العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

فرانسيس هودجسون برنيت

خيول القصّ والخيال..

في سهوب الماضي الشاسعة.

 

قراءة : جاسم الولائي

الإنسان وما يرتبط به من مكان وبيئه وتقاليد وعادات وعقائد شعبيّة كان هو اللغز الذي ينمّي الخيال لدى القاريء ويثير فضوله المعرفي، هذا في الماضي. أمّا اليوم فإن الزمن نفسه هو اللغز وهو مادة ما وراء الخيال المحفّزة للبحث بدافع التوق لرؤية ما لم تُتح رؤيته. والمقصود بالزمن هنا ليس الوقت كرقم مجرد بل كلّ فعّالية يصنعها الوقت وكلّ حدث يتولّد من صلب النشاط البشري، من صلب العلاقة بين الأفراد ومجتمعاتهم، والمجتمعات وبيئاتها، ويدخل ضمن هذا النتاج التاريخ والتطور والحضارة بتنوع فروعها وتفاصيلها.

لتقريب الصورة يفترض أن نضع مقارنة بسيطة بين رؤيتين أو توقين أحدهما من الماضي والآخر من الحاضر. حتى وقت قريب كان المرء يقف حائراً عند سفح جبل أو تخوم غابة أو عند ساحل بحر أو حتى سور لقصر سلطاني يتساءل بفضول عمّا يوجد خلف كلّ هذه الصروح والموانع في وقت كانت معرفة هذا المجهول متاحة فقط لنخبة قليلة من الناس. واليوم وحين يستطيع المتلقي العادي معرفة جغرافيا العالم بيئة وبشراً من خلال فيلم وثائقي أو جهد بسيط مع واحدة من وسائل الإتصال الحديثة. يتحول اللغز من مغامرة قطع المكان إلى مغامرة ركوب الزمن من نقطة الحاضر بحثاً في الماضي أو استنتاجاً للمستقبل وكلا الرحلتين مفتوحتان على احتمالات عديدة. فالسؤال اليوم لا يبحث عمّا وراء الأكمة أو الماء والسور، بل عمّا وراء الحدث كاحتلال اليابانيين لمنشوريا مثلا أو البريطانيين للهند أو بونابرت لمصر أو ما كان يجري في قصر الحمراء وكيف تجري معاملات التجّار العرب في الشرق الأقصى وطرق اللؤلؤ والحرير والتوابل وملح البارود وغيرها أدباً ووثائق وخططاً ومذكرات وكتب رحلات وسجلات سفن غارقة.

كلّ هذه التفاصيل أعتقدها ضرورية قبل الدخول إلى الحديقة السرّية الرواية الكلاسيكيّة الإنكليزيّة التي كتبت في السنة الأولى بعد العقد الأول من القرن الماضي الذي كنّا نتباهى بتسميته بالقرن العشرين للروائيّة فرانسيس برنيت "1849-1924". الصادرة مؤخراً عن دار المنى للطباعة والنشر بستوكهولم ونقلتها إلى اللغة العربيّة المترجمة سكينة إبراهيم.

لعلّ سحر هذا العمل الإبداعي ينبع من المفارقة الزمنيّة، من عمليّة كشف السُتر عن مشهد لا يُمكن فهمه والتشبع به إلّا عن طريق حاسّة إنسانيّة دقيقة وصادقة عاشت الحقبة الزمنيّة ذاتها ونقلت تفاصيل الأحداث في عمل إبداعي أمين ورفيع بإسلوب ينقل العين القارئة بين دراما الفصول المكتوبة وتصاعدها  بحرص ودراية تمسك بالقاريء إمساك الدليل الخبير بضالته بحيث لا تترك فرصة لنأمة أو غفلة أو ملل.

فكلّ عنصر من عناصر الرواية يتطوّر ويشغل القارئ بنفس السويّة، الأبطال والبيئة وتأريخية الحدث.  

قراءة الصدمة

تتحدّث الرواية عن طفلة إنكليزية ولدت في الهند لأب يحتلّ منصباً كبيراً في الإدارة البريطانية التي كانت تحكم هناك وأمّ ارستقراطية. تعيش تلك الطفلة مهجورة بين إنشغال الأب في أعماله ومهمّاته الإداريّة والعسكريّة وانهماك الأمّ بحياتها وعلاقاتها الإجتماعيّة وما تتطلّبه من مجاملات وحفلات. تُهمل البطلة ماري وتُترك شؤونها لعدد هائل من الخدم الهنود الذين يخضعون لإرادتها ومزاجها المتقلّب خضوعهم لأميرة كسولة. وأول صدمة تواجهها البطلة ليست وفاة الأب والأم وعدد من الخدم والمربيات من الهنود بوباء الكوليرا وعودتها إلى وطنها إنكلترا لتعيش في كنف عمّها غريب الأطوار، ولا حتى تبدل الطقس بين الهند وموطنها الجديد. ما يصدمها حقّاً هو التغيّر الغريب في تصرفات القائمين على خدمتها هذا التحول العنيف هو الذي سوف يلعب الدور الأساسي في تغيّر البطلة نفسها. ثمّ يأتي دور المكان.

المكان شاسع ومتنوّع في هذه الرواية. والبيئة غنيّة وفصولها عريضة وعناصرها من الغنى والتنوّع والغرابة بحيث لا تحصى تمتدّ بين القبح الشديد والجمال الأخّاذ. يتحدد المكان بين الهند وانكلترا بينهما رحلة بحريّة طويلة تقطعها البطلة إلى أحد الموانيء البريطانيّة وبعدها تستقلّ القطار إلى الريف الإنكليزي.

الحسّ المشبع بالمكان

هذا التنوّع يجعل القاريء أمام مفاجآت عديدة وأحداث وبشر يتقاطعون في طبائعهم واهدافهم ونظرتهم للحياة وينتمون لطبقات تخضع لتقسيمات كلاسيكيّة بدائيّة تضع المجتمعات في سلّم بدائي يتدرج بين طبقة النبلاء في أعلى القائمة والمنبوذين في ذيلها هذا في الهند، لكنّ هذا التدرج الطبقي يتغيّر تماماً في موطنها الجديد حيث تختفي طبقة المنبوذين لتحلّ بدلاً عنها طبقة أخرى تتقدّم خطوة أبعد وتحظى بحريّة أكبر.

يلعب المكان دوراً كبيراً في حياة البطلة وتطورّها حيث تبدأ الرواية من الهند في ظلّ الإحتلال البريطاني وتنتهي في إنكلترا. فصورة المكان تتيح إشباعاً حسيّاً في تنوّعه وتباينه واكتنازه بما يملأ الحواس ويفيض على رئة الخيال هواء نقيّا وفسحة تتسع لفضول معرفي ملحّ.

تتعامل الأحداث مع الطبيعة كبطل لا غنى عنه يؤثّر إيجاباً في تطوّر الفعل الدرامي لرواية الحديقة السرّية. يتجلّى ذلك في أكثر من سجل نفسي تفتحه المادة الأدبية للبطلة الأساسيّة ماري ولبقيّة الشخصيات السلبيّة، والتي تعاني بجملتها أنماطاً من الإضطرابات النفسية التي تقع بين الأكتئاب الشديد والوسواس القهري والتي ترتبط بالشخصيات الأرستقراطية التي تعيش حالة من الفراغ والعزلة في حين تتمتع الشخصيات الشعبيّة البسيطة المرتبطة بعلاقة وثيقة بالبيئة، بعافية نفسيّة تتيح لها دوراً مهمّاً في الحدّ من التصاعد المرضي للبطلة وغيرها ومن وصولها إلى مرحلة أخطر كالإصابة بالفصام أو الذهان أو تحول المرض إلى عضوي كنتيجة طبيعيّة للحياة الهامشيّة والعزلة القسريّة المفروضة عليها. تنتشل الطبيعية عن طريق وسيط بشري شخصيّة ديكون ومارتا والبستاني وبقيّة هؤلاء الأبطال إلى حال أفضل من خلال قبولهم للحياة أولاً ثمّ التفتح عليها والإنغمار بها  وباكتشافاتها الجديدة، تنتشلهم  من حالة الشلل والإنغلاق إلى التواصل والإبداع. حيث تتحرّك الرواية في حديقة هائلة تغصّ بأزهار الجلجل وطيور أبي الحِن وأشجار الفواكه وتمتدّ على سهول ومستنقعات ومزارع وحيوات واسعة أخرى.

توصيف الشخصيّات في الرواية

من خلال تسجيل أوصاف شخصيات الرواية يمكن متابعة نموها وتطوّرها الإيجابي.

ألأب السيّد لينوكس موظّف ذو منصب رفيع في الحكومة البريطانيّة في الهند دائم الإنشغال بمهامة الرسميّة وصفقاته التجاريّة ودائم المرض أيضاً، يموت بوباء الكوليرا دون أن يلعب دوراً في حياة البطلة محور الرواية. ومعنى هذا أن دوره كأبّ قد سبقه إلى الموت.

كذلك هو حال الأمّ السيّدة لينوكس التي تصفها الرواية بأنّها مخلوقة فاتنة نحيلة ممشوقة القوام رائعة الهندام، شعرها يشبه شلّالاً من الحرير، وأنفها الدقيق يبدو وكأنّه يزدري ما يحيط به من أشياء، وعيناها الواسعتان ضاحكتان أبداً. إلى جانب ذلك الجمال وتلك الأنوثة الطاغية تفتقر إلى الأمومة حيث تركت طفلتها الوحيدة ماري لآيا هندية خانعة خائفة وجيش من الخدم الذين كلّ همّهم ألنأي بماري عن سمع وبصر هذه الأمّ التي لا تطيق وحيدتها خوفاً من غضبها وعقابها الشديدين.

ماري لينوكس طفلة نكدة مستبدة سليطة اللسان ذات وجه صغير وجسم ضئيل ضامر وشعر خفيف وملامح كئيبة. تتحوّل في الفصل الأخير من الرواية إلى مخلوقة تشبه الأمّ في جمالها تختلف عنها في أنانيتها، مخلوقة إيجابيّة متعاونة ومحبّة.

العمّ السيّد كرافن صاحب المزرعة في الريف الإنكليزي حزين بسبب موت زوجته الفاتنة في حادثة، كثير الهروب من مزرعته بأسفار طويلة، يترك ولده الوحيد كولن فريسة للعزلة والمرض.

كولن الطفل المريض المصاب بهستيريا الشكوى والصراخ المتواصلين. والذي يتحول بعد شفائه ووالده إلى شخصين إيجابيين بتأثير ماري وألآخرين.

البستاني الحزين المصاب بالروماتيزم بِن.

وهناك شخصيّات إيجابيّة مهمّة كشخصيّة ديكون الفقيرة الفتيّة، الذي يمضي جلّ يومه في الحقول والمستنقع الواسع وتعرفه كلّ حيوانات السهل وتأمنّه على مخابئها، وشقيقته مارتا وأمّه البارعة في إعداد الكعك، هؤلاء الذين يدخلون في حياة ماري وكولن ويقلبونها رأساً على عقب.

الحديقة السريّة هي حديقة السيدة صاحبة المزرعة وزوجة العمّ الراحلة المتروكة مهملة منذ وفاتها قبل عشر سنوات، المُضاعة المفتاح وقد اختفت بوابتها وسياجها خلف أغصان ملتفّة متشابكة، هي اللغز الأصعب في الرواية. حين اكتفشتها ماري صارت حديقتها وسرّها الكبير، الذي شاركها فيه مع التطور الدرامي للعمل ديكون ومارتا وكولن والبستاني وأخيراً العمّ.

هذه الشخصيات بحدّ ذاتها كانت ألغازاً تحتاج إلى مفاتيح خفيّة لحلّها.

المكان ومتعة الأبواب الملغزة

المكان بدوره كان لغزاً اخر فالقصر كان بمائة باب، كلّ باب يخقي حدثاً وقصة اهتدت ماري إلى الوصول سرّاً لبعضها. وكذلك المستنقع بأزهار الجولق والوزال والخلنج والقبرات وطيور أبي الحِن والنحل، كانت أسراره بيد ديكون الذي قايضها بأسرار أخرى.

رواية الحديقة السرّية عمل كلاسيكي متفرد في عمقه وغناه وشامل في معالجته النفسيّة، لغتة بسيطة منيعة، مفعم بالصور الرومانسيّة المرسومة بجهد وإتقان وشاعريّة أخّاذة ونسيج أنيق يجمع الرومانسية بالحدث التاريخي يغطي مساحة ملوّنة شاسعة، مفتوحة لخيول جامحة من القصّ والخيال.

       

 

تعريف

الحديقة السرّية روايّة من التراث الرومانسي الذي يسجل لحدث وحقبة زمنيّة مهمّين لا تكشف غموضاً تاريخياً، وإنّما تحرّك الحياة في مشهد مضت عليه قرابة قرن من الزمن. فتحت الرواية باباً على نموذج مهمّ لحياة بمشاهدها الداخليّة والخارجيّة وبتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، حياة كاملة التأثيث والثياب لا فراغ فيها. سجلتها بإبداع الروائية فرانسيس هودجسون برنيت المولودة في مانشتر- إنكلترا سنة 1849، والتي هاجرت مع عائلتها إلى ولاية تينسي في الولايات المتّحدة سنة 1865.

بدأت مبدعتنا مشوارها الأدبي وهي في الثامنة عشرة من العمر بنشر قصصها في المجلّات الأدبيّة. ونشرت أول رواية لها وهي في الثامنة والعشرين. وأبرز ما كتبته هو نتاجها الفنّي الخاص بالأطفال. وتعتبر رواية "الحديقة السرّية" 1911 من أهمّ أعمالها وأكثرها نجاحاً، ومازالت قيد التداول والإنتشار حتى يومنا هذا سواء على هيئة كتاب أو مسرحيّة أو فيلم سينمائي.

توفيت الكاتبة سنة 1924. 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 

 

 

 

إبل هيرودتس لـ (عبد الله طاهر)

الجنس الأدبي دلالي قبل أن يكون بنية سردية

 

كريم ناصر

   قلما نجد عملاً أدبياً مغايراً يهدم نظام المعايير السلفية، ويتمرد على سياقاته الميتة، وفعلاً أن تجاوزاً من هذا النوع يعتبر بحد ذاته مغامرة وتطوراً في آن، ويمكننا أيضاً أن نقول أن عملية التخطي هذه من شأنها أن تقدّم لنا جنساً أدبياً مستقلاً ذات تنويعات متعددة، من الملاحظ أن هذا الواقع بطبيعته ودلالته يعمل على إفهامنا بأننا نعيش في عصر لا يتناسب مع الأساليب الوصفية والتعابير الميكانيكية، كما هو الحال في القصص التي نقرأها بين الحين والحين الآخر ((بغض النظر عن كل توسع في)) مكوناتها الأسلوبية.

   الدروس علمتنا بأن السلفية سيئة إلى الحد الذي ترفض فيه عملية التطور شكلاً ومضموناً، وأن اهتمام السلفيين ((بفن الدوغمائية)) في الحقيقة هو أمر بديهي لا يحتاج إلى تفصيل كثير، نتيجة الفهم القاصر لنظرية تنوّع الأجناس وآليات التعبير، وإذا نظرنا من منظار نقدي لمعرفة الأسباب الحقيقية لتراجع الجنس الأدبي ـ القصة القصيرة مثلاً ـ فلا يسعنا إلاّ أن نلقي الكثير من اللوم على المفاهيم السلفية، كونها هي المسؤولة عمّا يحصل من تراجع ومراوحة في البنية القصصية.. لذلك فمسألة التصدي للماضوية أصبح أمراً واقعاً لا يمكن التراجع عنه، وهو الأسلوب الأمثل لجعل النتاج الفني حراً ومغايراً وأدباً هائلاً. إن التطور انعكاس لأسلوب الكاتب من حيث هو مبدع قصص أو مبدع شعر، من هنا عليه أن يغامر بأدواته تناغماً مع الحداثة بوصفها فن العصر، وبخلاف ذلك تبقى بنية الخطاب الأدبي مرهونة بسياقات محددة ومفرغة من تراكيبها الإشارية واللغوية والدلالية، إذا لم نقل من جماليات التعبير، لذا لا نستطيع أن نسمّي العمل الأدبي الذي تخلو بُناه من مصدر اللغة، ومن التنويعات الإبداعية وانزياحاتها الإشارية بالعمل الحقيقي ـ الخلاّق..

فالجنس الأدبي دلالي قبل أن يكون بنية سردية، أو وصفاً لمظاهر اجتماعية، وهذه السمة بقيت ملازمة لبناه منذ انطلاقته الأولى.. ((إن الظواهر الدلالية وهي موضوع التأويل لا تتلاءم مع الوصف)) الجاهز بتعبير تزفيطان طودوروف، ومن العسير الحكم على النص من صيغه السردية وباستعمال بنياته المجرّدة من المعاني الدلالية كمعيار لتقويمه، وتبعاً لذلك فليس للنص إطار محدد يغلف بنيته الخطابية المتعددة الوحدات.. إن القوالب الجاهزة يمكن أن تجر القص إلى قسرية مسبقة طبقاً لتقاليد قديمة يكون فيها الخطاب (أحادي القيمة)، ورهن عوامل هي ليست بطبيعة الحال من صلب الأحداث..

القصة تحديداً لا تصنعها يد غير ماهرة وغير محترفة، وبعبارة أخرى إن القصة القصيرة لا تنتجها العقليات النكوصية، ولا تحددها وظيفة مرجعية، فهي نتاج وعي الذاكرة، يحتل فيها المتخيل حيزاً كبيراً، مع الاعتقاد بأن المغامرة هي معيار النجاح، فمن دون هذه المسلمة يبقى الجنس الأدبي مرهوناً بنظام أسلوبي محدد لا يشكل وجوده أثراً بالغ الأهمية.

   وهكذا نرى أن تبنّي موضوع التعددية في البنية القصصية لا ينسف المفاهيم الماقبلية حسب، وإنما يضعها على طاولة التشريح، ليبني على أنقاضها أداة معرفية متطورة، وبإتباع أسلوب الكتابة الحديثة، تتسع رقعة الحرية باتجاه الإبداع بفضل تعدد البنى، وتعدد المفاهيم، وتعدد الأجناس، وبذلك بوسع الكاتب إنقاذ عمله من حساسيات الانزلاقات الموروثة والمكتسبة من الماضوية، كما أن نظام التعبير يصبح أكثر نضجاً في صناعة المنتوج الأدبي.

  

   في ((إبل هيرودتس)) نجد ميلاً قوياً لتعدد البنى الفكرية والدلالية ونظم إيصالها، ومن الممكن أن نكتشف أيضاً هذا الاتجاه مجسداً في صلب القص التي تمثل التقنيات الأسلوبية منطلقاً لصيرورته، وهي طريقة تعبير تعد أكثر حساسية في توالد المعاني، لأنها تهدم في أغلب الأحيان القيم الموروثة، وتعيد صياغة الإنتاج وتحوله إلى إبداع إنساني عظيم الأهمية بطريقة تختلف تلويناتها تركيباً ودلالة، هدفاً ورؤية.

   نستخلص من كل ذلك بأن أسلوب التعبير في القصص الآنفة الذكر مهما تطرف في بعض سياقاته وتأويلاته، إلاّ أنه لم يخرج بتاتاً عن الخط البياني للإطار العام لمفهومي التخطي وتوالد المعاني اللذين أشرنا إليهما في بداية المقالة، وإذا أثيرت حساسية هنا أو هناك بخطأ تأويلي، فليس معناه أن ثمة تأثيرات خارجية تتحكم بآليات التعبير، وأنماط العلاقات، وحركة الشخصيات.. ولكن من المهم أيضاً أن ننبّه هنا إلى ذلك: فمعظم القصص هي من نتاج وعي القاص ومخزونه اللغوي والحياتي والمعرفي، وهذا ما يجعله أن يتميز عن غيره بالاجتهاد والكد والمثابرة العنيدة كتابة وقراءة، وصولاً إلى خلق نموذج إبداعي مكتمل الملامح معرفياً، كما يتضح ذلك من سياق قصصه. (( فلم تكن النقود المعدنية الضئيلة في واقع مثقل بألغاز يظنها بعضنا إكسيرية سوى دواب مريضة حوّلها التجار إلى قطع شيطانية) ((أركيولوجيا النقود)) ص39، علماً أن فكرة هذا النص مستمدة من لغة معرفية متينة.

   لم يكن سهلاً على الإطلاق كتابة النص ـ القصة تحديداً ـ ما لم يكن الكاتب يمتلك وعياً معمقاً بفن القصة وتحولاتها الكبرى، وما لم يتجل ذلك ثقافياً في نتاجه، وما لم يساهم في إشراك المتلقي في إنتاج الدلالة، وابتكار المعاني وربطه بالحدث، وذلك كي يكون حاضراً دوماً في سياقاته، كما أن القصة في ذروة تطورها لا تقدم الفكرة على طبق من ذهب، ولا تكمن وظيفتها في تعريف الخطابات ورصد حركات الشخوص وتنقلاتهم وأهوائهم الشخصية، ولهذا لم تكن عملية استقطاب المتلقي قضية سهلة من دون ملامسة وعيه من جهة، والتناول الدقيق بالنسبة للغة من جهة أخرى..

وإنه لمن المفيد أن نذكر في هذه المقاربة أن المجموعة القصصية نبهتنا إلى واحدة من أهم التقنيات الأسلوبية (تعدد المعاني) في إنضاج الخطاب الأدبي، وجعله سمة تعبيرية لتأويل الدلالة ((وأزمنة الأفعال) وتواريخ الأحداث.. والحال أن تعدد المعاني لا يعني بالضرورة تناسخ الأشكال من حيث هي خطابات نظرية، ولكنه أيضاً لا يعني التحول من نمط إلى نمط معين آخر، إنما يجسد بصفة شاملة التنوع داخل جزئيات الجنس الأدبي الذي تؤدي نماذجه أفعالاً (حاملة لتمثلات جماعية)) تشمل الكاتب ـ المتلقي ـ النموذج..

والحق ليست كل التآويل مقنعة ((فنحن لا نرى ما يدعو إلى)) الإقناع والرضا وبالتالي فأن الشك يظل دوماً موجوداً، ما لم يتوفر منهج نظر يوازي الوحدات النصية ومستوياتها المتعددة.. باختصار شديد ليست كل وجهات النظر صحيحة، ويخطىء من يعتقد بأن تعدد المعاني تجسيد طبيعي للتنوع الذي تمثل الأعمال جوهره وتجلياته في الآن نفسه، فأننا لا نرى في هذا التوصيف ما يقربنا إلى استنباط المعنى الدلالي، والخوض في الوحدات النصية، ((لأنه من البديهي أن الأعمال لا تتنوع وإنما التنوع في الأدب)) كما تؤكد بعض الدراسات التأويلية. إن ((قوة الضخ المخيالي القصصي القصوى)) كما يجتهد القاص نفسه، مكنته من الولوج كما يبدو إلى عالم هو بحد ذاته من نمط معقد وعصي عن الكشف، وهو عالم الجاسوسية المعبّر عنها بدلالات رمزية ملغزة يقول: ((لا بد لي هنا من أن أستبدل كلمتي (اغتيال) و (الأخلاقية) بكلمتي (كتابة) و (مخيالية) ((المخبر سارداً)) ص18. 

   أكثر النصوص نجاحاً هي النصوص التي تخضع لتآويل مختلفة، ويجب ألاّ نغفل حقيقة نوع الجنس الأدبي الذي يخضع للتأويل النقدي، وهو شرط من شروط النقد الجاد بقصد تدعيم الخطاب الأدبي وتشكلاته وتنويعاته، وإظهاره بمظهره اللائق، وهنا لا بد من أن تصبح اللغة مادة أساسية للتحليل النقدي، لتيسير العلاقة بين المتلقي والنص، لتكون علاقة تكافؤ بمعنى من المعاني..

فما لمسناه في القصص في حقيقة الأمر لا يختلف مضمونه جملة وتفصيلاً عن الحقائق التي توصلنا إليها بمتابعتنا للوحدات النصية والتي هي أصل العمل، ومادته الأولية في القص، حتى لو أقصيت بعض الإشارات من أهم المواضع، لكن ذلك لا يعتبر نقصاً يحاسب عليه القاص، إنما هو التأويل بحد ذاته، بما يجعل المتلقي حاضراً دوماً في روح النص ((لإتمام العمل الذي امتنع السارد عن القيام به)).. كما نلاحظه في ((صاحبة الشوكة)) و ((الترجمة والسُجُق))، وبوسعنا أن نضع هاتين القصتين في إطار زمني ومعرفي واحد ينتمي إلى نفس الأسلوب والمستوى وقوة عنصر التخيل.. انطلاقاً مما سبق يمكن القول أن عملية الخلق الأدبي، والتنوع الإبداعي، والاقتراب من وعي القارئ وشدّه إلى عناصر البناء (القص) هي أهم ما تتميز به قصص المجموعة، وعلى وجه الخصوص (المؤلف الطبي، أركيولوجيا النقود، المخبر سارداً).. ثمة تحولات في البنى وفي الوظائف وهي تتعدد بتعدد التآويل، وإذا ما قطعت أجزاء من لحمة النص بسبب أو بآخر، بيد أن ذلك لا يتعارض مع تقنيات التعبير الأدبي..

السمة الإيجابية في القصص أعلاه أنها قدمت لنا النموذج الدلالي من حيث هو عمل أدبي لا بنية وصفية، انطلاقاً من أن التأويل والشعرية أرضية خصبة للخطاب الأدبي.

إذاً فالخطاب الأدبي لدى القاص عبد الله طاهر هو إبداع إنساني قبل أن يكون صناعة أدوات، وهو عملية خلق قبل أن يكون كتابة وصفية، وهو بنى وأخيلة قبل أن يكون أنظمة أسلوبية.. ومن هنا فأن الحرص على إنتاج النص الإبداعي الأكثر حداثة ـ الأكثر حساسية، هو في حقيقته نتيجة طبيعية لوعيه الذي يتطلب في كل الأحوال الخروج عن مبدأ الانحياز والمألوفية، انطلاقا من معايير جديدة ((تستبعد كل اهتمام)) بالسائد والكتابات المبتذلة.

 

 

 

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )