العدد 13 -------------- تشرين ثاني 2004     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

  النص البصري

 وتداعيات الذاكرة المطلقة لجسد الممثل في مسرح ما بعد الحداثة

   

 

                               د. فاضل سوداني

  ديناميكية اللغة البصرية

 

 يؤَول النص البصري كشفرة   تؤسس  بصرية العرض المسرحي المستقبلي  ضمن المفهوم السميائي والظاهراتي . وهذا التأويل الشفري للعرض  تكونه  انساق بصرية  تجوهر ذاتها  وتتحول وتتغير وتتطور باستمرار ، وتستقل عما يربطها ببعضها في الكيان الكلي البصري للعرض ،  ولكنها   في ذات الوقت تشكل مجتمعة صورة العرض  البصري  اعتمادا على أبعاد  دلالات التوكيد الجوهري أي  التجوهر الذاتي Focusingself  والثانوي Overcoding   حسب  إمبرتو ايكو . وهذه الانساق البصرية هي ( الجسد  وذاكرته المطلقة ، إيقاع الحركة ،ذاكرة الأشياء ،الديكور والفضاء السينغرافي  ،علاقات الضوء والظل ، اللون ، الصمت الديناميكي ، التداعي أي الهذيان البصري  للرؤيا الاخراجية  )

ولا يمكن ان  يكون مثل  هذا النص ( وبعد ذلك العرض )  بصريا مالم يتخلص من قصديات  مبدعه (المؤلف ـ المخرج ) ، وتتكامل  استقلالية النص نتيجة للقراءات التأويلية  الغنية المختلفة  التي يسمح بها مما يؤدي الى ان يتحقق زمنه وكينونته في فضاء العرض البصري ( الزمن  الابداعي) وليس في الفضاء النثري ( ألأدبي على الورق) وبمعنى آخر يخضع  النص  للبصريات التي يفرضها  مفهومنا للبعد الرابع للزمن والفضاء في  العرض المسرحي .

إن موت المسرح المعاصر يكمن في حيثيات سوق العرض والطلب التجاري  والمباشرة  وهامشية معالجاته لمشاكل الذات والمجتمع ، و كذلك  سذاجة  خدماته الاعلامية و سيطرت اللغة  الادبية السردية . أما مستقبله فيكمن في لغة النص والعرض  البصرية وأسرارها والمساهمة في  إغناء الوعي الجمالي للمتفرج المتفاعل .ولكن أية لغة هذه التي من المفترض أن تؤثر على البصر والبصيرة ؟؟

يرتكز النص البصري الذي ينبئنا بمستقبل العرض البصري  على ركيزتين  :

1)     اللغة الأدبية البصرية ( البعد البصري والمادي للكلمة ودلالاتها التأويلية )

2)      لغة  التداعي البصري للأنساق البصرية فيالفضاء  الابداعي ( أي الحوار بين ذاكرة  الجسد وتداعيات  الفضاء بما فيها ذاكرة  الاشياء  والانساق الاخرى ، وبين الفنان البصري ـ المخرج والممثل ـ  و المتفرج)

ان هذين الجانبين   اللغة الادبية البصرية   والتداعي  البصري للأنساق  هما اللذان يعيدان خلق اللغة الفنية بصريا سواء كان ذلك في النص أم في العرض  ، فمن خلالهما  يمكن أن نعيد الكلمة وأبعادها الأدبية السردية  والحوارية  إلى كينونتها التأويلية والدلالية والبصرية  في زمن جديد هو  زمن العرض البصري ، وهذا ينطبق أيضا على الأنساق الاخرى للعرض  مثل  الذاكرة الجسدية للممثل  وذاكرة الاشياء ،  أي  خلق كينونتهما  و تداعياتهما البصرية،  منذ  البذرة الاولى التي تكون  النص  وتتطور بعد ذلك في  العرض البصري الذي يعمل على تعميق  وإغناء ابعادها  الميتافيزيقية نتيجة لإمكانات التأويل التي يمنحها والتي تؤدي الى تغير الزمن الابداعي وزمن المشاهدة من واقعي الى زمن بصري(إبداعي )، ويتغير أيضا معنى المكان ، من ديكور ـ هندسي الى  سينغرافياالفضاء البصري

النص الادبي والنص البصري

لقد حدد تاريخ المسرح العلاقة بين المؤلف والمخرج  اوبين النص ـ العرض والمتفرج على الشكل التالي :

ان يكون النص  والعرض خطابا ( سياسيا واديولوجيا في الكثير من الاحيان ) ووسيلة  توصيل أفكار المؤلف والمخرج  للمتفرج  أي ان النص ومكونات فضاء العرض هما وسيط بين المؤلف ـ المخرج  وبين المتفرج.

 

ولكن اذا اعتمدنا مفاهيم ومفردات الهرمنوطيقيا الفنيومينولوجية ( التأويل الظاهراتي )لاكتشفنا  علائق ودلالات اخرى لها علاقة بأنساق بصرية  تمنح النص والعرض إمكانية التاويل البصري ، فتكون المعادلة أكثر تكثيفا  حيث تتحول من علاقة المؤلف بالنص  باعتباره خطابا لبث افكاره ( النص كوسيط )  الى علاقة جديدة  بين النص ( الذي يكون بالضرورة بصريا  ) ككيان ابداعي مستقل  وبين المتفرج ( الذي يجب ان يمتلك القدرة على ان يكون متفاعلا حتى يفهم بصريات النص ـ العرض ) :

                        مؤلف   +    كتابة بصرية                =    نص بصري

                        مخرج   +    رؤية و تداعي بصري      =   عرض بصري

           ممثل     +    رؤية بصرية للفضاء        =   الذاكرة الجسدية المطلقة

           متفرج    +    نص و عرض بصري      =   متفاعل ( التفاعلية )

اذن من خلال هذا نتوصل الى نص بصري وعرض بصري  وجمهور متفاعل  أي مبدأ التفاعلية في المشاهدة بدلا من النص الادبي  والعرض التقليدي  والمتفرج  الهامشي .

ولهذا فاننا  يمكن ان ندعو النص  المسرحي  غير البصري   ،  بالنص الادبي المغلق  النص الميت لانه ذلك  النص الذي يتحدث بالوسائل الادبية  عن كل الاجوبة  حد الثرثرة ، و لا يتعامل مع فضاء العرض البصري، وإنمايكتب بلغة الادب.

النص غير البصري ( ألأدبي ) والاغتراب                 

 ان مؤلف النص الأدبي المغلق   في المسرح يعمق اغتراب نص  العرض والفضاء الإبداعي  ومهمات المسرح عموما أمام المتفرج المتفاعل   ، لذلك فمثل هذا  النص  هو  اغتراب  لآنية العرض البصري و للمتفرج في ذات الوقت  . لأنه كتب ضمن إنشغالات تهدف إلى تحديد وتركيز وهيمنة الأطر الأدبية على فضاء العرض وإهمال الوسائل البصرية وجعلها ثانوية ،  او جعلها تخدم البعد التفسيري للصياغات الأدبية وثرثرة المضامين الواقعية والنفسية المقيتة  ، وبهذا فان النص المغلق هنا لا يسمح بالإمكانيات  البصرية  للمخرج والممثل بل يحدد أفق خيالهما ،وخاصة  القدرات التعبيرية للممثل   التي تعتمد على أطلاق  الأسرار الابداعية  لذاكرته  الجسدية المطلقة  والتي لا يتكامل إبداعها إلا في فضاء ديناميكية العرض البصري.

ومن جانب آخر فان النص الأدبي والعرض التقليدي غير البصري  يخلقان الاغتراب أيضا  في وعي وروح المتفرج ولا ينسجمان  مع طبيعة الحوار الذي يتم بين العرض البصري والمتفرج المتفاعل وبذلك يفقدان الاتصال فيما بينهما.

ان تداعي الرؤيا البصرية للمخرج  لإبراز  إمكانات  الأنساق التي تكّون فضاء العرض يشكل  لغة تجسيدية ودلالية وتأويلية لخلق التأثير والاتصال بين خيالين ،  خيال المتفرج من جانب وخيال الممثل ـ وذاكرة الاشياء  ـ المخرج من جانب آخر .لذلك فان المعادلة  في النص و العرض البصري  المعاصر ،  تفرض أدوات ووسائل ومفردات لغة بصرية جديدة  ، فتختلف جوهريا عما كانت عليه في النص المسرحي  الادبي المغلق .

 فالمخرج وتداعياته البصرية ( مؤلف وخالق الفضاء   البصري للعرض ) يأخذ دوره  محل المؤلف (مبدع النص البصري الذي أوحي بالعرض البصري المستقبلي ) ولهذا يتأسس ما ندعو  له أي  للبعد الرابع في الفضاء والزمن في العرض  المسرحي.  ويكشف النص و العرض  البصري  تلك الصور   واسرار الحوارات  واللغة المستترة  والصور المشعة والمثيرة ببراءتها  والأصيلة  لتبهرنا وكأنها تنبثق من السديم  النائي  في البرزخ الكوني .

ولذلك فا ن التداعي البصري  للأنساق الذي يمنحه  خيال الفنان البصري  هو زمن  يؤثر بصريا على المتفرج  ويؤدي به الى امتلاك لذة  التفكير في  جوهر زمني ـ  بصري إبداعي جديد ( العرض البصري الابداعي ) أي يضعه في زمن الابداع والحلم وميتافيزيقيا  الخيال . ومن هذا نستنتج بان المؤلف والمخرج صاحبا الرؤيا البصرية  يستطيعان ان يخّلصا النص والعرض من الاغتراب Alienation من خلال التأليف بالبصريات سواء كان نصا ام عرضا  ، ويتم تجاوز الاغتراب بتكييف accommodation  النص البصري او العرض البصري لمعاصرة المتفرج وجوهر مشكلته ( وهو ما يطلق عليه  هانس جادامر  بالمواءمة 

 appropriation /Aneigung و التي تدفعنا أهميتها الى تطبيقها  في المسرح )  . وهذا يؤكد استقلالية النص والعرض وانتماءهما للمتفرج  ويستطيع المتفرج المتفاعل ان  يخلق الحوار الهادف لفهم النص والعرض  البصري  ويجعل كل منهما  ملكا له..ولكي يفهم القارئ  والمتفرج قصدية  وبصرية النص الذي ندعو له  يجب تأشير الاختلافات الجوهرية بين السرد في النص الدرامي  الادبي وبين النص والعرض البصري على       الشكل التالي :

 السرد الدرامي الادبي المغلق          النص والعرض البصري المفتوح

ـ خطاب   تأويل أدبي                                  ـ تأويل بصري دلالي (ظاهراتي )

ـ نص  مغلق (يناقش العديد من المشاكل بما فيها         ـ نص وعرض بصري مفتوح

ثرثرات الواقع لكنه لا يفسح مجالا للتأويل البصري)

ـاعتماد الزمن الواقعي (الماضي الحاضر المستقبل )   ـاعتماد الزمن البصري، (تلامس الازمنة الثلاث+

                                                    ميتافيزيقيا الذاكرة المطلقة للجسد والمخيلة والرؤيا البصرية)

 

ـ واقعية ذاكرة المؤلف وذاكرة الممثل                   ـ بصرية ذاكرة جسد الممثل وتداعي فكر للمخرج

ـ حضور الشخصية والممثل والظروف الواقعية          ـ حضور الممثل وميتافيزيقيا ذاكرة الاشياء وفق

    المقترحة من قبل المؤلف                            رؤيا المخرج البصري في ظروف الفضاء البصري

النص البصري ضد قصديات المؤلف

ولكن النص  البصري ما ان يبدعه المؤلف وينتهي من كتابته حتى تنتهي علاقته  به انطلاقا من (  اللحظة التي يصبح  فيها النص منجزا  يكون المعنى النصي قد انفصل عن قصديات المؤلف ، ويلقي كل منهما قدره بمنأى عن الآخر )  ان  قصديات المؤلف للنص الادبي وقصديات المخرج  في المسرح التقليدي  تختلف  بشكل جذري  عن قصديات النص و العرض البصريان  . ومن هذا المنطلق يمكننا ان  نتوائم مع مفهوم هانس جادامر (انظر سعيد توفيق ـ مصدر سابق ) حول قصدية النص في أن المعنى النصي بعد ان يكتمل  لا يتطابق مع ما قصده  المؤلف ، لأن القصديات السايكولوجية للمؤلف تخصه وحده ، أما القصديات النصية  فيجب النظر اليها باعتبارها جزءا من خبرة القارئ ، ولكن في المسرح البصري  تصبح جزءا من  تأويل  المتفرج المتفاعل . لذلك  فان النص و العرض البصري  يمتلك امكانية  تهيئة ظروف  استيقاظ الفنان والمتفرج المتفاعل معا عند عتبة الوجود البصري الابداعي .

أما الذاكرة الجسدية البصرية المطلقة للممثل فهي القدرات وأسرار الجسد  البصرية  باعتباره ذاكرة بصرية ديناميكية لاترتبط بالماضي  بل بالحاضر والمستقبل ،  و هذا يعني كينونة  الجسد البصرية .  ومن خلال هذه الذاكرة الجسدية يخلق الممثل لغته البصرية .  هذا   ما ندعوه بميتافيزيقيا الذاكرة البصرية الجسدية المطلقة  و النص البصري الذي يوحي  بتداعي  الرؤيا الاخراجية البصرية  يجب ان يسمح   بمساحة لإعادة  خلق كينونة المكان الفضائي أي سينغرافيا الفضاء البصري  الذي هو زمن إبداعي مكثف في الفضاء  ، يمنح  وجودا جديدا ومستقلا لذاكرة الاشياء ولجسد الممثل والانساق البصرية الابداعية الاخرى .

وهنالك قضية أخرى  لها علاقة بلذة النص وتذوقه الجمالي  والفكري وبالتاكيد فإن هذا  شئ  ضروري للنص البصري ايضا قبل ان يمتلك ضرورته للنص الادبي  ، ولكن  هنا يتم التذوق  هذا من خلال مفردات النص البصري وأنساقه التي هي ليست فقط الكلمة ووسائل اللغة الادبية  ، وإنما    لذة النص البصرية  تتم   من خلال جميع وسائل النص البصري التي مر ذكرها ، فبدل الاعتماد على  الكلمة فقط لتحقيق  لذة النص  ، أصبت الوسائل البصرية التي تعتمد على مفردات الصورة والتصور والتخيل والبعد الميتافيزيقي لذاكرة الجسد وذاكرة الاشياء  وغيرها ، و هذه كلها إضافة الى الكلمة البصرية  ،  أصبحت هي التي   تشكل لذة بصرية  جديدة للقارئ او المشاهد  المتفاعل وتؤثر على جميع حواسه  وهو في  محيط ديناميكيته التفاعلية عند تلقيه للنص البصري .

ولا تعني  دعوتي لكتابة النص البصري  الى إلغاء الكلمة او الوسائل اللغوية  الاخرى عموما ، وإنما على العكس فان الكلمة  تصبح إحدى الوسائل البصرية المهمة  لتحقيق  النص البصري إذا أحسن إنتقائها  ، وإذا استطاع المؤلف  أن يحولها من كلمة أدبية  الى بصرية تصبح جزءا من تحقيق المشهدية  البصرية  في العرض  .

وهذا كله  يفرض اسس كتابة النص البصري في زمن مابعد الحداثة   و يوحي بل يفرض  أيضا  بعدا رابعا  للزمن  والفضاء البصري في العرض  المسرحي  .

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )