العدد الثالث ------------------ كانون الأول 2003

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

عبد الحميد الصائح

يكتب أشعاره فوق غيم العراق

 زهير كاظم عبود  

لم يزل الشاعر يكتب فوق الغيمة العابرة ، لم يزل يبلل أحرف الكلمات ويكللها  بعبق الشعر والحزن والفرح الممزوج بعصارة روحه التي تفر منه فيلحق بها ، لم يزل يفترض لكنه لا يجيد التخفي وراء خفايا القصيدة ، أذ يبوح لنا بأسراره  في الجملة القادمة ، ويدس حزنه وأحاسيسة المرتبكة بين ثنايا النصوص  .

وعبد الحميد الصائح حاملاً كلماته عبر المسافات النائية التي قطعها بروحه المتشظية  

 و التي لم تزل متعلقة بصور المدينة الفراتية الجميلة ، لم يزل شارع الهوى والصابئة والحبوبي وكورنيش الناصرية  ومحلة السيف   أمكنة خالدة تتجول بين كلمات قصائدة وتستقر في ذاكرته المتعبة ، وفي قصائدة عبق الليل الساحر وقدسية المكان   في مدينة  الناصرية المدينة البهية والجنوبية  المغسولة بماء الفرات  وأهوار التاريخ وزقورات أوروك  ، وتتلمس أيضاً فيوض الكلمات الممتلئة بالمعاني الدفينة  ونشوة السكارى حين ينتصف الليل  ، و ترتسم فوقها حداثق نادي الأدباء وزوايا أكاديمية الفنون الجميلة، وخمارات الباب الشرقي الشعبية وعبق  الرائحة المنتشرة في الأسواق وعلى كراسي ومناضد مقاهي الفقراء .

من يحصي دموع الشاعر التي يطلقها مع الكلمات ؟  من يقيس الأنين الذي يطبعه فوق القصيدة  ؟ من يكتب المسافة الزمنية لشهقات العمر التي انتابت الشاعر  ؟ من يشاركه الحلم والهذيان  والدفء والموت حين يرسم كل الكلام ؟ من يعرف أن بعض الكلام كتب كلماته وسط خراب المدن وعواء الليل في أعتى صحراء عند العرب !! من يعرف كيف يصوغ الصاتح كلماته ...  من ؟؟ 

وعبد الحميد الصائح ينتقي الكلمات ويرسم فوقها حروفاً أخرى غير ما نقراها في الكتاب ،

ففي قصيدة له بعنوان ( مطر الندم ) أهداها الى الشاعر الكردي شيركو بيكس نتمعن في مفردات اللغة ونستل منها كلاماً بليغاً  ومعنى عميقاً  ولغة مبطنة   يقول فيها :

(( هل أحتطبت قوافل البكاء تلك ؟

هل أشعلت القرى

وأغمضت الحقول حصادها ؟

هل جف ( سيروان ) ساعة الهول والخرس ؟

أمازال ( كاميران ) يلقن الطيور دروساً

أخرى في الحب

ذلك مطر الندم يساقط الى أعلى

وتلك مدائن الأكراد

رئات تركض

ورؤوس تتدحرج

وتواريخ تمطر دماً

أمر بها كالببغاء متلعثماً أتهجى فمي

غريباً كالطرق التي لاتوصل

متلفتا كالحنين

فلاجدال معك على الحلم

ولابطلان لك في الغيبوبة )

من منافذ الحلم يكتب الصائح ترنيمة للعمر الذي نهبت نصفه الحروب وأكلت منه رمال الربع الخالي  ،  فيوصف الخوف والظلال الكسيحة والجراح والبيوت المتصدعة والهذيان والمنافي والبكاء والحروب والتوابيت والرحيل والموانئ والخيام المتهرئة وسط البيداء  ، يرسم لحظات الألم الإنساني والمكابدات التي مرت على روحه المتشظية ، لكنه لم يزل ممسكاً بورقة الآس يرسم باتجاهات نهارات الغد وبأصرار  حين تتحول كلماته وأحلامه وهذيانه وبكاؤه وفرحه إلى كلمة واحدة أسمها العراق .

هاهو لم يزل رافعاً عبق الآس وأسم الوطن وماء الفرات  ، ويهزج كما الصيادين في أهوار الجنوب القصية  وفقراء الفلاحين في القرى النائية حين يقفون وسط مزارع الرز  وباعة السمك في  الأسواق الشعبية في مدن الجنوب  ،  يفترض ويلم افتراضاته لكنه يرسمها بالكلمات ، كل كلمة يرسمها الصائح مغلفة بالصمت المؤجل ، حتى تحين لحظة الخلاص  ، كل كلماته تختلس النظر و تنتظر الخلاص .

في ديوانه (( عذر الغائب )) صورة شعرية تحاول ان تجد تفسيرا للزمان وسببا لنزيف الروح عند الإنسان ،   وقصائد الديوان تختلف عن نمط القصائد التي نسجها الصائح في ديوانه ( مكونات ) الصادر في بغداد 1986 و( وقائع مؤجلة ) بيروت 1992 ،   لكنها تتقارب مع قصائدة في ديوان ( نحت الدم ) الصادر في بيروت 1994 .

لكنه يعتدل ثم يقوم هازجاً للعراق يستل كلمات قصيدته الديوان ( قصيدة العراق ) الصادر عام 1998 من جحيم الحياة الذي عم البلاد ومن شوارع المدن المخربة والمراكب المحترقة وطوابير التوابيت التي تأخر دفنها ، والخراب الذي عم كل النفوس .

 (( تذكرت رعب المفارز والجوع والليل

تذكرت شعبا

تحار الشوارع من ركضه لاهثاً في الظلام

الظلام

طلا الليل بالليل صبحه

كأن الزوايا جميع الزوايا

تخبئ للفرد صبحه .))

رغم أن الغربة تركت أيقاعاتها المطبوعة داخل روحه ونقشت تفاصيل محنتها فوق سحنة كلماته التي تفيض بالعبق رغم كل هذا  ، الا أنه لم يزل يخبئ أسم العراق تعويذة للعمر والقادم من الأيام  ، لم تزل منقوشة كل حنينها وغربتها وشوقها وذكرياتها وأنينها ووحدتها والقادم من الأيام وما سيصير أليه حال الناس والوطن المذبوح وعربات العمر التي تجرجر أيامنا ببطء قاتل فيقول .

(( يا عراق

تهمة فيك ماء الفرات

تهمة في سماك ارتفاع النخيل

تهمة كان فيك البقاء

تهمة كان عنك الرحيل

تهمة فيك تلك الجبال

الغنا تهمة والبكاء

الثرى والسماء

تهمة أن تحب

تهمة أن تحب

تهمة أن تقف   … ))

أي حزن مرير تحتويه طعم كلمات القصيدة ؟ أي مطر أصفر تمطره الكلمات والحروف التي تعج بالنحيب والحزن وحريق الروح و شهيق العمر الذي ضاع بين المنافي والمرافئ ونقاط الحدود ، العمر الذي أكلته أيام باهتة اللون استطاع الشاعر عبد الحميد الصائح أن ينقلها بأمانة ، فقد نقل ألينا إرهاصات روحه وعذابا ته ومكابدا ته ونفيه وغربته وحنينه الى المدن الفراتية التي عجنت أسمها في دمه وتدخلت في تفاصيل حياته حتى حل فيها الوطن وتكدست فيها الأحلام والأيام والى الفرات الذي سرقوه من بين عينيه  .

عبد الحميد الصائح يكتب نفثات من روحه ينشرها في الهواء الطلق لعله يريد أن يكتب شعارات تمجد الإنسان والوطن في الزمن العاهر ،  لعله يريد أن يدين الزمن العسكري المدجج بالسلاح والرصاص والقنابل  ، لعله يريد أن يؤشر معالم الطريق ودلالات العبور الى الدروب الممتلئة بورق الآس والياسمين وعبق الجوري ورائحة طلع النخيل ، لعله يريد ان يؤشر للشمس  ، تلك كلها ما أراد أن يقولها لنا عبد الحميد الصائح .

وبالرغم من انشغال الشاعر في أحداث العراق ومساهماته اليومية في كتابة الأعمدة التي تأخذ من موهبته وشعره الكثير ، فأن عبد الحميد الصائح مطالب بأن يتجانس مع هذه الإرهاصات التي تتطلب منه كتابة القصيدة ،   القصيدة اللغة التي نستطيع أن ننسجم بها معه .

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 

 

 

 

برهان الخطيب .. الحظ من الإنتشار

  محمود بدر                                                            

في العراق ومن خلال مجلة الأقلام عرفتُ " برهان الخطيب"  مراسلاً أدبياً لها من موسكو

 وحين ساقتنا رياحُ الحرب والحراب والإحتراب وألقت بنا في واحدة من المدن الثلجية، يومها كنت أعمل في المكتبة الشرقية في ستوكهوتم ، دخل الى المكتبة شخصٌ .. ملامحه.. قامته.. حركة يديه.. جديلته القصيرة .. والمربوطة بإحكام.. حسبته بحاراً ترك السفينة تواً محاولاً إكتشاف المدينة من جديد.

وبعد أخذ ورد تعرفت على برهان الخطيب الروائي، حيث ذكر لي مجموعة من رواياته والتي كان بعضها يطرز رفوف المكتبة.

برهان الروائي مسكوناً بالوطن والناس كتابة وتفكيراً.

الوطن: المكان.. الواقع، الناس: العلاقات.. الصراع. هذا ما يتلمسه القارئ من خلال سير الأحداث وتطورها في مجمل كتاباته وعلى مختلف الأشكال والأوضاع

عالم برهان زاخرٌ بالصور والرؤى والأبعاد التي يحاول الكاتب أن يجمعها بعفوية لكنها تنمو وتمتد لتخرج من عفويتها مما يشكل صراعاً بين القارئ والحدث الروائي.

ما يهمني في هذا السياق أن أطرح مسألتين جديرتين بالإهتمام ألا وهما: حظ المبدع من الإنتشار في بلاد الغربة وعلاقة نص المبدع مع القارئ.

فالمبدع طاقة خلاقة ومسؤولية مضاعفة إتجاه تجربته وأنحيازه للخير والجمال في هذا العالم، فكيف يتمكن من تحقيق ذلك وهو في بلاد الغربة ، من حيث تعرضه اليومي للظروف الضاغطة حيناً والمؤذية أحياناً، مما يشكل مأساة للمبدع.

صحيح إنّ هناك أبعاداً إنسانية يتحلى بها المبدع إلا أنّ الغربة تطحن كل ما يمت بِصلة إلى ما يمكن أن يجعله متجانساً مع واقعه المعاش ومع ما يمكن تسميته السماء الأولى، فمن خلالهما يحصل على ما يحتاجه .. من خلال رصده البصري وتلمسه الأشياء ثم إشراكه بقية الحواس في معالجة الحدث الذي يسعى دائماً إلى تصويره وإظهاره بالمظهر اللائق.

أما علاقة المبدع مع القارئ بدءاً بالأدوات الإبداعية التي يملكها المبدع وهل إستطاع أن يوصل الأثر الأدبي من خلالها مما يؤثر إيجابياً في القارئ وإقناعه وإجتذابه إليه  إنتهاءً بردود الفعل لدى القارئ والتي تُشكل معياراً لا يستهان به في تحديد ما لدى المبدع من حضور لدى جمهرة القرّاء.

وأخيراً فالمرحلة التي نعيشها ، أما إنكفاءً على الذات وتحمل الآم وأحلام العزلة أو الإندماج بما يسمى بالشللية والتي من سماتها حرق البخور والتهليل الحار لكل ما يُقدم من صفحات باردة .

 

لذا فحياتنا في الغربة تعاني الكثير الكثير.. نأمل في إنحسار المعاناة وزوال الهم لتنطلق الحركة وتتطور في المسار

الصحيح والطبيعي دون وصاية من أحد.

 

محمود بدر ـ السويد

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )