافذ والشرفة. ثم يختلط السرد في مزجٍ متقن بين الواقع والخيال من خلال المنولوغ الداخلي للشخصية القصصية، التي تشكك في حيثيات الحوار الداخلي بوجود تلك الكائنات. ثيمة القصة واضحة عن قسوة الشعور بالوحدة التي تأرجح "جبوري" على حافة الجنون، ثم تؤدي به إلى تلك الأخيلة الخرافية التي تجعله يلف حول ذراعيه خرق أقمشة ويشعلها هاجماً عل كائنات مخيلته الخرافية. النص جميل سرداً ولغةً ولكن ما ينقص بنيته هو عدم عرض مبررات قوية ومقنعة لجنون الرجل في حياته الرتيبة الغامضة، فالسرد السابق لفعل الشخصية القصصية لم يلق الضوء بما يكفي لتبرير فعل الحرق مما أفقد هذا النص مغزاه.

لابد في الأخير من الإشارة إلى أسلوب الكاتب المميز ولغته المشذبة، فالسرد والوصف دقيق ومكثف لا زوائد فيه، يعبر بكثافة وبأقل ما يمكن من الكلمات عن الحالة الإنسانية. وممكن ملاحظة ذلك من الشواهد الواردة في المقالة، ومن هذا المقطع الذي يسرد حالة الشخصية المحورية القلقة وهو ينتظر وصول أمه إلى عمان في نص "طربيل": "فتحت النافذة لكي ألقي نظرة على ليل الساحة الهاشمية، لكن الظلام كان عميقاً. شعرت بصداع خفيف. جلست على حافة الفراش وأمسكت رأسي لكي أوقف الألم الذي أشتد. أخذت جرعتين قويتين من الويسكي وأشعلت سيجارة. انتابني حزن وشعرت أني رجل ضائع. غداً قد تأتي أمي وقد لا تأتي. حاولت أنام. وضعت المخدة فوق رأسي" (ص12). لكنه في الوقت نفسه أثقل النص بحوارات باللهجة العامية العراقية واللبنانية والفلسطينية طويلة لم تتناسب مع طبيعة السرد ولغته، ولا الموضوع وخصوصاً في النص الطويل "منصور الراهب" و "زيارة الهدوات".

ـــــــــــــــــــ

* خريف المدن ـ دار الجمل "ألمانيا".

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

         

 

 

 

 

"حافة القيامة" رواية "زهير الجزائري"

    بحث فني في طبيعة الديكتاتورية العراقية المحلية الفريدة

                                                                                          سلام إبراهيم

 

يتوج الكاتب والروائي العراقي زهير الجزائري بحثه الدؤوب عن ماهية السلطة الديكتاتورية وكيفية ترسخ سلطتها وآلية تلك السلطة في تسييرها لشأنها الداخلي، بنص روائي يبني مسار بلورة بنية تلك السلطة، من سلطة انقلابات عسكرية هشة ومتكررة إلى سلطة ديكتاتورية شديدة التركيز تخضع لفكرة رجل واحد لم يكن عسكرياً، يقرر كل شيء. وهذه السمة تنفرد فيها التجربة العراقية وما شابهها. وتميزها عن مثيلاتها في أمريكا اللاتينية. ومن هنا تميز هذا النص الروائي عن النصوص التي كتبها الروائيون اللاتينيون عن الموضوع نفسه ، كماركيز في "خريف البطريرك" وغيره.

ينسج الروائي نصه بتمهل مبتدئاً بمتابعة الشخصية المحورية ـ وهاب ـ، والتي بدت هامشية في فصول النص الأولى. فهو قروي يأتي إلى المدينة ويسكن مع أبن عمه "مجيد" الضابط في القصر الجمهوري "مجيد" ليتعرف عن طريقه على حلقة العسكريين المتآمرين والذين يوظفونه، كقاتل مأجور ينفذ عمليات الاغتيال للشخصيات السياسية والعسكرية المناوئة.. وأول عملية ينفذها صبيحة انقلاب عسكري، فيسجن بعد فشل الانقلاب. ومن السجن تبتدأ رحلته بخدمة العقيد الذي سيهرب لاحقاً من السجن ويقفز إلى كرسي الرئاسة بالدخول إلى القصر الجمهوري بطلقة دبابة وبعض الرصاصات هذه المرة.

خيوط السرد مرتبة على ثلاثة مسارات، متداخلة يتنقل بينها السارد في فصول قصيرة غير مرقمة. الخيط الأول وهو الرئيسي والأكثر حظاً في التفاصيل يجمع العقيد المسيطر على مقاليد السلطة بعد الانقلاب ومساعده القاتل المحترف "وهاب" الذي يتطور من مجرد قاتل وخادم في السجن إلى المساعد الأول للعقيد ومشرف على أجهزة القمع، الشرطة السرية والاستخبارات العسكرية مضافاً إلى تشكيله أجهزته الخاصة، و "يعقوب" الشرطي السري الذي يظل على دوره باختلاف السلطات. فعلى الرغم من أنه يدرب "وهاب" ويساعده في ترتب خبرته وبلورتها إلا أنه يظل في موقعه وكأنه الرمز المكثف والأبدي للشرطة السرية اليد الخفية الحارسة لأنظمة الحكم الديكتاتورية، و "سلطان" الرجل العسكري الغامض الذي نفذَّ الانقلاب بشكل عملي وأتى بالعقيد إلى الحكم، وقد عرضه النص زاهداً في الكرسي الأول ومدلهاً بالمباهج والملذات، "علاقته مع عشيقته الصغيرة"، والراقصة "بوسي" التي تقوم بمساعدة الانقلابيين بدعوة رجال الحكم السابق للسهر في بيتها ليلة تنفيذ الانقلاب. الخيط الثاني للسرد يتابع تفاصيل الضحايا وهم الطرف الأخر في الصراع، السجين "صادق" اليساري وحبيب "جمانة" التي تتحمل ضغوط عائلتها، أخوتها ، أزواج أخواتها العسكريين كي تتخلى عنه لكنها تضعف مع طول فترة مكوثه في السجن، فتضطر إلى ذلك بعد أن تعمل سكرتيرة للعقيد وزوجة له لاحقاً وهو الشيخ العاجز جنسياً، فيستحوذ عليها في المراحل الأخيرة "وهاب" لتتحول إلى رمز الضمير الجمعي المغتصب، والكاتب "وليد" وهو المثقف الذي يقع في تجاذب بين ضميره وما تريده السلطات، وشخصيات أقل أهمية كإسماعيل وخليل السجينين اليساريين في خلافاتهما حول أساليب النضال وطرق الوصول إلى السلطة والظروف الطبقية وما إلى ذلك من التفسيرات الماركسية اللفظية التي لم تفعل فعلها في حياة النص وتطوراته، في ترميز لشحوب دور المعارضة اليسارية في تلك الظروف الإستثنائية التي أتت بسلطة الدكتاتور، من هزيمة عسكرية وجفاف ومجاعة وبطالة وتمرد عسكري في الجبال، واضطرابات طلابية في الجامعات. الخيط الثالث للسرد يتابع السيد الحائري وأولاده وهو رمز للتيار الديني الذي لم يتغيب عن ساحة الصراع السياسي بل كان فاعلاً في فترة ما قبل الانقلاب العسكري بمنطق النص. الخيوط السردية الثلاثة يتتبعها الراوي العليم ببواطن الأمور مستخدماً الضمير الثالث في سرده المحسوب النسب والأوقات في تنقله من خيط إلى خيط. تنعقد خيوط السرد في العلاقة المتبادلة في عملية الصراع السياسي والاجتماعي، فالعقيد ووهاب في دأبهم لترسيخ السلطة وتركيزها يقمعان المعارضة بشقيها اليساري والديني. وفي شبكة علاقات النص المتداخلة نجد أن "جمانة" حبيبة أو زوجة "صادق" السجين اليساري تصبح عقب الانقلاب زوجة العقيد وسكرتيرته. ويتحول يعقوب باعتباره رجل أمن وعين السلطة في المدينة إلى رابط بين العديد من الرموز في النص بعلاقته بالمثقفين وتجمعاتهم في البارات والنوادي الثقافية. وفي علاقة رجل الدين باعتباره رمزاً لسلطة شعبية أخلاقية يدخل في صراع مباشر مع "بوسي" الراقصة التي لها موقع خاص في علاقتها بشخصيات السلطة من عسكر ووزراء، ومحاولة اغتيالها التي يشير النص ولا يفصح إلى أن من قام بها هو الطرف الديني في صراع بين الطهر والعهر، وفي الزيارة السرية التي تقوم بها الراقصة إلى الحائري لتحذره من المساس بها (ص95). كما تنعقد العلاقة بين الطرف الديني والسلطة من خلال الجذب والشد في علاقتهما بعامة الناس. وكذلك في إيمان العقيد الديني المضطرب والحائر بين السلطة والخوف من الله. في هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والصراع يتتبع الراوي "وهاب" وهو يتسلق خطوة خطوة وبدقة ناسجاً خيوطه حول العقيد وأجهزة السلطة من خلال سهره ودأبه في الحضور والزيارات المفاجئة ليتحول إلى ظلٍ يحوم حول رؤوس المسؤولين وعينٍ وحيدة يرى العقيد الدنيا من خلالها، فيرتب أمور الخصوم واحداً بعد الأخر في تصفيات دموية طالت المعارضة اليسارية الضعيفة، والدينية باغتيال الشيخ الحائري، والتخلص من بوسي الراقصة بعد نفاد دورها، ثم التخلص من المعارضة القوية التي تهدده من داخل السلطة متمثلةً بوزير الدفاع سلطان الذي يرتب له تهمة التآمر هو ومجموعة كبيرة من شخصيات السلطة، مما يتيح له مع تفاقم مرض العقيد وخرفه إلى الانفراد بالسلطة بتنحية العقيد والاستيلاء على جمانة والكرسي محولاً السلطة إلى طبيعة فريدة تختلف حتى عن أعتى الديكتاتوريات العسكرية. فالشخص الأول ليس عسكرياً وإنما هو قروي فاشل دراسياً، وقاتل مأجور وخادم تمرس في الشر وسط المتآمرين، ونزع ضميره رويداً.. رويداً متخلصاً مع إمعانه في القتل دون أي تأنيب أو إحساس بالذنب.

يمهد الكاتب ثلث النص لعرض الظروف والشخصيات والأوضاع قبيل الانقلاب العسكري، وما يجري في الخفاء من مؤامرات، دسائس، تسلل لأجهزة الدولة، تصفية لبعض الرؤوس في مواقع السلطة الحساسة، وبين صفوف المعارضة اليسارية مشهد اغتيال الطالب اليساري "خالد" على يدي وهاب (ص63)، كيفية كسر إضرابات الطلبة وتخريب المظاهرات، وانقسام المعارضة اليسارية إلى قسمين، ليبدأ في(ص104) بتقديم بانوروما لليلة الانقلاب، إذ ينقطع التيار الكهربائي ليتنقل السرد بين السجن والحائري وبيت بوسي ومشهد الانقلابيين الساهرين إلى لحظة دخول القصر الجمهوري ليتركز السرد على العقيد الذي حلم طوال سنين باللحظة هذه. في الثلثين المتبقيين من النص ـ 303 ـ صفحة يتابع السارد الكيفية التي تركزت فيها السلطة بين يدي العقيد أولاً، ثم "وهاب" الذي أحكم قبضته على كل شيء.

رغم أن المادة الروائية الخام محض سياسية مباشرة إلا أن زهير الجزائري تمكن من بناء رواية تخلو تماماً من المباشرة الفجة بلغته الغنية والمنتقاة بدقة تناسب الحالة الإنسانية وطبيعة المشهد سواء أكان وصفياً أو سردياً. كما أن الجملة مكتوبة باقتصاد شديد، أقصد بذلك أنها تخلو من الاستطراد غير الضروري. كما أن تقسيم النص إلى فصول قصيرة مختزلة أكسب النص ميزة سهولة القراءة ومتابعة الحبكات المتلاحقة لشخوص النص. عدا هذي التقنيات التفصيلية، فبناء شخصيات النص بأبعادها الكلية من حيث كونها ذوات بشرية تتجاذبها نوازع  الخير والشر. فحتى أقسى الشخوص وأكثرهم دموية "وهاب" مبني بشكلٍ حي دون تعسف ونظره أيديولوجية مسبقة، مما أتاح للقارئ الإحساس بخلجاتها واضطرابها وهي تتأمل الضحية المنشغلة بشأنها، وهي تفشل في أول محاولة اغتيال (ص61).

أو بنية شخصية "يعقوب" رجل الشرطة السرية بأبعاده الاجتماعية ولحظاته الإنسانية، رغم كونه عين السلطة الخفية التي تمارس القمع بشكلٍ فعلي، وعلى سبيل المثال تأملات "يعقوب" وهو يطلق سراح السجين "صادق" الذي توسطت له "جمانة" لدى زوجها العقيد. فيأخذه في جولة بأنحاء المدينة متأملاً هذا الكائن الذي قضى سبع سنوات في السجن وذاق صنوف التعذيب، والمرض وخسر زوجته " أكتشف أنه لا يحمل له أية كراهية رغم ما بينهما من حروب.. فما فعله ضده كان بحكم المهنة وضرورات السلطة التي هي بالصدفة بين يديه الآن.. وبالتأكيد سيفعل هو الآخر الشيء نفسه لو كان في موقعه" (ص164). كما أن الراوي العليم يغور في العالم الداخلي لشخصيات النص مصوراً كوابيسها وأحلامها أثناء النوم، أي لا يكتفي في تأملاتها الشاردة وقت اليقظة. كوابيس رجل الدين الحائري ورؤياه بدخول العالم السفلي المصاغة بلغة روائية لاهثة تناسب جو الكابوس (ص244). أو حلم العقيد ورؤيته لمقتل الحائري قبل أن يأمر وهاب بتنفيذ الاغتيال (ص249). أو كوابيس العقيد المريض في عزلته بمزرعته، وأثناء زياراته إلى ضريح الهادي وقت خلوه من الزوار (ص271). هذا الاستخدام المكثف يستغل أبعاد أخرى من أبعاد الوجود إلا وهو عالم اللا وعي حيث تتشكل الكثير من أبعاد الشخصية الإنسانية هناك. كل ذلك أكسب النص وشخوصه حيوية وكأننا أمام شخوص لغوية تحولت إلى كائنات من لحم ودم نتابعها بشغف ونحس معاناتها سواء أكانت شريرة أو خيرة.

وبالرغم من أن الكاتب تحاشى تشخيص المكان والزمان في النص، ولا أدري لم فعل ذلك، إذ كان من الممكن تسمية الأمكنة بأسمائها دون أن يؤثر ذلك على بنية النص الجميلة. فالنص يخلو إلا من إشارة وحيدة واضحة إلى كون النص يجري في العراق من خلال زيارة العقيد المريض والمعزول إلى ضريح الأمام الهادي الكائن في سامراء. رغم ذلك فالتفاصيل توحي بالمكان بوضوح، طبيعة البيئة الموصوفة ومفردات الأمكنة والأشياء في النص تكاد تتطابق مع العاصمة بغداد، وطبيعة شخصية العقيد وسماته ومصيره توحي تماماً بمصير "أحمد حسن البكر" وشخصية "وهاب" وسماته ونمط تفكيره والكيفية التي تسلسل فيها وأستحوذ على الحكم توحي بشخصية " صدام حسين". وجملة الأوضاع قبل الانقلاب، الهزيمة العسكرية، إشارة إلى حرب حزيران 1967 مع إسرائيل. وما أعقبها من اهتزاز السلطات القومية القائمة وردود فعل الشارع العربي بصعود مد يساري قوي في العراق، تكلل بانشقاق الحزب الشيوعي العراقي إلى قيادة مركزية قادت حركة كفاح مسلح في الأهوار والمدن فاشلة، ولجنة مركزية تحالفت مع السلطة لاحقاً. ثم الإشارة إلى التمرد في كردستان، وموقف السيد الحائري يكاد يوحي أيضاً بموقف التيار الشيعي ومرجعيته  في النجف. كل ذلك يعطي للنص نكهة التجربة العراقية الفريدة في طبيعة السلطة وتفسير الكثير من دموية رجالها الذين ترعرعوا في مدرسة "وهاب" العريقة بالتنكيل والإرهاب والقتل.

تشكل رواية "حافة القيامة" إضافة نوعية للرواية العراقية المعنية بالصراع السياسي الدموي في العراق في الثلاثين سنة الأخيرة من حيث محاكاتها للأحداث التاريخية، ومن حيث كونها نصاً فنياً يبحث في ظاهرة الديكتاتورية في شكلها العراقي الفريد والمختلف تماماً عن تجارب النص الروائي الأمريكي اللاتيني. إنها رواية جديرة بالقراءة والاحتفاء حقاً.

ـــــــــــــ

* حافة القيامة ـ دار المدى

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 

 

 

 

 

 

إشارة

 

يعكف الكاتب العراقي سلام إبراهيم على إنجاز أنطولوجيا موسعة عن القصة  والرواية العراقيتين بعرض وتحليل لكل كتاب ، ونحن إذ نثني على هذا الجهد ونشدّ على يدي الكاتب ، نقدم له الشكر على موافقته على نشر ما أنجزه حتى الآن  ونرجو من الزملاء الكتاب التعاون مع الزميل سلام بإرسال منشوراتهم في القصة والرواية على العنوان التالي :

 

Ibrahim Salam  

Moesgaarden 46

Vinding            

4000 Roskilde 

Denmark        

                             ( نصوص عراقية )

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )