|
لطيف الصبيحاوي
كاتب عراقي مقيم في المانيا
المانيا
14/ 09 / 2004
lat1955@hotmai.com
فجأةً، كأنني انتقلتُ، لم يحدث شيء في وضعي، بقيتُ أنا كما
أنا، إلا أنه في ذات الوقت تغير كل شيء حولي. اختفت كل
الأشياء، لم يعد هناك شيء سواي. بقيت وحيداً في فراغ ناصع
البياض يحيط بي من كل الجهات ولم أكن أدري أين أنا، ومتى، وكم
الساعة الآن، وأين ذهبت وكيف اختفت الأشياء التي كانت قبل
قليل: الجدران، الأثاث، الناس، الكون، السماء، الأرض، النجوم،
الطعام، الشراب، الكون اختفى بكل ما
فيه، أين ذهبت الدنيا بكل ما فيها؟ لا اعلم؟
عدت إلى نفسي أتفقد جسدي، يداي، قدماي، وجهي، بطني وظهري. كل
جسدي عامر موجود لم ينقص مني شيء. إذن، ما الذي جرى وأين أنا
وإلى أين ذاهب ؟ لا أملك جواباً.
بقيت حائرا مترقبا منتظراً ما لا اعرف، لكن عندي أملاً سيحدث
شيء ما، لن يستمر الوضع هكذا إلى مالا نهاية. بقيت على هذه
الحالة أجول بنظري إلى مختلف الجهات لم أر شيئاً، حاولت
الالتفات إلى الوراء ببطء وهدوء. أدرت رأسي وقليلا من جسدي
لعلي أرى أحداً. لم أر شيئا،ً شككت بعيني ربما أصابها شيء من
العمى، هل ممكن أن يأتي العمى بهذه السرعة والطريقة المفاجئة
دون مرض أو وقوع حادث لعيني؟.. ثم إني لم اسمع أية أصوات، حتى
أصوات الرياح والعصافير والناس والباعة وضجيج المدينة.
عيناي،إذاً، سالمتان! تذكرت أن العالم قد اختفى بالنسبة لي لكن
كيف ؟؟ ثم أين ذهب هذا العالم الكبير ؟؟ عدت إلى جسدي، الشيء
الوحيد الذي كان يربطني بالعالم أتحسسه.
أضع يدي على رأسي، على كتفي، أشبك أصابع كفي مع بعضهما البعض،
جسدي هو الآخر سليم لم يعطب، إني أتحرك ولكن في فراغ كالجالس
في الهواء وانظر، لكني لا
أرى شيئاً غير البياض، لا
يحيط بي غير البياض الناصع .
معلوماتي وأفكاري، كل ما
قرأت وتعلمت مازال معي، ذكرياتي كلها: أتذكر
أمي، أصدقائي، أقاربي، طفولتي وعصفوري الذي مات ودفنته قرب
النهر. تذكرت صديقاً كان قد مات غرقاً في نهر
دجلة، تذكرت أمي واشتقت إليها، تذكرت الحاج هاشم، ذلك الإنسان
الفقير،الطيب، الذي أعدم أمام دكانه. قالوا لأن ابنه هرب من
الجيش، وابنه الآخر البالغ من العمر عشر سنين ينظر إلى أبيه
مذعوراً " تذكرت أقارب وأصدقاء كثيرين جميعهم قتلوا في الحروب
والبعض أعدموا في السجون "، نعم بقيت أعيش مع الذكريات فقط،
اكتشفت وحدي عالمي الجديد الذي يجب علي أن أعيش فيه وأصبح
بمثابة حبسي المؤبد الذي لا
يمكن لي الخروج
منه " ثم أخرج إلى أين ؟؟ ولكن مر بخاطري سؤال هو لماذا لا
أتذكر غير الموتى ؟؟ وهنا تذكرت صديقي سالم الذي انتحر حين
ألقى بنفسه في نهر دجلة من على الجسر الجمهوري في بغداد " .
عدت انظر حولي وأحدق في البياض الناصع الذي راح يحيط بي من كل
الجهات وأحاول أن أمد نظري إلى ابعد نقطة بيضاء فلم أتمكن.
عرفت أن البياض ليس له أفق وأنه بعيد
لا
أرى له نهاية
فأنا في بحبوحة " خطر
في بالي أن أصرخ صرخة
قوية لعل أحدا يسمعني لكن من هو وأين هذا الذي يسمعني ويجيبني
. تذكرت الموت والقبر، القيامة وجهنم والحساب، وأخذت استغفر
ربي على ذنوبي وخطاياي عسى أن يرحمني ويعفو عني
"أنا
لست ميتا مازلت حياً لكن أين أنا وما نوع الحياة التي أحياها
بدأت الخواطر تتوالى علي كالمطر
الغزير، وبسرعة مذهلة، أتاني خاطر يشككني بوجود جسدي فضحكت
وقلت في نفسي أهذه نكتة
أم ماذا؟ ها أنا أنظر إلى جسدي بعيني، أتاني خاطر
سريعا كالبرق أثقلني .. أتعبني.. تحملته بصعوبة كأنه يعاقبني
على ضحكي مجيبا، أو
ليست عيناك جزءأ من جسدك ؟ ارتبكت، أحسست بالاختناق، يا إلهي
هل فقدت جسدي ؟
أكاد
أجن هنا، كان حالي كمن ضرب بعمودٍ من حديد على رأسه وهو نائم
ففز مذعوراً هلعاً، لا أجد جوابا شافيا، بقيت ساكتا، خائفا،
مرعوبا " بعدها شعرت بالسكينة والهدوء الذي راح يدخل فؤادي
كانسياب الماء الزلال المنحدر
من الجبال في الينابيع بين الصخور رويدا رويدا. هدأ روعي وعدت
إلى حالتي الأولى وما أن استقر بي القرار حتى عاودتني الشكوك
ثانيةً بوجود جسدي وهذه المرة لم أملك جوابا أو دليلا أدافع به
عن جسدي، فاذا ذهب ماذا بقي مني؟ تذكرت هنا مقولة الفيلسوف
ديكارت، هو الآخر في عداد الاموات غادر هذا العالم منذ زمن
بعيد لا ادري الى اين، وماذا حل به؟ فقط تذكرتُ مقولته " انا
افكر،اذا، انا موجود " ولكن ما هو نوع هذا التفكيرونوع الوجود
؟؟ وربما هذه المقولة لا تنطبق على حالتي " تتزاحم علي
الخواطر وانا جالس محبوس في عالم الذكريات وكلها حول الاموات
ولاتجلب لي غير الحزن والهم ، فكرت ان انهض اتمشى قلت طيب الى
اين اتمشى ؟ اتمشى دون هدف، هل على الانسان أن يكون دائما له
هدف ؟ ربما ، ثم اذا تمشيت هل اتحرر او اخرج من سجن الذكريات
؟؟ام انها تظل معي ملازمه لي تصحبني اينما ذهبت ومكثت لا تنقطع
عني ؟؟
نهضت ورحت امشي وانا انظر الى تلك الفسحة، الواسعة، الجميلة،
الناصعة البياض
بينما انا كذلك، واذ لمحت شيئاً من بعيد كان انصع بياضا،ً خرج
من البياض ودخل من ناحية اخرى في البياض، لم اره جيدا، لم
استطيع تحديده، لا اعلم ماهو او ربما انا
توهمت شيئا لاادري؟ اذأً ما علي الا ان ابقى في حالة الترقب
والانتظار مغمورا
بالفرحة والسرور والتحرر والانعتاق حيث لاقيود ولااسوار، لاحجب
ولاموانع.
شعور يشدني الى حيث الطمأنينة الدائمة،السكون والهدوء
....
|