|
زهير كاظم عبود
يمثل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري رمزاً
عراقياً وإنسانياً ، ويمكن أن تكون القضية الكردية من القضايا
التي التزم بمؤازرتها ونصرتها الشاعر الكبير منذ زمن ليس
بالقصير منطلقاً في ذلك من مواقفه الثابتة ازاء حقوق الكرد
وتقديره لتضحياتهم واصرارهم على التواصل من اجل نيل تلك الحقوق
.
وبقي الجواهري صناجة الشعر العربي أميناً على قضية الكرد
لكونها تنبع من ذاته وتتداخل في أعتزازه بالحقوق وكراهيتة
للظلم والظالمين .
كانت القضية الكردية حاضرة في ضمير الشاعر محمد مهدي
الجواهري من خلال مناصرته لحقوق الأنسان وحقه في تقرير مصيره
، ومحبته الشديدة للسلم وكراهيته للحرب والقتال والدم ، ولهذا
فقد كان يصر على أن للكرد حقوقاً ثابتة وينبغي الإقرار بها .
وعبر عن تلك الحقوق ومواقفه من القضية الكردية في العديد من
مقالاته في الصحف التي أصدرها في بغداد .
وكأي نجفي يعتز بتربيته النجفية المتميزة ، بما عرف عن
أهل تلك المدينة الصحراوية التي تغلفها الأعراف والتقاليد
الصارمة ، والتي يتوارث الأبناء فيها القيم وحب المعرفة
والتقاليد جيلاً بعد جيل ، ومن مطالبة السلطات العراقية التي
تشن حرباً ضروساً ضد شعب الكرد بسبب مطالبته بالحقوق المشروعة
ليتصدى الجواهري الكبير بنشر شعار ( السلم في كردستان ) من ضمن
مطالبته بتحقيق الديمقراطية للعراق ليتطور الشعار الى المطالبة
بالحكم الذاتي للكرد ، بأعتبار أن هذا المطلب يحقق لهم أن صح
تطبيقة شكلاً من أشكال السلطة الدستورية في العراق والذي يلبي
طموحهم وآمالهم في البنيان الكردي ضمن العراق .
كان محمد مهدي الجواهري عضواً في المؤتمر التأسيسي لحركة
السلام العالمي والتي كانت منبراً من منابره التي يندد بها
بالحروب وحجــب حقوق الإنسان وداعية من دعاة السلام ، وكان
بحق أبن الفراتين الذي ما أنفك يطالب بالسلام في الدنيا وفي
بلاده ، وهو الذي اطلق البيت الشعري الذي يقول فيه وسط حشد من
المحتفلين بمؤتمر أنصار السلام :
(( عاش السلام وعاشت الدنيا لأنصار السلام )) .
وبقيت القضية الكردية في تلافيف الضمير عند الجواهري يحملها
معه أينما حل وأينما رحل ، وليس اعتباطاً أن يعتمر طاقيته
المشهورة التي يطرزها أسم كردستان ، فللنجفي رمزية شديدة في
قضية غطاء الرأس ، ولهذا الغطاء أهمية قصوى في علاقات عرفية
تعني منها الشرف وشخصية الإنسان وكرامته ، ولهذا فأن أسقاط
غطاء الرأس ( العمامة أو العقال ) عند أهل الفرات الأوسط و
النجف بشكل خاص قضية شائكة تصل حد الاقتتال والحكم العشائري .
وتحدث الباحث العراقي المتألق والكاتب الدكتور محمد حسين
الأعرجي عن هذا الجانب من حياة الجواهري في كتابه الموسوم (
الجواهري .. دراسة ووثائق ) الصادر عن دار المدى بدمشق والذي
الحقه بملحق عن ذكريات شخصية ومراسلات لم تنشر سابقاً عن حياة
شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري .
كانت الطاقية ( غطاء الرأس الشعبي ) التي لازمت الشاعر
محمد مهدي الجواهري أكبر من كل تلك المعاني والتقاليد التي
حافظت عليها النجف المدينة المزروعة في قلب الشاعر والتي لها
التأثير الكبير على شخصيته وحياته وثقافته و لانغالي اذا قلنا
أن حركات يديه وطريقة كلامه قد تكون جميعها مرتبطة بانعكاس
مدينة النجف وطريقة أهلها في الكلام وأعرافهم وتقاليدهم
الأجتماعية المتميزة ومحبتهم للاستماع إلى كل ما هو جميل
وممتع من الحديث وحفظ الأحاديث والعلوم والشعر وبالتالي أستلال
ماينفع ويفيد وطرح الباقي دون ضجة .
النجف المدينة المتميزة بقبــــورها وضمها مرقد الأمام
علي بن ابي طالب ( ع ) المتجلية فوق ضريحه القبة الذهبية التي
تحتوي على 7777طابوقة من الذهب الخالص ، بالأضافة الى المدارس
الفقهية والشرعية وطلبة الدراسات الدينية من كل العالم ، وكتب
على ظاهر القبة الذهبية ثلاث سور قرآنية هي الجمعة والنبأ
والفتح ، وترتفع القبة 42 مترا وتعلو المرقد مئذنتان ذهبيتان .
مدينة اشبه بالأسطورة قائمة فوق أقصى رمال الجزيرة تحوي
المتناقضات وسكنها تباعاً خزين ثر من العوائل التي توارثت
العلم والفقه والشعر والرسم والتبحر في أصول الشريعة حتى أشير
اليها في كتب السير والرجال ، حتى طغت على مدينة تاريخية
سبقتها في الحضور التاريخي وكانت حاضرة من حواضر الحضارة
العربية والأسلامية لابل كانت عاصمتها ( الكوفة ) حين صارت هذه
المدينة العريقة تابعة من توابع المدينة الأسطورية النجف .
المدينة التي شهدت ولادة الجواهري والمتنبي وهي أرض
مرتفعة عما جاورها وبقيت ليس فقط مرتفعة في مكانها الجغرافي بل
تعداها الى ارتفاع مكانتها السياسية والاجتماعية والدينية
والفقهية ، وهو سر من أسرار النجف أنها قادرة على أن تلد
العظماء والعلماء والقادة والشهداء أيضاً بشكل مختلف عن بقية
المدن .
للطاقية التي يلبسها الجواهري على جلدة رأسه والمنسوجة
في كردستان أكثر من معنى في ظرف تاريخي عصيب ، كان الجواهري
يريد أن يحمل الرمز معه شاهداً على بقاء الكرد وقضيتهم محمولين
على الرأس .
وهذه الكلمة يرددها أهل النجف حين يريدون أن يقولوا
واثقين من أنفسهم للمقابل أن قضيته على حق فيقول النجفي (( على
رأسي ) ) ، وهاهو الجواهري يقولها ولكن ليس مرة واحدة وأنما
بأصرار المستمر حتى آخر لحظة من عمره، حيث لازمته الطاقية
المنقوش عليها اسم كردستان كرمز ثابت من رموز يعتقدها الجواهري
بحق أنها على الرأس .
وحين تشتد المنازلة بين الشعب العراقي وسلطاته القمعية
والشوفينية ، وحين حل وباء البعث بعد الثامن من شباط 1993
وغادر الجواهري مطلقاً صوته وحاملاً راية الدفاع عن الشعب
العراقي المنكوب بهذه السلطة التي حلت بعربة أمريكية أطلق
أبياته الشعرية الخالدة :
قلبي لكردستان يهدي والفم ولقد يجـود بأصغريه المعدم
انا صنو يومك في كفاحك محرب شاكي العزيمة أعزل متقحم
ولعله يريد أن يشير إلى رغبته بأن يكون مقاتلاً ضمن صفوف
الحركة الكردية المسلحة في كردستان العراق لولا تقدم العمر ،
بل لولا مكانته وقدرته على ايصال صوت المطالبة بالحرية والدفاع
عن قضية الشعب العراقي في الديمقراطية والحكم الذاتي والسلام
لكردستان العراق وهو في مغتربه وابتعاده عن الوطن يراقب عن كثب
ما يجري في بلده من حمامات دم وحفلات موت تستفزه فيطلق قصيدته
الشهيره بحق عبد السلام محمد عارف رئيس سلطة 1963 :
أيا عبد حرب وعدو السلام ياخزي من زكى وصلى وصام
وكان لموقف الجواهري ورفاقه في حركة الدفاع عن الشعب العراقي
في براغ من الحركة الكردية ومدها بالعون المادي واستقبال زعيم
الثورة الكردية الملا مصطفى البارزاني في براغ لشرح أبعاد قضية
الشعب الكردي في كردستان العراق .
ويشتعل شوقاً لوطنه ويأمل أن يتخلص الشعب من جلاديه مع بقائه
أميناً على قضية الكرد .
ويجنح الجواهري إلى الرمزية في العديد من قصائده فيشير إلى
الشعب الكردي مختصراً نضال الكرد ودفاعهم المستميت عن قضيتهم
العادلة ويطلق لقب ( صقر الشمال ) على قائد الثورة الكردية
المسلحة فيقول :
جاذبت من (( صقر الشمال )) وأنه بالعز امنع من مطار
عقاب
ومسحت غضبة قسور عن وجهـه ولقطت عن فـمه مرارة صاب
وأريته أن النفوس معاجــز جلى اذا خلصت من الأوشاب
عملاق جن في الحروب ودعلج في السلم يحمي الجلد بالنشاب
وسط الجبال كأن صم صخوره من بعض ما أستصفى من الحجاب
مستشرفاً كبد السماء جبينه للنيرات ورجلــه في (
الزاب )
عجمت قناة (( الأربعون )) يخوضها كالحوت يمرق من خضم عباب
ويبقى الجواهري صوتاً من الأصوات الداعية لحقوق الإنسان ومن
ضمن هذه الحقوق حق الأكراد في اختيار نموذجهم الدستوري في
الحياة السياسية في العراق ، ويبقى الجواهري صوتاً قوياً يطالب
بحق الكرد في شراكة حقيقية في الوطن ، حتى ترضخ السلطة
العراقية إلى المطالب الجماهيرية الواسعة ( ليس أيماناً وإنما
امتصاصاً لرغبة الشعب العراقي ) وبغية ايجاد وسائل وطرق
للالتفاف وإجهاض المطالب المشروعة للكرد وبالتالي تخيل القضاء
على حركتهم الشعبية المتزايدة والتي قويت شوكتها أقليمياً
وعسكرياً .
يوم الشمال وليس يومك وحده هو يوم كل محلة وجناب
وحقاً كانت القضية الكردية في ضمير كل عراقي ووسط بيوتهم
وأحاديثهم ، وحقاً أن التلاحم والتعاطف الذي صدر من أعماق
ضمائر العراقيين العرب الشرفاء حول مناصرة القضية الكردية سواء
بالمساهمة في القتال أو بمد يد العون أو بالتبرعات للمنكوبين
من أبناء الكرد جراء العمليات العسكرية والتشريد والتنكيل
والقتل التي قامت بها القوات العسكرية .
ولأن تحقيق السلم في كردستان أضحى حلماً من أحلام العراقيين
وليس مطلباً جماهيرياً فقد بات الجواهري يلعن العهود التي
تقاتل الكرد :
لعنت عهود آثمات خلفها من لعنة الأجيال شر عقاب
قد كاد ينفلت الزمام ويدحي ركب العراق لهلكة وتباب
وتصارخ التاريخ مما شوهت منه يراعة مارق نصاب
وهي كلمات تنفذ الى عمق قضية العراق الأولى لعنة الأجيال على
السلطات التي لم تتعفقل وتحقن الدماء وتشتري الإنسان وتحفظ
الوطن مهاباً جليلاً بوحدته وتماسك عربه وأكراده وتركمانه ،
لكنها كانت تريد أن تركب التهلكة وتستمر في نشر الخراب والموت
والدمار تحقيقاً لرغباتها المريضة ، ويكبر الحلم في ضمير
الجواهري حتى يصير طيفاً عراقياً يريده ملموساً أمامه .
طيف تحدر من وراء حجاب غضر الترائب مثقل
الأهداب
متفجر الينبوع يزخر بالسنا ويرش وجه الفجر
بالأطياب
ويتلمس طاقيته المطرزة بوشم كردستان الملون يقوم ميلانها فوق
شعيراته البيضاء ، مصراً أن تكون كردستان حاضرة معه في كل
دقائق عمره ولايتوانى من أن يطلق حكمته وشذراته العبقة ونصائحه
السديدة إلى القابضين على جمر السلطة .
هي فرصة مر السحاب فلاتفت أولا فمن يسطيع رد
سحاب
وتكثر رسائله للقيادة الكردية ويكون حاضراً معهم في أفراحهم
وأنتصاراتهم وأحزانهم وصمودهم وليس أكثر تعبيراً من شعره ومن
مواقفه تجاه القضية الكردية ما كتبه للزعيم البارزاني في رسالة
له مؤرخة في 12/3/1970 نشرت من ضمن أوراق الشاعر الخالد
الشخصية يقول فيها :
(( إن التاريخ – أيها السيد الزعيم – سيظل محدثاً عنك بأبلغ
لسان ، وأصدق تعبير ، وبقوة مأثورة عنه ، لاتعرف المحاباة
ولاالتزييف ماظل متحدثاً – هذا التاريخ – عن مدى ارتباطه
بقضايا الشعوب الصامدة وأمجادها وبطولاتها ، وأخيراً فعن
مصائرها ومصاعدها ذرى الرفعة والمنعة )) .
لم يكن الجواهري شاعراً فقط في القضية الكردية بل كان سجلاً من
المواقف التي لم تتغير ولم تبدلها عاديات الزمن وتبدل الظروف
والمكان ، فقد بقي أمينا على اعتقاده بحق الكرد في حياة تليق
بهم وبشراكة في الوطن يستحقونها بحق أو ليس هو القائل :
أقسمت بالدم عملاقاً فلازيغ في مشيتيه ولاعوج مناكبه
وحفظ الشعب الكردي للجواهري مواقفه الإنسانية والداعمة لحقوقهم
المشروعة ، وحفظ الأكراد للجواهري تواصله وأصراره المبني على
العقيدة والثبات في الموقف الذي كان عليه الجواهري خلال تقلب
السلطات المتعاقبة على حكم العراق والتي كان لها موقف من
قضيتهم الأنسانية .
وقلبه لكردستان وضميره الحي المتوقد مولعاً بمحبة شعب كردستان
وليس عند الجواهري غير أصغريه يمنحهما لشعب كردستان وهي أقصى
ما يستطيع أن يمنحه الجواهري الذي كان بأصغريه يشكل ثروة
أنسانية وثقافية متميزه لم يمنحها لأحد من قبل .
لموا صفوفكم وخافوا غدرة رقطاء من مستعمر
وثاب
وهي فرصة تمر مر السحاب للإقرار بحقوق الكرد فمن يستطيع أن
يعيد هذه الفرصة إذا ولت ، ولكنها ولت حينها يا أبا فرات فقد
خطط صدام وغلمانه خططاً في الظلام أرادوا بها الشر والسوء لشعب
الكرد لا لسبب سوى انغلاقهم قومياً وشوفينيتهم المريضة
وعراقيتهم الناقصة فعمدوا إلى الشروخ والتحالفات المشينة
والمؤامرات ولغة القتل والموت والدم لعلها تقمع شعباً وتخمد
صوت الملايين فخمدت اصواتهم وانتصرت قضية الشعب .
ليتك أيها النخلة الجواهرية التي ما توقفت عن عطاء التمر في
الزمن البخيل تكون حاضراً لتشهد التحام الصفوف وغضب الشعب
ونهاية الطغيان والطاغوت .
وأنت الذي كان يلج البيوت على الطغاة ويغري الوليد بشتمهم
والحاجبا ، وأنت الصوت الذي لم يستكن .
وإذا كان الجواهري يختزل الزمان ويتحدى السلطات التي تعني
الموت والملاحقة والمطاردة ومحاولات الاغتيال فكانه يريد أن
يقول عن نفسه :
تحدى الموت واختزل الزمانا فتى لوى من الزمن العنانا
وهو اذ يشير إلى المتنبي فأنه يشير الى نفسه لتلازم روحيهما
في المكان والزمان والهجرة والأغتراب ومطاردة السلطات وقولة
الحق والمذهب وبلوة الشعر .
غير أن الكرد وحتى الرمق الأخير من روحه المتشظية والحالمة
بالعراق وبتحقيق حقوقهم بقوا حاضرين في أحاديثة ولقاءاته وفي
جلساته الدافئة في دمشق وقبلها في براغ ، وكان دائم السؤال عن
شعب الكرد وأحوالهم وقياداتهم التي أستمرت تتواصل معه ، كما
يسأل عن حال وأحوال النجف التي لم تغب عن باله لحظة واحدة .
وإذ يقيم الكرد مهرجانا سنويا أحتفاء بالجواهري الكبير حين
تصمت العرب صمت القبور عن ظاهرة تاريخية في الثقافة الشعرية
قلما تكررت منذ زمن المتنبيء ولحد اليوم ، فظاهرة شعرية متميزة
وثقيلة مثل ظاهرة محمد مهدي الجواهري جديرة بأن تدرس ويتم
الأهتمام بها إنسانياً قبل أن يهتم بها محلياً ، وإذ يكرم
الكرد بإقامة تمثال للشاعر الكبير فأنهم يعبرون عن أمتنان
الشعوب لمن وقف مع قضاياها وتضحياتها ويقفون مع من كان الأنصاف
والضمير يحكم مواقفه ومبادئه ولايخشى في الحق لومة لائم .
أستحق الجواهري كل هذه المحبة من الأكراد لانه افنى حياته
واقفاً مع حقوقهم المشروعة ، وداعية من دعاة حقوق الأنسان
،واستحق الجواهري كل هذا الدفق من المحبة والتقدير من العرب في
العراق وبقية أقطار الضاد لأنه كان الشاعر وآخر عمالقة الشعر
العربي بالإضافة إلى اشتباكه مع قضايا العراق والأمة العربية
، والعلاقة الإنسانية الوطيدة بين الشاعر العربي الكبير محمد
مهدي الجواهري وبين شعب الكرد تدل بشكل واضح على مدى الانسجام
والترابط الأخوي الحقيقي بين العرب والأكراد في العراق .
والجواهري يستحق التكريم والثناء الذي يعكسه الشعب الكردي
وقيادته ، وهو دليل على عمق العلاقة الأصيلة بين الجواهري وبين
الكرد ، وبين الجواهري وحقوق الإنسان .
|